تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 18 يناير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

الصومال: صدمة الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند

30 ديسمبر, 2025
الصورة
الصومال: صدمة الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند
Share

تبدو الساحة الصومالية اليوم مثقلة بإشاراتٍ متعارضة عن المستقبل، فالتقارير الأمنية تتحدث عن قرب اجتياح حركة الشباب لمقديشو، فيما تزعم تقارير أخرى أن الحكومة الصومالية فتحت قناة تفاوض مع الحركة الجهادية بوساطة قطرية، على نحوٍ يذكّر بأدوارٍ لعبتها الأخيرة في "نهايات اللعبة" بأفغانستان. وبين سيناريو الانهيار وسيناريو التسوية، تتكاثر التسريبات وتتعاظم التكهنات، في مشهد شديد الضبابية.

تتبلور في المشهد مقاربتان رئيسيتان لقراءة ما قد يتجه إليه الوضع في الصومال ومحيطه؛ تنطلق الأولى من فرضية أن هجوماً وشيكاً لحركة الشباب على العاصمة قد ينجح، مستندة إلى هشاشة بعثة الاتحاد الأفريقي (AUSSOM)، الأحدث المكلفة بدعم الاستقرار، وتراجع فاعليتها مع قطع التمويل الأمريكي عنها مطلع العام الجاري، وإلى مأزق الحكومة الفيدرالية التي تُلاحقها اتهامات الفساد، وإساءة استخدام السلطة، فضلاً عن عجزها عن ترميم الثقة مع ولايات محورية، مثل: جوبالاند وبونتلاند.أما المقاربة الثانية فتدفع باتجاه سيناريو تفاوضي، مفاده أن الاتصالات التي تُنسب إلى فتح الحكومة الصومالية مع حركة الشباب وبوساطة قطرية -إن خرجت إلى العلن وتأكدت- قد تتمحور حول شروط "سلام" محددة، يُراد إلزام الحركة بها، مثل: الاعتراف بحدود الصومال كدولة وطنية، والتخلي عن مشروع "إمارة" عابرة للحدود، بما يشمل قطع الارتباط بالقيادة المركزية لتنظيم القاعدة. وقد تحدث الرئيس الصومالي في مركز دراسات النزاع في الدوحة عن هذه الشروط علنًا.

من الصعب، حتى الآن، التحقق بصورة مستقلة من صحة أيٍّ من المسارين، لكن مجرد تداولهما في بعض المراكز ووسائل الإعلام في هذا التوقيت يفرض أسئلةً ملحّة. لماذا تتصاعد هذه الروايات الآن؟ من المستفيد من نشرها؟ وأي حسابات تكشف عن بالنسبة للفاعلين الخارجيين في الساحة الصومالية؟ أم أننا أمام حلقة جديدة من التضليل الإعلامي الذي باتت جزءاً بنيوياً من السياسة في الصومال، حيث تُستخدم لتهيئة الأرضية لقرارات قادمة، أو لتقويض خصوم، أو لإرباك المانحين، ودفعهم نحو مواقف بعينها؟

مثّل الاعتراف الإسرائيلي بالنسبة لأنصار هرجيسا، "كسر جدار" العزلة الدبلوماسية، أما عند مقديشو وحلفائها، فقد بدا كتحولٍ يرفع سقف المخاطر ليس فقط لأنه يمنح الانفصال زخماً، بل لأنه قد يستدرج تنافساً جديداً على الموانئ والقواعد والنفوذ عند واحد من أكثر الممرات البحرية توتراً

البداية من الحكومة الفيدرالية نفسها، التي تتحرك ضمن هامش ضيق. فالحملة العسكرية ضد حركة الشباب لا تبدو قادرة على إنتاج اختراقات ملموسة، فيما يلوح في الأفق تأخيرٌ أو تعثرٌ محتمل في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة؛ وحتى إذا أُجريت في موعدها، فمن المرجّح أن تبقى موضع تشكيك في المصداقية داخلياً وخارجياً.

في هذا المناخ، تصاعدت خلال الأشهر الماضية المعارضة الداخلية المتمثلة في خصوم الرئيس حسن شيخ محمود داخل المشهد السياسي، إذ يتوجسون من أنه يتحرك لتوسيع هامش سلطته عبر تمديد ولايته، وتهيئة انتخابات العام المقبل على نحوٍ يضمن له الفوز. وفي مواجهة هذه الشكوك، راهنت الحكومة على مسارين متوازيين لتثبيت موقعها. أولهما، تهدئة مخاوف المانحين، وتأمين تمويل يكفي لإبقاء بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار (AUSSOM) قائمة لعامين إضافيين، رغم الفشل بذلك حتى الأن. وثانيهما، التعويل على أن تُفضي تحركات تركيا - ولا سيما في ملف التنقيب عن النفط - إلى نتائج تُقنع دولاً مترددة بالمساهمة في التمويل، أو تدفع أنقرة إلى توسيع مظلة الحماية التي توفرها لمقديشو.

