الجمعة 17 أبريل 2026
ظل الشعر في الصومال أكثر من مجرد زينة لغوية أو وسيلة للتعبير؛ كان صوتًا للمقاومة، وجسرًا لنقل المعنى حين تنقطع السبل. ومن بين أبرز أشكال هذا التعبير، يبرز البُرَامْبُر- النمط النسائي من الأدب الشفهي- كأداة ثقافية استخدمتها النساء لتفكيك الهيمنة الذكورية، التي طالما صاغت سرديات الحرب والتاريخ والهوية.
في هذا المقال، الذي كتبته إكرام شريف وحرّرته سارة بيث أندروز، نُعيد النظر في الشعر الصومالي من زاوية نسوية، بوصفه مساحة للنضال ضد الاستعمار والتمييز، ومنبرًا انتزعت فيه النساء حقّهن في التعبير والوجود، في وجه الإقصاء والصمت المفروض.
يُظهر المقال كيف تحوّل البُرَامْبُر إلى سجلّ للمعاناة الجماعية، وأداة لبناء هوية نسائية مقاومة، تُناهض صورة المرأة الصامتة أو الضحية. ومع ذلك، لا يغفل المقال المفارقة المؤلمة: فبرغم القوة الرمزية لهذا الشعر، ظل تأثيره السياسي محدودًا، في ظل تجاهل الأنظمة والمؤسسات الدولية لمعاناة النساء الصوماليات، خصوصًا خلال فترات النزاع.
يتأرجح هذا المقال، بين وهج الكلمة وحدود الفعل، في المساحة الهشة بين الثقافة والسياسة، بين الأمل والفقد، ليُعيد طرح سؤالٍ قديم بلسانٍ جديد: هل تكفي الكلمة لتكون سلاحًا في زمن يُفرض فيه الصمت؟
لا يُعدّ الشعر مجرد وسيلة للتعبير الفني، في الصومال، بل هو جزء حيّ من الذاكرة الجماعية، ومصدر قوة مجتمعية، خصوصاً بالنسبة للنساء. منذ قرون، ظل الشعر الصومالي وسيلة فاعلة للتحدّي والمقاومة، استخدمته النساء لإيصال أصواتهن وسط واقع سياسي واجتماعي عنيف ومقيد. ومن خلال قصائدهن، لم يُعبّرن فقط عن الألم والمعاناة، بل جعلن من الشعر سلاحًا لمواجهة الاستعمار، وتفكيك الأعراف الذكورية التي طالما همّشتهن.
لم تكن الحرب، سواء في إطارها الاستعماري أو الأهلي، مجالاً محايدًا. فالمقاربات التي سادت في تحليلها، وخاصة في الدراسات الأكاديمية، كثيرًا ما تمركزت حول الرجال، باعتبار أن الحرب ممارسة ذكورية، وميدانًا لتجسيد مفاهيم تقليدية للرجولة. هذا التحيّز أفضى إلى تهميش تجارب النساء، بل وتجاهل آثار الحروب المدمّرة عليهن، من فقدان الحماية والكرامة، إلى التحوّل إلى أهداف للعنف الجنسي والجسدي. هكذا، بينما كانت تُصاغ روايات البطولة والمقاومة في التاريخ السياسي والعسكري، كانت النساء يُقصين من السرد، وتُغفل أدوارهن وتجاربهن في الفقد والنضال وإعادة بناء المجتمعات.
ينطلق هذا المقال من محاولة لتقويض هذه الرواية الأحادية، عبر تسليط الضوء على الحركات النسائية في الصومال، لا سيّما في وجه الاستعمار، واستكشاف الكيفية التي انتزعت بها النساء مواقع للحديث والتأثير من خلال أدوات ثقافية أصيلة، في مقدمتها الشعر. ففي مجتمع شفهي الطابع، مثل الصومال، اكتسبت القصيدة سلطة تتجاوز حدود الفن، لتصبح أداة توثيق ومواجهة ومساءلة.
في قلب الصراع، انتزعت النساء الصوماليات حقّ الكلام عبر بُرَمْبُر، ليس كترف فني، بل كفعل سياسي وثقافي يواجه الصمت المفروض
يشكّل شعر "البُرَمْبُر" نموذجًا لافتًا لذلك. هذا الشكل الشعري النسائي تطوّر ليكون مساحة للتعبير السياسي والاجتماعي، حيث استُخدم لتوحيد صفوف السكان في المدن والأرياف، وبثّ الوعي الوطني، وإثارة التساؤلات حول الظلم والعنف والتمييز. وقد تجلّت هذه المقاومة الشعرية في مواجهة الاحتلال، لكنها لم تتوقف هناك، بل امتدّت لاحقًا لتقاوم تبعات الحرب الأهلية، التي كبّلت النساء، وأعادتهن خطوات إلى الوراء، في وقت كانت فيه حقوقهن آخذة في التشكل والتوسع.
إن التراجع في حقوق النساء خلال الحرب الأهلية الصومالية، يُعدّ شاهداً صارخاً على هشاشة المكتسبات الإنسانية، حين تغيب مؤسسات الحماية والحوكمة. فبينما وقّعت الدول على مواثيق دولية تكفل حرية التعبير والمساواة، تُركت النساء في واقع الحرب دون سند، وبدون آلية فعلية لضمان حقوقهن. وهذا ما يكشفه المسار التاريخي للمرأة الصومالية، الذي لم يكن يوماً خارج المعادلة السياسية أو النضالية، وإنما جرى تهميشه عن عمد أو غفلة في تحليلات كثيرة.
