الأحد 7 يونيو 2026
كيف يمكن للصورة أن تتحول إلى أداة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي؟ وكيف يصبح الفن، الذي يُفترض فيه أن يوسّع أفق الإنسان، وسيلة لإعادة إنتاج تراتبية عرقية تُشرعن الإقصاء والهيمنة والاستغلال الإمبريالي؟ ثم كيف استطاعت السينما الأمريكية، في لحظة مبكرة من تاريخها، أن تضع أسسًا جمالية لصناعة الترفيه الجماهيري، وفي الوقت ذاته تزرع في هذا التأسيس بذور خطاب عنصري ممتد الأثر؟ هذه الأسئلة تفرض نفسها عند التأمل في فيلم "ميلاد أمة" (The Birth of a Nation) الذي أخرجه ديفيد وارك غريفيث عام 1915، ذلك العمل الذي جمع بين الريادة التقنية والاختلال الأخلاقي في تركيبٍ واحد، فصار علامة تأسيسية في تاريخ السينما الأمريكية، وعلامة جرحٍ مفتوح في تاريخ تمثيل الأفارقة على الشاشة.
إنّ خطورة هذا الفيلم لا تكمن في كونه سردية منحازة فحسب، وإنما في كونه لحظة تأسيس للسينما الجماهيرية ذاتها. لقد قدّم بناءً ملحميًا، وانتقالات للمونتاج متطورة واحترافية، واستعمالًا دراميًا للّقطات الواسعة وحركة الجموع، فخلق نموذجًا بصريًا تبنّته الصناعة لاحقًا.
غير أنّ هذا الإنجاز الجمالي جاء متشابكًا مع خطاب يُعيد إنتاج السود عبر صور نمطية تحيلهم إلى التهديد الوجودي، والانفلات الغريزية، والعنف الجنسي، ويحوّل منظمة يمينية عنصرية مثل: "كو كلوكس كلان" (Ku Klux Klan) إلى قوة خلاص تاريخي. بذلك أصبحت التقنية في خدمة الأيديولوجيا، وأصبحت البلاغة البصرية أداة لإعادة كتابة التاريخ.
علاوة على ذلك، فالسينما منذ نشأتها، ارتبطت بإنتاج الخيال الجماعي، لأن الصورة المتحركة لا تنقل الحدث فقط، وإنما تصنع معناه، وتُعيد ترتيب الذاكرة العامة. وحين تُصوَّر حقبة إعادة الإعمار الأمريكية بعد الحرب الأهلية، في الفترة من عام 1861 إلى 1865 بوصفها فوضى سببها صعود السود إلى المجال السياسي، فإنّ المتلقي يُدفع إلى تبني قراءة تُحوّل الضحية إلى خطر، وتحوّل المستفيد من العبودية (الولايات الجنوبية) إلى حامل للنظام والمدافع عن الديمقراطية الأمريكية.
إن اللون في السياق الأمريكي، ليس تفصيلًا شكليًا، بل تاريخٌ كامل من العبودية والقهر والهيمنة... وحين يُختزل هذا التاريخ في قناع، فإنّ الذاكرة نفسها تُفرَّغ من ثقلها الأخلاقي
هكذا، يعكس هذا الانقلاب في المعنى ما وصفه ميشيل فوكو بالعلاقة العضوية بين السلطة والخطاب في كتابه "إرادة المعرفة"؛ فالمعرفة كما يرها تُنتج داخل شبكات قوة، تحدد ما يمكن قوله وما ينبغي إسكاتُه. وفيلم "ميلاد أمة" مارس هذا الدور بوضوح حيث قدّم رواية تُقصي روايات أخرى، وأعاد تشكيل الوعي التاريخي لجمهور واسع عبر أداة ترفيهية.
لقد استند الفيلم إلى رواية توماس ديكسون المعنونة بـ"رجل الجماعة" التي نشرت عام 1905 التي تمجّد الجنوب الأبيض، وتُحمّل السود مسؤولية الفوضى السياسية بعد الحرب الأهلية. غير أنّ السينما أضافت إلى النص الأدبي بُعدًا مضاعفًا وهو الصورة، حيث أن الجسد الأسود في الفيلم صُوّر عبر ممثلين بيض استخدموا "الوجه الأسود" في تمثيل بدائي، في إشارة إلى أنّ الهوية الإفريقية يمكن ارتداؤها وخلعها كقناع.
هذا الفعل الرمزي يحمل دلالة عميقة؛ إذ يُجرّد الأفارقة من حق تمثيل أنفسهم، ويحوّلهم إلى موضوع تخييل يُدار من خارجهم. ما يعني أن اللون في السياق الأمريكي، ليس تفصيلًا شكليًا، بل تاريخٌ كامل من العبودية والقهر والهيمنة...، وحين يُختزل هذا التاريخ في قناع، فإنّ الذاكرة نفسها تُفرَّغ من ثقلها الأخلاقي. كما أن السينما في هذا السياق أدّت وظيفة مزدوجة: تثبيت صورة نمطية، وإضفاء شرعية عليها عبر الجماليات. إنّ مشاهد المطاردة، وحشود الفرسان بملابسهم البيضاء، وموسيقى الانتصار، كلها تُنتج شعورًا عاطفيًا يجعل المتلقي يتماهى مع "المنقذ" الأبيض. هنا تكمن قوة السينما: قدرتها على تحريك العاطفة قبل العقل. إنّها لا تُجادل بالحجج، بقدر ما تُغمر المشاهد في تجربة حسية تُعيد تشكيل إدراكه. ولهذا السبب استمر تأثير الفيلم لعقود، وأسهم في إحياء نشاط جماعة كو كلوكس كلان بعد أن كانت في حالة انحسار وعدم قبول من طيف واسع من الأمريكيين.
