تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 11 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

الصومال وإثيوبيا.. وساطة تركية أم هندسة جيوسياسية؟

31 مايو, 2025
الصورة
الصومال وإثيوبيا.. وساطة تركية أم هندسة جيوسياسية؟
Share
في مساء دبلوماسي ثقيل الوطأة، تجتمع أنقرة وجهاً لوجه مع تحديات طموحاتها المتزايدة في القرن الأفريقي. استضافت العاصمة التركية جولات فنية من المرحلة التالية من المفاوضات الصومالية الإثيوبية، وهو إنجاز يحاكي المعجزات في حقيقة الأمر، فقد بلغ التصعيد بين الدولتين عام 2024 مستويات غير مسبوقة.

نقلت منصة أفريكا إنتلجنس خبرا بعنوان: "رغم الخلافات، أنقرة متفائلة بمآلات المفاوضات"، عنوان في الحقيقة يعكس لوحده سعي أنقرة نحو تحول أعمق في ترتيب أولويات تركيا في المنطقة، وأن القيادة هناك مستعدة للمضي قدماً، وتحمل تبعات الوساطة لقضية شائكة مثل قضية الصومال وإثيوبيا. 

منذ إعلان تركيا في ديسمبر/ كانون الأول 2024 توصلها إلى توافق حذر بين مقديشيو وأديس أبابا، بدا أن أنقرة قد خطت خطوة جادة نحو ملء فراغ دبلوماسي، كانت القوى التقليدية قد تخلت عنه أو أثناها عنه فقدان المصداقية والحياد.  

لقد شكل "إعلان أنقرة" بوصلة جديدة لمستقبل مسار العلاقات الإثيوبية-الصومالية المتأرجحة تاريخياً بين المواجهة والفتور. إذ لم يكن الإعلان مجرد ورقة نوايا حسنة فحسب، بل شكل ما يعرف بـ"الوصول إلى البحر" تحدياً كبيراً، ليس من وجهة النظر الفنية بل أصبح في لب الصراع؛ الصراع على السيادة وعلى التاريخ وعلى أحقية إعادة رسم الخرائط القديمة بحبر جديد. 

الحوار الحالي في أنقرة، لا يعد مجرد محادثات فنية مغلقة بين أديس أبابا ومقديشو، بل هو أيضاً حوار بالوكالة بين أنماط مختلفة من التصور السيادي لدول ما بعد الاستعمار. هل يحق لدولة حبيسة أن تفرض حق الوصول على حساب جار أصغر أو أضعف؟ وأين يمكن أن نجد صيغة لتحقيق ذلك ضمن نسق عام من التنمية الاقتصادية المُحفَزة؟ وهل يمكن لسلام "تركي الصنع" أن يُضمد جراح تاريخ ملطخ بالتدخلات الإقليمية من مصر والإمارات، وتقاطعات محلية من إريتريا وكينيا؟  

يبدو أن تركيا ملمة بكل هذه التعقيدات، وقد قررت أن تستعين بخبرتها في الوساطات المتشابكة من ليبيا إلى أوكرانيا، وتتدخل لصالح صنع التوازن الذي يحفظ مصالحها في المنطقة، بدلاً من الاكتفاء بدور المراقب. وهذا ما يبدو من متابعة الإفادات الصحفية والبيانات، حيث باتت اللقاءات الشهرية بديلاً عن التصعيد العسكري، فيما يتم الحديث عن اللجان الفنية عوضاً عن تبادل الاتهامات. يمكننا القول، أنه وبفضل الوساطة التركية: لا يعني هذا أن الخلافات قد زالت، لكنها أصبحت أكثر انضباطاً، وتحول النزاع من كونه صراعاً صفرياً إلى مساحة تفاوض واختبار فرص المستقبل بدلا عن التشبث بالمخاوف. 