وفي خلفية ذلك كله، ساهمت السياسة الأميركية في تغذية سرديات الضعف والاعتراف معاً. فأنصار صوماليلاند التقطوا إشاراتٍ متفرقة صادرة من واشنطن، بعضها غير رسمي، للحديث عن احتمال اعتراف أميركي أو إعادة تموضع في المقاربة الأميركية للصومال؛ مستندين إلى تقارير عن تقليص بعض أوجه الدعم، وإعادة النظر في خطط الانتشار، بما يعيد إلى الواجهة أسئلة "الانسحاب" أو تخفيف الالتزام الأميركي. وفي المسار نفسه، عززت رسالة السناتور تيد كروز إلى البيت الأبيض، في 14 أغسطس/آب 2025، من خلال دعوته الصريحة إلى الاعتراف بصوماليلاند، طرح مشروع قانون في مجلس النواب في يونيو/تموز 2025 بعنوان "قانون استقلال جمهورية صوماليلاند" (H.R.3992) يهدف إلى الاعتراف بها كدولة مستقلة.

إن الخطاب والسلوك لا يحملان بصمات مرونة سياسية من هنا وهناك. فمقاتلو الحركة يواصلون استهداف جنود الحكومة والموظفين المدنيين بوصفهم "مرتدين" و"كفاراً"، وهي لغة لا تنسجم مع أي مسار "إصلاحي" مفترض. والتخلي عن الأيديولوجيا الجهادية بعد قرابة عقدين من القتال لن يكون قراراً فنياً يمكن تمريره بهدوء؛ بل سيكلّف الحركة ثمناً داخلياً باهظاً قد يدفعها إلى الانقسام

تزداد قابلية هذه الإشارات للتوظيف السياسي مع الحديث عن انقسام داخل الإدارة الأميركية حول ملف الاعتراف، وذكر فكرة الاعتراف في أدبياتٍ سياسية محافظة مثل “Project 2025”، ما يمنح سردية هرجيسا زخماً خاصًا، وحتى إن ظلّ ذلك دون ترجمةٍ رسمية حاسمة حتى الآن.

وفي السياق الأممي، جاء إنهاء بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في الصومال (UNSOM) في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2024، والتحول إلى بعثة انتقالية (UNTMIS) اعتباراً من فاتح نوفمبر/تشرين الثاني 2024، ضمن خطة انتقال تنتهي - بحسب القرار الأممي - بحلول أكتوبر/تشرين الأول 2026، ليضيف طبقة أخرى من التأويلات حول "تراجع المظلة الدولية"، واتساع هامش المناورة أمام الفاعلين المحليين والإقليميين.

لكن المشهد لم يبقِ على مستوى التوقعات وحدها، ففي 26 ديسمبر/كانون الأول 2025 أعلنت إسرائيل اعترافها الرسمي بصوماليلاند "دولةً مستقلة ذات سيادة"، لتصبح أول دولة عضو في الأمم المتحدة تُقدم على خطوة اعترافٍ رسمي من هذا النوع. وقد أثار القرار ردود فعل غاضبة من حكومة الصومال التي عدّته مساساً بسيادتها، فيما أكدت أطراف إقليمية ومنظمات قارية تمسكها بوحدة الأراضي الصومالية، وتوالت الإدانات التي تتخوف من فتح بابٍ لسابقة قد تُعيد خلط التوازنات في القرن الأفريقي. مثّل الاعتراف الإسرائيلي بالنسبة لأنصار هرجيسا، "كسر جدار" العزلة الدبلوماسية، أما عند مقديشو وحلفائها، فقد بدا كتحولٍ يرفع سقف المخاطر ليس فقط لأنه يمنح الانفصال زخماً، بل لأنه قد يستدرج تنافساً جديداً على الموانئ والقواعد والنفوذ عند واحد من أكثر الممرات البحرية توتراً.

مع ذلك، فإن الاعتراف - مهما كانت رمزيته - لا يحسم وحده صراع الشرعية، ولا يضمن تلقائياً تحوّلاً واسعاً في مواقف العواصم الكبرى. لكنه يضيف عاملاً جديداً إلى "ماكينة الشائعات". إذ يجعل الحديث عن الاعترافات أقل افتراضية وأكثر قابلية للترجمة السياسية، ويضاعف الضغط على مقديشو في لحظة تعاني فيها أصلاً من توتر داخلي، وتعقيدات تمويل مهمة الاتحاد الأفريقي، وحاجة مستمرة إلى مظلات حماية خارجية.

