تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 6 أكتوبر 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

الصومال بين خطاب الاعتماد على الذات وواقع الاتكال على الخارج

11 سبتمبر, 2026
الصورة
الصومال بين خطاب الاعتماد على الذات وواقع الاتكال على الخارج
Share

عقدت الحكومة الفيدرالية الصومالية هذا الأسبوع مؤتمرًا للأمن الداخلي في مقديشو، بمشاركة كبار المسؤولين الحكوميين وممثلين عن المجتمع الدولي، في وقت تتداخل فيه التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه البلاد. فبالتزامن مع الخفض التدريجي لأعداد قوات بعثة الاتحاد الأفريقي والاستعداد لإنهاء عمل هياكل الدعم الدولي، يتعمّق الانسداد السياسي بين الحكومة الفيدرالية وبعض الولايات، ما يزيد من صعوبة إدارة المرحلة المقبلة.

ومع استمرار التهديد الذي تشكله حركة الشباب، تصاعدت خلال الأشهر الماضية التساؤلات بشأن قدرة الجيش الوطني الصومالي على سدّ الفراغ الأمني الذي قد يخلّفه تقليص القوات الأفريقية. لكن الحكومة تبدو أكثر ثقة بقدرتها على إدارة هذا الانتقال مما كان يتوقعه كثير من شركائها الدوليين، وهو ما عكسته مداخلات مسؤوليها خلال المؤتمر.

فقد قال مستشار الرئيس حسن شيخ محمود لشؤون الأمن القومي، أويس حاجي يوسف، وهو أحد حلفاء الرئيس النافذين، إن انسحاب البعثات الدولية «جاء نتيجة مسار طويل الأمد»، وليس قرارًا مفاجئًا. وأوضح أن النقاشات و«التقييمات المتعلقة بقدرة الصومال على تولّي قدر أكبر من إدارة شؤونه» بدأت قبل أكثر من أربع سنوات، بهدف تحديد الوقت المناسب لتقليص الاعتماد على الأمم المتحدة. وبحسب أويس، خلصت هذه التقييمات إلى أن المؤسسات الصومالية أصبحت أقدر على تحمّل المسؤوليات السياسية والإدارية التي كانت تتلقى دعمًا كبيرًا من المنظمة الدولية. وعبّر وزير الأوقاف والشؤون الدينية، مختار روبو، الذي كان قياديًا بارزًا في حركة الشباب قبل انشقاقه عنها، عن ثقة مماثلة، قائلًا إن البيئة الأمنية «تغيّرت بصورة ملموسة»، وإن البلاد باتت في وضع أقوى مما كانت عليه في السنوات السابقة.

والأقرب أن واشنطن تتجه نحو حصر دورها في عمليات محددة النطاق لمكافحة الإرهاب، مع الابتعاد عن المنظومة المكلفة ومتعددة الأطراف التي تُبقي قوات حفظ السلام الأفريقية قادرة على العمل، وتدعم انتقال المسؤوليات الأمنية إلى الصومال على المدى الطويل

وتنسجم هذه التصريحات مع خطاب تتبناه إدارة الرئيس حسن شيخ بلهجة أكثر حزمًا، مفاده أن الصومال يستعد لتحمّل مسؤولية أكبر عن أمنه وإدارة شؤونه. وكان الرئيس قد أكد هذا التوجه خلال حفل تخريج آلاف المجندين الجدد في الجيش الوطني بمركز حنانبوري للتدريب العسكري في إقليم غلغدود. فمع إقراره بالدور المهم الذي أدّاه الشركاء الدوليون في دعم مواجهة التمرد المستمر منذ سنوات، شدد على أن الاعتماد على القوات الأجنبية لا يمكن أن يستمر إلى أجل غير مسمى.

وتأتي هذه الرسائل فيما يدخل الصومال مرحلة من تقليص الدعم الدولي تُعدّ من الأشد تأثيرًا منذ أن بدأت القوى الخارجية، قبل أكثر من عقدين، المساهمة في إعادة بناء مؤسساته الأمنية والسياسية. فبالتوازي مع تقليص القوات الأفريقية، تستعد بعثة الأمم المتحدة الانتقالية لتقديم المساعدة في الصومال (UNTMIS)، التي خلفت بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى الصومال (UNSOM)، لإنهاء عملياتها في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2026. وبذلك تُختتم مرحلة انتقالية مدتها عامان، جاءت بناءً على طلب الحكومة الصومالية لتعزيز تولّي المؤسسات الوطنية إدارة شؤون البلاد.

