الأربعاء 12 أغسطس 2026
تسعى مجموعة شرق أفريقيا إلى تسريع تنفيذ مشروع "السوق الرقمية الموحدة"، في إطار ما تعتبره أكبر مبادرة للتكامل الرقمي في تاريخ التكتل الإقليمي، والتي تهدف إلى إنشاء فضاء رقمي مشترك يضم أكثر من 330 مليون نسمة عبر الدول الأعضاء الثماني، بما يسمح بحرية انتقال البيانات والخدمات الرقمية والمدفوعات الإلكترونية والتجارة عبر الحدود. وقد شهدت مدينة أروشا التنزانية خلال الأسبوع الأخير من يونيو 2026 انعقاد منتدى "الرقمنة من أجل التنمية" (Digital for Development Forum 2026)، الذي حمل شعار "من الاستراتيجية إلى التنفيذ: بناء السوق الرقمية الموحدة"، بمشاركة مسؤولين حكوميين ومحافظي بنوك مركزية وشركات تكنولوجيا ومؤسسات تمويل دولية.
يمثل المشروع محاولة لتجاوز التحديات التي تواجه الاقتصاد الرقمي في شرق أفريقيا، حيث ما تزال الحدود التنظيمية والتشريعية تعيق التجارة الإلكترونية والخدمات المالية العابرة للحدود. وتعمل الأمانة العامة لمجموعة شرق أفريقيا على مواءمة التشريعات المتعلقة بحماية البيانات، والأمن السيبراني، والهوية الرقمية، والتوقيع الإلكتروني، وأنظمة الدفع، بهدف إنشاء بيئة رقمية موحدة تسمح للشركات والأفراد بالعمل والتعامل عبر دول المنطقة دون عوائق تنظيمية كبيرة. ويستند المشروع إلى الاستراتيجية الإقليمية للتحول الرقمي التي اعتمدتها دول المجموعة بدعم من الاتحاد الأوروبي ومؤسسات التنمية الدولية.
ووفقاً للمناقشات التي شهدها المنتدى الإقليمي، فإن أحد أهم مكونات السوق الرقمية الموحدة يتمثل في إنشاء منظومة إقليمية للمدفوعات الرقمية والتحويلات المالية منخفضة التكلفة، بما يسمح بتنفيذ المعاملات التجارية باستخدام العملات المحلية وتقليل الاعتماد على العملات الأجنبية. كما تعمل المجموعة على تطوير إطار موحد لخدمات التجوال الإقليمي للهاتف المحمول، بهدف خفض تكاليف الاتصالات وتحسين الربط الرقمي بين الدول الأعضاء، وهو ما يُنظر إليه باعتباره شرطاً أساسياً لتعزيز التجارة الإلكترونية والتكامل الاقتصادي.
أكد مسؤولون في مجموعة شرق أفريقيا أن الانتقال من مرحلة وضع الاستراتيجيات إلى مرحلة التنفيذ العملي أصبح ضرورة اقتصادية، في ظل التوسع السريع للاقتصاد الرقمي العالمي. وتشير التقديرات إلى أن إنشاء سوق رقمية موحدة قد يضيف مليارات الدولارات إلى اقتصادات المنطقة خلال العقد المقبل، من خلال توسيع فرص التجارة الإلكترونية، وجذب الاستثمارات التكنولوجية، وتحسين وصول الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى الأسواق الإقليمية. كما تراهن دول المجموعة على نجاح التجربة الكينية في مجال الخدمات المالية الرقمية والابتكار التكنولوجي كنموذج يمكن تعميمه على بقية الدول الأعضاء.
غير أن المشروع يواجه تحديات كبيرة، أبرزها تفاوت مستويات البنية التحتية الرقمية بين الدول الأعضاء، واختلاف الأطر القانونية والتنظيمية، وضعف الربط بشبكات الإنترنت عالية السرعة في بعض المناطق. كما يحذر خبراء الاقتصاد الرقمي من أن نجاح السوق الرقمية الموحدة يتطلب استثمارات ضخمة في مراكز البيانات، والأمن السيبراني، والهوية الرقمية، إضافة إلى إصلاحات تشريعية واسعة تضمن حرية تدفق البيانات وحماية الخصوصية.
يرى مراقبون أن مشروع السوق الرقمية الموحدة قد يصبح أحد أهم مشاريع التكامل الاقتصادي في أفريقيا خلال السنوات المقبلة، خاصة في ظل المنافسة المتزايدة بين التكتلات الإقليمية الأفريقية لتطوير اقتصاداتها الرقمية. وإذا نجحت مجموعة شرق أفريقيا في تنفيذ خططها، فإنها قد تتحول إلى واحدة من أكبر الأسواق الرقمية المتكاملة في العالم النامي، مما يعزز موقعها الاقتصادي والاستراتيجي داخل القارة الأفريقية ويمنحها دوراً أكبر في رسم مستقبل الاقتصاد الرقمي الأفريقي.