لكن النضال لم يتوقف. في مواجهة العنف والتهميش، استمرّت النساء في استخدام أدواتهن الثقافية. لم يكن الشعر لديهن وسيلة ترف أو تذمّر شخصي، بل خطاباً سياسياً حاداً، يستنهض المجتمع ويواجه سلطات القمع بالعقل والوجدان. وهكذا، يمكن القول إن التجربة الصومالية تكشف كيف يمكن للثقافة أن تكون وسيلة لمقاومة العنف، وكيف يمكن للنساء، حتى في أحلك الظروف، أن يصنعن من القصيدة سلاحًا لانتزاع المكان والحق.
هذه الحكاية، إذ تروى اليوم، لا تهدف فقط إلى إعادة الاعتبار للدور النسوي في التاريخ الصومالي، بل تسعى أيضاً إلى زعزعة مركزية الذكورة في تحليل مفاهيم مثل الحرب، الهوية، والمقاومة. كما تدفعنا إلى إعادة التفكير في آليات العدالة الدولية التي رغم تطورها، ما زالت تُخفق في حماية النساء في زمن الحرب، وفي الإنصات لأصواتهن حين يتحدثن شعراً.
في زمن انهارت فيه الدولة وتراجعت الحقوق، ظلّ الشعر النسائي أرشيفًا حيًا للمقاومة ومرآة لصمود النساء ضد الإقصاء والعنف
في قلب التجربة الصومالية، يظهر "البُرَمْبُر" - ذلك الشكل الشعري النسائي المتجذر في التقاليد الشفهية - بوصفه أكثر من مجرد فن، بل أداة سياسية وصرخة احتجاج ثقافية. لقد أصبح هذا الشعر وسيلة للنساء لانتزاع وجودهن في مشهد سياسي واجتماعي طُبع بالذكورة والتهميش، حيث كنّ يُواجَهن بالصمت حين يحاولن التعبير، ويُقصين من الحكاية حين تُكتب تواريخ المقاومة.
برز "البُرَمْبُر" في لحظة فارقة من تاريخ الصومال، ما بين عامي 1941 و1950، كآلية مقاومة ضد إدارة الاحتلال البريطاني، خاصة بعد التنازل البريطاني عن جزء من أراضي الصومال لصالح إثيوبيا. في ظل هذا الواقع المتأزم، لم تصمت النساء، بل واجهن قرارات المستعمر من خلال القصيدة، وعبّرن عن رفضهن للهيمنة والعنف السياسي باستخدام لغة مجتمعية صميمة، تصل مباشرة إلى وجدان الشعب. لقد أعاد "البُرَمْبُر" رسم صورة المرأة في الوعي الشعبي، ليس كعنصر هامشي، بل كقوة فاعلة تساهم في تشكيل الخطاب الوطني.
رغم ذلك، لم تنل هذه المقاومة الشعرية النسوية ما تستحقه من الاعتراف، سواء في الأدبيات الأكاديمية أو في السياسات الحقوقية. لم يُنظر إلى هذه التعبيرات بوصفها ممارسة فعلية لحق إنساني أساسي، هو حرية التعبير، بل غالبًا ما تم التعامل معها كجزء من فلكلور محلي، دون اعتبار دورها المفصلي في بناء الوعي السياسي والمجتمعي للمرأة الصومالية.
أُقصيت النساء من روايات الحرب، لكنهنّ كتبن تاريخًا موازيًا بالكلمات، حيث تتحوّل القصيدة إلى سلاح ومأوى وهوية
بعد الاستقلال، حاولت النساء ترسيخ مكاسبهنّ التي انتزعنها بصوتهنّ وشعرهنّ، لكن سرعان ما اصطدمن بواقع جديد لا يقل قسوة، خاصة مع اندلاع الحرب الأهلية. فمع انكفاء الدولة وانهيار المؤسسات، تقلّص مجال الحرية والتعبير، وتحوّلت النساء إلى أهداف مباشرة للعنف، لا سيما العنف الجنسي، الذي صار يُستخدم بشكل منهجي كسلاح لإذلال الخصوم وتفتيت المجتمعات.
تشير الشهادات الميدانية وتقارير مراكز بحثية محلية، مثل مركز سِدْرا، إلى حجم المأساة: اغتصابات جماعية، اعتداءات داخل أماكن العبادة، نساء يُنتهكن لا لشيء سوى أنهنّ ينتمين إلى الطرف "الخطأ". لقد أصبحت أجساد النساء ساحة لحروب لا أخلاقية، وتحوّل وجودهنّ إلى علامة ضعف يجب كسرها. ورغم أن مواثيق حقوق الإنسان تنص بوضوح على حماية الأفراد من المعاملة القاسية أو المهينة، فإن هذا الحق ظل غائبًا عن واقع النساء في الصومال.
ووسط كل هذا الخراب، نشأت فجوة فكرية وأخلاقية في التحليل السياسي والأكاديمي: تلك التي أغفلت النساء، وقرأت الحروب من منظور ذكوري، فاختزلت البطولة في المعارك والجنرالات، وتناست معارك الصمود اليومي، التي كانت النساء أبطالها الحقيقيات. هذا التمركز على الذكورة لم يكتفِ بتهميش النساء، بل سهّل إعادة إنتاج الأنظمة الأبوية التي قوّضت مكتسباتهنّ، حتى في ما يخصّ أبسط الحقوق الإنسانية.
إن الـ"بُرَامْبُر"، حين ننظر إليه اليوم، ليس مجرد تراث لغوي، بل أرشيف للمقاومة النسائية، وشاهد على إمكانيات التعبير في مواجهة الصمت المفروض. هو صوت النساء حين كان يُطلب منهنّ أن يصمتن، ودرعهنّ الرمزي حين غابت الدولة والقوانين. وهو، بالتالي، مفتاح ضروري لإعادة قراءة التاريخ الصومالي، ليس من أجل النساء فقط، بل من أجل الحقيقة.