تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 18 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

الصومال: تحالفات جديدة ومواجهة بين الحكومة والمعارضة في الأفق

2 يونيو, 2025
الصورة
الصومال: تحالفات جديدة ومواجهة بين الحكومة والمعارضة في الأفق
Share
مع دخول ولاية الرئيس حسن شيخ محمود عامها الرابع والأخير، بدأت وتيرة التوتر في المشهد السياسي الصومالي بالتصاعد، في ظل تحركات متسارعة للمعارضة تهدف إلى إعادة تشكيل المشهد وتنظيم صفوفها، متخذة خطوات فعلية، بدأت بعودة أبرز رموزها إلى البلاد، مرورًا بعقد مؤتمر تشاوري، وانتهاءا بتشكيل تحالف جديد لمواجهة أكبر ضد الرئيس محمود، ما بيّن أن موسم المعارضة قد بدأ فعليا، وأن المرحلة القادمة مرشحة لمزيد من التصعيد.

رغم أن نشاط المعارضة لم يغب عن المشهد السياسي خلال السنوات الماضية، إلا أن تحرّكها هذه المرة يبدو مختلفا من حيث التوقيت والدوافع؛ إذ جاء مدفوعا بعدة اعتبارات، في مقدّمتها اقتراب نهاية ولاية الرئيس حسن شيخ محمود، وإصرار الحكومة الفيدرالية على المضي في تنفيذ خطتها الانتخابية الأحادية، التي تراها المعارضة محاولة مكشوفة لإعادة إنتاج السلطة، إلى جانب ما يُثار عن وجود دعم خارجي لتحركات المعارضة، لا سيما من جهات معروفة بتأثيرها التقليدي في الانتخابات الصومالية، في محاولة لضمان نتائج تخدم مصالحها داخل البلاد. 

في ظل هذه التطورات، يناقش هذا التقرير أحدث خطوات المعارضة، مع التوقف عند طبيعة الاصطفافات والتحالفات القائمة فيما بينها، وتحليل التوقيت والدلالات السياسية للحراك الراهن. كما يتناول جوهر الخلاف القائم بينها وبين الحكومة الفيدرالية، وصولاً إلى قراءة استشرافية لمآلات المرحلة المقبلة، ورسم السيناريوهات المحتملة لمسار المواجهة السياسية خلال ما تبقى من عمر الولاية الرئاسية. 

تحالف معارض جديد  

في تطور سياسي لافت، أعلن في 31 مايو/أيار تشكيل تحالف معارض جديد تحت مسمى "منتدى الإنقاذ الصومالي"، بهدف مواجهة سياسات الرئيس حسن شيخ محمود، لا سيما تلك المتعلقة بالخطة الانتخابية التي يتبناها، حيث وقّع على إعلان تأسيس المنتدى ثلاثة عشر سياسيًا بارزا، من بينهم الرئيس السابق شريف شيخ أحمد، الذي تم اختياره زعيما للمنتدى، وبعضوية أربعة رؤساء وزراء سابقين، واثنين من رؤساء البرلمان السابقين، وعدد من الشخصيات السياسية المعروفة في المشهد الصومالي. 

جاء إعلان تشكيل التحالف الجديد عقب مؤتمر موسع عقدته المعارضة في العاصمة مقديشو، واستمر أربعة أيام، بمشاركة معظم القيادات السياسية، باستثناء الرئيس السابق محمد فرماجو ورئيسي ولايتي بونتلاند وجوبالاند، حيث توِّج في 31 مايو/أيار ببيان اتهم فيه المشاركون الرئيس حسن شيخ محمود، بالسعي لتفكيك التوافقات السياسية التي تأسست عليها الجمهورية الثالثة في الصومال، والتي انبثقت عن مؤتمري "عرتي" في جيبوتي و"مبغاتي" في كينيا، معتبرا أنه يتخذ خطوات تهدف إلى تمديد فترة حكمه بصورة غير دستورية، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات غير نزيهة تمكّنه من الفوز منفردا. 