الحوار الحالي في أنقرة، لا يعد مجرد محادثات فنية مغلقة، بل هو أيضاً حوار بالوكالة بين أنماط مختلفة من التصور السيادي لدول ما بعد الاستعمار. هل يحق لدولة حبيسة أن تفرض حق الوصول على حساب جار أصغر أو أضعف؟ 

من حرك العجلة؟ الطرف التركي الوسيط أخذ كل الأضواء نظراً لثقله الإقليمي. لكن، لا يعني هذا أن إثيوبيا والصومال طرفان سلبيان. لقد أصبح تأمين "منفذ استراتيجي على البحر" محركا أساسيا ومحور مهما للنشاط الدبلوماسي الإثيوبي بعد اندلاع حرب تغراي عام 2020. كما أن الصومال الذي وجد في الاتفاقيات السرية السابقة تهديداً مباشراً لسيادته، يتحرك اليوم مدفوعاً بدعم شعبي ورغبة في إعادة الإمساك بخيوط قضيته المنسية، والتي لقت اهتماماً أفريقياً كبيراً مؤخراً، وخصوصا بعد وصول قيادة جديدة للاتحاد الأفريقي من القرن الأفريقي. 

ترفض القيادة الصومالية تقديم تنازلات واسعة ضمن اتفاقات تصاغ في العتمة، وتنظر إلى التحركات الدبلوماسية العلنية، بما فيها قبول الوساطات الإقليمية لتسوية قضايا عالقة مع جيرانها باعتبارها خطوة جيدة في إرساء صورة دبلوماسية جاذبة وملفتة للأنظار لكسب مزيد من الدعم لجهودها المتعثرة في القضاء على التهديدات الداخلية واستحقاقات الصوماليين التنموية والسياسية. 

مع ذلك، تبقى الأسئلة معلقة في الهواء الدبلوماسي: هل تقبل مقديشو بمنح إثيوبيا منفذاً بحرياً دون المساس بوحدة أراضيها؟ وهل سيتحول هذا الاتفاق إلى اعتراف ضمني بوجود "صفقة" مع صوماليلاند- في سابقة دبلوماسية قد تعيد تشكيل مفهوم الدولة/الإقليم في القرن الأفريقي؟ وهل تمتلك أنقرة ما يكفي من الأدوات للحفاظ على هذا المسار التعاوني في ظل منافسة إقليمية وخليجية؟ 

يلوح موضوع السيادة المُلتبس في الأفق، لقد شهد الصومال صنوف مختلفة من إعادة تعريف السيادة في دولة تتداخل فيها جيوب النفوذ السياسي مع الجغرافيا بشكل معقد، فطالما رسمت التدخلات الدولية والتحركات العسكرية خطوط وحدود هذه السيادات المتنوعة داخل الصومال. ومع كل هذا التداخل لا يزال على القيادة الصومالية أن تجد الصيغة المناسبة لإقناع شعبها وتاريخها، وحتى جغرافيتها، بأن منح اثيوبياً منفذاً بحرياً هو تسوية استراتيجية وليس تنازلاً عن السيادة، وهذه بلا شك مهمة شاقة في بلد يحمل ذاكرة من الصراع، وانعدام الثقة في الغرباء، وسيكون هذا كوضع قدم في المستقبل وأخرى في فراغ الدولة.  

يحمل الاتفاق مع أديس أبابا كذلك – إذا ما تم إنجازه – تحديا آخر: إن مجرد دخول صوماليلاند طرفا ضمنيا والشروع في تفاهمات مع إثيوبيا، ولو بطريقة غير رسمية، يطرح الإمكانية لإعادة تعريف الدولة في هذه المنطقة كما أسلفت. فمن جهة، تفضل إثيوبيا الاعتراف الضمني بصوماليلاند، على الاعتراف القانوني والذي أدى إلى تصاعد الأمور بمجرد الشروع فيه. ومن جهة أخرى تعرفت صوماليلاند، وتمرست على هذا النوع من الاعتراف الناعم، حيث تعرف الإقليم على شركات الملاحة مركز النفوذ والحلفاء اللحظيين، وسيجعل هذا القيادة في إقليم صوماليلاند قادرة على حصد ثمار هذا الاعتراف الضمني. بالطبع يشكل هذا تحديا لطموحات مقديشو في توحيد أقاليمها ضمن وحدة وطنية. في المقابل تحاصر المنافسة الجيوسياسية الوساطة التركية، وتتنافس تركيا مع نفوذ متنامي لثلاثي الخليج العربي؛ قطر والسعودية الإمارات، خصوصاً بعد اندلاع الحرب في اليمن، وسعي هذه الدول إلى محاصرة النفوذ الإيراني عبر وضع قدم قوية في القرن الأفريقي.  