الحملة العسكرية ضد حركة الشباب لا تبدو قادرة على إنتاج اختراقات ملموسة، فيما يلوح في الأفق تأخيرٌ أو تعثرٌ محتمل في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة؛ وحتى إذا أُجريت في موعدها، فمن المرجّح أن تبقى موضع تشكيك في المصداقية داخلياً وخارجياً

ليست الولايات المتحدة وحدها من يرى أن مقديشو لا تفي بالتزاماتها، وأن السياسة الصومالية تنزلق مجدداً نحو الركود مع احتمالات تكرار انتخابات تُلاحقها اتهامات التلاعب. لكن الصورة لا تسير بوتيرة واحدة. فإذا كان التقدير أن الميدان ليس قاتماً إلى الحد الذي تُصوّره بعض السرديات، فإن سيناريوهات "تسويةٍ على طريقة أفغانستان" تُطرح بوصفها مخرجاً ممكنًا من الجمود؛ أي أن تتخلى حركة الشباب عن هويتها الجهادية العابرة للحدود، وتحصر نشاطها داخل الدولة، بما يقلّص كلفة التهديد إقليمياً ودولياً. غير أن هذه الفرضية تصطدم بعقبتين واضحتين حتى الآن: أولاهما، أن الحديث عن محادثات سرية بين الحركة مع الحكومة الصومال غير مؤكدة بعد بصورة رسمية، وثانيهما أن المؤشرات المتاحة لا تُظهر أن الحركة بصدد إعادة تعريف نفسها أو تقديم تنازلات جوهرية.

صحيح أن بعض المراقبين يسلطون الضوء على نجاحات ميدانية حققتها حركة الشباب في الأشهر الأخيرة، إلا أن قدرتها العملياتية تبدو أقل اتساعاً مما توحي به الدعاية؛ فهي، بخلاف مراحل سابقة، لا تبدو قادرة على إدارة أكثر من عملية كبرى في الوقت نفسه - وهي محدودية يشترك فيها خصمها أيضاً، الجيش الوطني الصومالي.ثم إن فرضية "القدرة على اجتياح مقديشو" تواجه معضلة اجتماعية-أمنية؛ فالمناطق المحيطة بالعاصمة تُظهر عداءً شديداً للحركة، وهو ما يوفّر رصيداً استخبارياً محتملاً يمكن أن يمكّن قوى خارجية - بالتنسيق مع الأجهزة المحلية - من احتواء أي تهديد بوسائل مراقبة واستهداف عالية الدقة. إضافةً إلى ذلك، لم تتعافَ الحركة بالكامل من استنزاف معارك 2022–2024، ولا تبدو مؤهلة - لوجستياً وبشرياً - للسيطرة على مدينة كبرى بحجم مقديشو والاحتفاظ بها.

الأهم أن الخطاب والسلوك لا يحملان بصمات مرونة سياسية من هنا وهناك. فمقاتلو الحركة يواصلون استهداف جنود الحكومة والموظفين المدنيين بوصفهم "مرتدين" و"كفاراً"، وهي لغة لا تنسجم مع أي مسار "إصلاحي" مفترض. والتخلي عن الأيديولوجيا الجهادية بعد قرابة عقدين من القتال لن يكون قراراً فنياً يمكن تمريره بهدوء؛ بل سيكلّف الحركة ثمناً داخلياً باهظاً قد يدفعها إلى الانقسام، وهو تحديداً ما جعلها تاريخياً تنفر من المفاوضات. وفي حال الانقسام، يرجّح أن يكون تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) المستفيد الأكبر، عبر استقطاب جناحٍ متشدد وقيادته، كما حدث في تجارب سابقة في المشهد الجهادي الصومالي.

مع ذلك، تظل المقارنات بأفغانستان وسوريا محدودة الجدوى. فالتمرد الأفغاني لم يتأسس كحركة "جهاد عالمي" بالمعنى نفسه، بينما قادت سيطرة "هيئة تحرير الشام" الطويلة على إدلب إلى قدر من "التكيّف" تحت ضغط مجتمع متنوع وجوار إقليمي متداخل مثل تركيا. أما مناطق سيطرة حركة الشباب - كجوبا الوسطى أو عيبلور - فلا تُظهر مؤشرات على تليين مستدام، حتى بعد قرابة عقدين من الحكم، وما يُرى من ليونة في هيرشبيلي يبدو أقرب إلى مناورة تكتيكية لاحتواء تهديد ميليشيا "معاويسلي" منه إلى تحول فكري.