تبدو المعارضة للحكومة الفيدرالية، رغم اشتراكها في المواقف الرافضة لسياسات الرئيس حسن شيخ محمود وخطته الانتخابية، غير موحّدة في بنيتها الحالية، ومنقسمة إلى ثلاث كتل نشطة على الأقل، حيث تُعد "كتلة منتدى الإنقاذ الصومالي" أبرزها، وأكثرها تأثيرًا في المشهد السياسي، إذ تضم فيها غالبية رموز المعارضة، لا سيما أولئك المنتمين إلى نفس العشيرة التي ينتمي إليها الرئيس، والذين يتمتعون بنفوذ سياسي وقَبَلي واسع في مقديشو، ما يمنحهم أوراق ضغط قوية قد يمكّنهم من خوض مواجهة مسلّحة، على غرار ما جرى في مواجهة الرئيس السابق محمد عبد الله فرماجو في عام 2021م. 

أما الكتلة الثانية، فالرئيس السابق محمد عبد الله فرماجو، يمثلها وهو من أبرز المناوئين للرئيس حسن شيخ محمود. لكنه يتحرك منفردا وخارج إطار هذا التحالف، بينما رئيسا ولايتي بونتلاند وجوبالاند يمثلان الثالثة، حيث تجري تحركات تهدف الى عقد اجتماع بينهما من أجل توحيد مواقفهما، وتنسيق تحركاتهما ضد إدارة الرئيس محمود. 

التوقيت والدلالات  

لا يمكن فصل التحرك الجديد للمعارضة عن اقتراب نهاية ولاية الرئيس حسن شيخ محمود، إذ تسعى إلى استثمار هذه المرحلة لإعادة تنظيم صفوفها، وبناء تحالفات تتيح لها خوض مواجهة سياسية أكثر فاعلية، مستفيدة من ضعف قدرة الرئيس على المناورة مع دخول ولايته مراحلها الأخيرة وتراجع شعبيته، غير أن هذا الحراك يفتقر إلى برنامج سياسي موحّد أو رؤية مشتركة، ويقتصر هدفه المعلن على ضمان إجراء انتخابات شاملة، يتم التوافق على آليتها بين جميع الأطراف الفاعلة في البلاد. 

في هذا السياق، تنطلق المعارضة، ولا سيما منتدى الإنقاذ الصومالي من أرضية تقوم على رفض انفراد الرئيس حسن شيخ محمود بتحديد آلية الانتخابات المقبلة، إذ ترى أنه يسعى من خلالها إلى ضمان فوزه بولاية رئاسية جديدة أو تمديد فترة حكمه، وذلك في ظل تأكيدها أن الحفاظ على التوافق السياسي وإجراء انتخابات متفق على آليتها بين جميع الأطراف يمثلان عاملين حاسمين لاستقرار البلاد. 

مهما اختلفت أدوار الدول وتباينت تحركاتها في المشهد الصومالي، تبقى المحصلة النهائية في صالح المعارضة، إذ يشكل العامل الخارجي دوما عنصرا حاسما في الصراعات السياسية المتكررة بسبب اعتماد الأطراف المحلية على الدعم الخارجي، ما يمنح هؤلاء تأثيرا مباشرا في توجيه مجريات العملية السياسية في البلاد 

يحمل توقيت تحركات المعارضة دلالات سياسية، من بينها أن المعارضة التي كانت مشتتة وضعيفة الحضور خلال العامين الماضيين، كما جعلها تدرك، أكثر من أي وقت سابق، بضرورة إعادة تنظيم صفوفها، والعمل تحت قيادة موحّدة، بهدف فرض رؤيتها في إدارة المرحلة الانتقالية، ما يعني أنها أدركت أن استمرار الانقسام في صفوفها يمنح الرئيس حسن شيخ محمود الفرصة للمضي في تنفيذ خططه الأحادية، التي ترى فيها المعارضة محاولة مكشوفة لتكريس الحكم وتمديد البقاء في السلطة. 

كما يعكس هذا التحرك بداية فعلية لـ"صخب عام الانتخابات"، بما يحمله من مؤشرات تصعيد وتوتر سياسي متزايد، وسط مخاوف من تكرار سيناريو عام 2021، حين اندلعت أعمال عنف في مقديشو بين حكومة الرئيس السابق محمد عبد الله فرماجو والمعارضة بقيادة الرئيس الحالي حسن شيخ محمود، قبل أن يرضخ الأول في النهاية لمطالب خصومه. 