إنّ التناقض بين الإبداع الجمالي والانحياز الأخلاقي في هذا الفيلم يعكس مفارقة الحداثة نفسها. لأن الحداثة التي أنتجت أدوات تصوير متقدمة، وأشكال سرد مبتكرة، هي ذاتها التي حملت إرث العبودية والفصل العنصري
يمكن قراءة هذه الظاهرة في ضوء تحليل هربرت ماركوزه لصناعة الثقافة في كتابه "الإنسان ذو البعد الواحد"، الذي رأى أنّ وسائل الإعلام الحديثة تُنتج وعيًا مُدارًا يخدم بنى الهيمنة. فالصورة حينما تتكرر تتحول إلى بديهية، والبديهية تتحول إلى معيار للحكم الأخلاقي. وهكذا، ففيلم "ميلاد أمة" لم يكن خطابًا سياسيًا مباشرًا، بل كان عملًا ترفيهيًا ضخمًا جذب ملايين المشاهدين، عُرض في البيت الأبيض، وحقق أرباحًا غير مسبوقة. هذا الانتشار منح رسالته قوة مضاعفة، لأنّ ما يُستهلك جماهيريًا يكتسب صفة "الطبيعي" و"البديهي".
لكن الجدل الذي أثاره الفيلم منذ صدوره يكشف أن الصورة لم تمر دون مقاومة، فقد احتجت "الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين" (National Association for the Advancement of Colored People)، واندلعت تظاهرات في مدن وولايات عدة، وطالبت العديد من الأصوات المناهضة للعنصرية بإيقاف عرضه. هذه المقاومة تذكّر بأن الخطاب العنصري، مهما تجمّل، يظل قابلاً للتفكيك حين يُواجه بوعي نقدي. غير أنّ السؤال الفلسفي الأعمق يتعلق بقدرة الفن على الانفصال عن أيديولوجيته: هل يمكن الاحتفاء بالريادة التقنية مع تجاهل البنية العنصرية؟ أم أنّ الشكل والمضمون متشابكان إلى حدّ يجعل الفصل بينهما مستحيلاً؟
إنّ التناقض بين الإبداع الجمالي والانحياز الأخلاقي في هذا الفيلم يعكس مفارقة الحداثة نفسها. لأن الحداثة التي أنتجت أدوات تصوير متقدمة، وأشكال سرد مبتكرة، هي ذاتها التي حملت إرث العبودية والفصل العنصري. وهكذا، خرجت الصورة المتحركة من رحم مجتمع لم يتصالح بعد مع ماضيه، فحملت هذا التوتر داخل بنيتها.
إنّ السؤال الفلسفي الأعمق يتعلق بقدرة الفن على الانفصال عن أيديولوجيته: هل يمكن الاحتفاء بالريادة التقنية مع تجاهل البنية العنصرية؟ أم أنّ الشكل والمضمون متشابكان إلى حدّ يجعل الفصل بينهما مستحيلاً؟
يكشف فيلم "ميلاد أمة" أن الفن لا يتحرك في فراغ، وإنما يتغذى من المناخ الثقافي والسياسي الذي يولد فيه. بالإضافة إلى ذلك، إن استغلال السينما لتشويه الأفارقة لم يتوقف عند هذا الفيلم، غير أنّه اتخذ أشكالًا أكثر مواربة في المراحل اللاحقة. فحين تُقدَّم الشخصيات السوداء في أدوار ثانوية أو نمطية، أو تُربط دائمًا بالعنف والفقر، فإنّ الصناعة تعيد إنتاج صورة تاريخية ترسّخت منذ البدايات. غير أنّ الفرق بين الماضي والحاضر يتمثل في اتساع مساحة النقد، وصعود أصوات سينمائية إفريقية وأفرو-أمريكية تسعى إلى استعادة السرد من الداخل.
في الأخير، إنّ الدرس الذي يقدمه فيلم "ميلاد أمة" يتجاوز لحظته التاريخية، إنّه يذكّر بأن الصورة قوة سياسية، وأن السينما والفن يمكن أن يخدم الهيمنة بقدر ما يخدم التحرر. وحينما تُستعمل السينما لتثبيت تراتبية عرقية، فإنها تُحوّل الترفيه إلى أداة هندسة اجتماعية. لذلك تظلّ مساءلة هذا الفيلم وغيره من الأفلام العنصرية ضرورية، لا رغبة في إلغائه من التاريخ، وإنما لفهم كيف يمكن للفن أن يكون سلاحًا في معركة المعنى، وكيف يمكن للوعي النقدي أن يعيد للصورة بعدها الإنساني، ويمنعها من التحول إلى مرآة مشروخة تعكس وجهًا واحدًا للعالم وتُقصي الوجوه الأخرى.