في خضم الرغبة في استعادة الدور القديم الذي لعبته الإمبراطورية العثمانية في البحر الأحمر، ولعب دور الوسيط النشط تبرز تساؤلات جوهرية يجب على أنقرة أن تأخذها بعين الاعتبار، أول هذه الأسئلة هو: هل تتوافر تركيا على الأدوات الضرورية لضبط هذا التوازن الهش؟ لقد اتسم النفوذ التركي في الصومال بالمرونة الكافية، وغالبا ما وصف بالتواجد التاريخي والناعم، والذي تديره أكبر سفارة لأنقرة في العالم، ويبتعد هذا النموذج عن شروط المعونة المُسيسة، كما أنه لا يشبه آليات التدخل الاقتصادي الخشن، بل حافظت تركيا على عقيدة ناعمة تدمج بين الرمزية التاريخية والتنمية، حيث شيدت المدارس والمستشفيات والموانئ، وقامت بتدريب الجيش الوطني. 

يلوح موضوع السيادة المُلتبس في الأفق، لقد شهد الصومال صنوف مختلفة من إعادة تعريف السيادة في دولة تتداخل فيها جيوب النفوذ السياسي مع الجغرافيا بشكل معقد، فطالما رسمت التدخلات الدولية والتحركات العسكرية خطوط وحدود هذه السيادات المتنوعة داخل الصومال 

يرى الصوماليون أن من شأن هذه الجهود تعزيز بنية الدولة المفككة بالنزاعات الطويلة. كما ساهمت جهود الاستثمار في قطاع النسيج والصناعات التحويلية في دعم الصناعة الوطنية. يمثل ذلك في نظر الكثيرين توغلا أقل صخباً، لكنه لا يقل أهمية عن أي نفوذ آخر في المنطقة. غير أن هذا النفوذ لا يخلو من تحديات معقدة، أبرزها التصادم المُحتمل لمصالح أنقرة غير المُعلنة مع أجندات دول الخليج العربي ومصر، وربما حتى الولايات المتحدة. فهل يصمد نموذج الوساطة التركية أمام هذا التزاحم غير الحميد في المنطقة؟  

قد تكون الجولة الأولى من الحوار انتهت، لكن القصة الحقيقة ستبدأ عندما يصمت المفاوضون، وتبدأ الترجمة الفعلية على الأرض. فكيف سيتم تأطير هذا المنفذ البحري؟ وهل ستُفرض بنود جديدة عبر لغة الاستثمارت بدلاً عن البيانات السياسية؟ كذلك سيكون على الأطراف العمل على التعامل مع المكونات المحلية في الصومال من العشائر إلى المعارضة المحلية، كما أن آليات مخاطبة مخاوف الدول الأخرى التي قد تشعر بأن نفوذها سيتآكل، بمجرد توقيع اتفاق مماثل، يجب أن تجد حظها من النقاش والتداول.  

هذه الأسئلة والقضايا لا تبحث عن إجابات آنية بل عن يقظة فكرية، ترفض اختزال المسألة في مجرد صراع حول منفذ بحري لإثيوبيا. فما يحدث في أنقرة ليس مجرد تفاوض اللوجستيات بل هو اختبار لقدرة الدول في منطقة القرن الأفريقي على إعادة تعريف التعاون والشراكة خارج قوالب الحرب الباردة.