ضغوط خارجية موازية لتحركات المعارضة 

لا يغيب المجتمع الدولي، أو ما يُعرف بـ"الشركاء الدوليين" – المتمثلة في الدول والمنظمات الدولية والإقليمية الداعمة للصومال – عن المشهد السياسي، وإن كانت أدوارهم متفاوتة من حيث التأثير والأهداف، فالدول الغربية، ومعها المنظمات الدولية والإقليمية العاملة، تمارس عبر بعثاتها في البلاد، ضغوطا على الرئيس حسن شيخ محمود لاتخاذ خطوات تفضي إلى إيجاد توافق سياسي بين مختلف الفاعلين، بما فيهم حكّام الولايات الإقليمية والمعارضة السياسية، وذلك للتوصل إلى آلية انتخابية متوافقة عليها، والعمل الجماعي في مواجهة التهديدات الأمنية، وتفادي أي فراغ سياسي أو أمني محتمل في البلاد. 

لكن في المقابل، تنخرط بعض الدول في المشهد الصومالي بطريقة مغايرة، إذ تُشجّع أطرافًا في المعارضة على تصعيد تحركاتها ضد الحكومة الفيدرالية، وتقدّم دعمًا ماليا مباشرا لعدد من أعضائها المتعاونين معها كما تلعب أدوارا في تقريب وجهات النظر بين مكونات المعارضة، بهدف تعزيز فاعلية تحركاتها السياسية وضمان تنسيقها. 

تواترت المعلومات عن أن دولة الإمارات بدأت بإقامة اتصالات وعلاقات مع بعض الشخصيات المرشحة للانتخابات، وطلبت منهم العمل على تقويض الحكومة الفيدرالية، وإثارة الفوضى بما يفاقم الأوضاع المتأزمة في البلاد، مشددا على ضرورة أن تكون رؤية المعارضة نابعة من الداخل، لا أداة لتنفيذ أجندات خارجية  

وفي هذا السياق تحدث رئيس الوزراء الصومالي حمزة عبدي بري، مؤخرا عن هذه التدخلات، متهما بعض السياسيين بالارتهان لأجندات دول تسعى إلى إثارة الفوضى مع اقتراب موعد الانتخابات، عبر تمويل تحركات تستهدف زعزعة الاستقرار، رغم أنه لم يذكر أسماء تلك الدول، إلا أن كثيرًا من المتابعين في الشارع الصومالي فسروا حديثه على أنه إشارة مباشرة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة. 

من جهته، أكد رئيس المخابرات السابق فهد ياسين، وأحد أبرز المعارضين للرئيس حسن شيخ محمود، أن معلومات متواترة تشير إلى أن دولة الإمارات بدأت بإقامة اتصالات وعلاقات مع بعض الشخصيات المرشحة للانتخابات، وطلبت منهم العمل على تقويض الحكومة الفيدرالية وإثارة الفوضى بما يفاقم الأوضاع المتأزمة في البلاد، مشددا على ضرورة أن تكون رؤية المعارضة نابعة من الداخل، لا أداة لتنفيذ أجندات خارجية تهدد استقرار البلاد وتخدم أهدافا تخريبية تتعارض مع المصلحة الوطنية. 

مهما اختلفت أدوار الدول وتباينت تحركاتها في المشهد الصومالي، تبقى المحصلة النهائية في صالح المعارضة، إذ يشكل العامل الخارجي دوما عنصرا حاسما في الصراعات السياسية المتكررة بسبب اعتماد الأطراف المحلية – سواء الحكومة أو المعارضة – على الدعم الخارجي، ما يمنح الشركاء الدوليين تأثيرا مباشرا في توجيه مجريات العملية السياسية في البلاد. 

ورغم تباين مصالح تلك الدول وتفاوت انحيازاتها، حيث يدعم بعضها أطرافًا بعينها، فإن الدور الأبرز لمعظم الدول والمؤسسات الإقليمية والدولية المنخرطة في المشهد الصومالي يتركز على الدفع نحو تسوية سياسية شاملة، تضمن إدارة المرحلة الانتقالية بروح توافقية، وتُفضي إلى صياغة نظام انتخابي جامع يُنهي حالة الانسداد السياسي ويمهّد لمرحلة أكثر استقرارا. 

جوهر الخلاف بين الطرفين 

مع اختلاف المراحل والسياقات، اصبحت الخلافات والتوترات بين المعارضة والحكومة الفيدرالية سمة مألوفة في الصومال، خاصة مع دخول العام الأخير من ولاية الرئيس، حيث تسعى المعارضة إلى منع الرئيس الحالي من الفوز لولاية ثانية، مقابل بذل الأخير كل ما في وسعه لتحقيق ذلك، لكن ما يميز الوضع الراهن أن جوهر الخلاف يتمحور على آلية الانتخابات النيابية والرئاسية المقررة اجرؤها منتصف العام المقبل، وطبيعة اللجنة التي ستشرف على تنظيمها. 

تنخرط بعض الدول في المشهد الصومالي بطريقة مغايرة، إذ تُشجّع أطرافًا في المعارضة على تصعيد تحركاتها ضد الحكومة الفيدرالية، وتقدّم دعمًا ماليا مباشرا لعدد من أعضائها المتعاونين معها كما تلعب أدوارا في تقريب وجهات النظر بين مكونات المعارضة، بهدف تعزيز فاعلية تحركاتها السياسية وضمان تنسيقها 

يُصر الرئيس حسن شيخ محمود على المضي قدمًا في إجراء الانتخابات المقبلة وفق نظام 'صوت واحد مقابل شخص واحد'، وقد بدأت بالفعل خطوات تنفيذ هذا التوجه على أرض الواقع، من خلال شروع اللجنة الانتخابية – التي ترفضها المعارضة – مهامها، بينما ترفض المعارضة هذا المسار بشكل كامل، مؤكدة أن أي عملية انتخابية يجب أن تسبَق أولا بتوافق وطني يشمل النموذج الانتخابي وآلية تشكيل اللجنة المشرفة عليه، مع مطالبتها بإلغاء التعديلات التي أُدخلت على بعض بنود الدستور والتي تعتبرها غير شرعية. 

وفي ظل التباين الحاد بين مواقف الطرفين والتطورات الجارية، يبرز سؤال جوهري: ما مآلات هذا الصراع مع اقتراب نهاية ولاية الرئيس حسن شيخ محمود؟، رغم أن الزمن وحده كفيل بالإجابة، إلا أن المعطيات الحالية ترسم مسارين يُحتمل أن ينتهي إليهما المشهد. 

السيناريو الأول يتمثّل في استمرار الرئيس في التمسك بخطته الانتخابية الأحادية، متجاهلًا مطالب المعارضة، وهو ما قد يدفع البلاد نحو تصعيد حاد، قد يتطوّر إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، تُدخل البلاد في حالة من الفوضى و يزيد الوضع سوءا. 

أما السيناريو الثاني، فيقوم على استجابة الرئيس لمطالب المعارضة والدعوة إلى مؤتمر وطني شامل للحوار والمصالحة، يهدف إلى احتواء الخلافات السياسية والتوصل إلى توافق وطني بشأن النموذج الانتخابي وآلية تنظيمه، وهو السيناريو الأقرب إلى الواقعية، بالنظر إلى النفوذ القبلي والسياسي الواسع الذي تتمتع به بعض أعضاء المعارضة في مقديشو، حيث ينتمي معظم قادتها إلى قبيلة الهوية ذات الثقل الكبير في وسط وجنوب البلاد، ما يمنحهم أوراق ضغط مؤثرة قد تدفع الرئيس إلى إعادة حساباته قبل فوات الأوان. 

عموماً، فإن اقتراب نهاية ولاية الرئيس حسن شيخ محمود يضعف تدريجيا قدرته على التأثير في المشهد السياسي والاستمرار في فرض خطته الانتخابية الأحادية، مما ينعكس في تراجع فاعلية قراراته بمرور الوقت، بينما تكتسب المعارضة بذلك زخما متصاعدا ويزداد القبول الشعبي لخطابها، وهو ما قد يدفع له في نهاية المطاف إلى التراجع عن مواقفه والانصياع لمطالبها، تفادياً لانزلاق البلاد نحو مزيد من التوتر وعدم الاستقرار.