وفي إطار هذا الانتقال، يجري نقل مسؤوليات البعثة إلى المؤسسات الصومالية وفريق الأمم المتحدة العامل في البلاد وشركاء آخرين. وتشمل هذه المسؤوليات دعم الإصلاح الدستوري والانتخابات، وحقوق الإنسان وسيادة القانون، وتطوير القطاع الأمني وتنسيق المساعدات الدولية.

لكن إنهاء عمل البعثة السياسية ليس التحدي الوحيد الذي يواجه الصومال؛ فثمة أزمة أخرى تتفاقم حول مستقبل نحو 12 ألف جندي أفريقي ينتشرون ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال (AUSSOM). وتعتمد هذه القوات بدرجة كبيرة على مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال (UNSOS) لتأمين احتياجاتها وتشغيل عملياتها، من الغذاء والمياه والوقود إلى خدمات الطيران والإجلاء الطبي والاتصالات ودعم المعدات ونقل الجنود. ومع تزايد الغموض بشأن مستقبل هذه المنظومة اللوجستية، بالتزامن مع إغلاق البعثة السياسية، قد يجد الصومال نفسه أمام خسارة جوانب أساسية من الدعم السياسي والأمني الدولي في غضون أشهر قليلة، بينما لا تزال حركة الشباب تحتفظ بحضور واسع في جنوب البلاد ووسطها.

وقد جاءت الضربة الأشد لهذه المنظومة من واشنطن. ففي الأول من يوليو/تموز، أفادت وكالة رويترز، استنادًا إلى مذكرة دبلوماسية أميركية، بأن إدارة ترامب أبلغت الاتحاد الأفريقي أنها لن تواصل دعم المكتب الأممي بعد نهاية عام 2026، وستعارض أي تفويض من مجلس الأمن يُبقي على الدعم اللوجستي أو التشغيلي الذي تقدمه الأمم المتحدة للبعثة الأفريقية. وتبلغ الميزانية السنوية للمكتب نحو 500 مليون دولار، ما يجعل تعويض دوره مسألة شديدة الصعوبة. وقد حذّر دبلوماسيون تحدثوا إلى رويترز من صعوبة استمرار البعثة ما لم تُنشأ آلية بديلة تتولى مهامه. أما واشنطن، فبررت موقفها بأنها قدمت قرابة ملياري دولار من الاشتراكات المقررة للمكتب وسلفه، من دون أن يتحمل الصومال، بحسب تقديرها، نصيبًا كافيًا من مسؤولية أمنه رغم سنوات المساعدة الدولية.

وهنا تكمن معضلة مقديشو: فشركاؤها يطالبونها بتحمّل مسؤولية أكبر والاعتماد على نفسها، في الوقت الذي يسحبون فيه تدريجيًا التمويل والإسناد اللوجستي والدعم المؤسسي الذي ساعدها على بناء قدراتها الحالية

ولم يأتِ هذا القرار بمعزل عن مواقف أميركية سابقة؛ فقد اعترضت واشنطن أيضًا على تطبيق إطار التمويل المنصوص عليه في قرار مجلس الأمن رقم 2719 على البعثة الأفريقية. وكان هذا الإطار سيتيح تغطية ما يصل إلى 75% من نفقات البعثة المؤهلة للتمويل عبر اشتراكات الأمم المتحدة المقررة، بما يوفر تمويلًا أكثر استقرارًا يمكن التخطيط على أساسه. ومع ذلك، لا يعني تقليص هذا الدعم انسحابًا أميركيًا كاملًا من مكافحة الإرهاب في الصومال، إذ تواصل القيادة الأميركية في أفريقيا «أفريكوم» تنفيذ حملة مكثفة من الضربات الجوية داخل البلاد.

والأقرب أن واشنطن تتجه نحو حصر دورها في عمليات محددة النطاق لمكافحة الإرهاب، مع الابتعاد عن المنظومة المكلفة ومتعددة الأطراف التي تُبقي قوات حفظ السلام الأفريقية قادرة على العمل، وتدعم انتقال المسؤوليات الأمنية إلى الصومال على المدى الطويل. وفي مقابلة حديثة مع وسائل إعلام محلية، أعرب قائد أفريكوم، الجنرال داغفين أندرسون، عن استيائه من محدودية التقدم المُحرز حتى الآن.

وأمام هذا الموقف الأميركي، سارع الاتحاد الأفريقي والدول المساهمة بقوات إلى البحث عن مصادر تمويل أفريقية تضمن استمرار البعثة. وفي هذا السياق، استضافت أوغندا في كمبالا قمة استثنائية لبحث مستقبل البعثة، شارك فيها ممثلون عن بوروندي وجيبوتي وإثيوبيا ومصر وكينيا والصومال، إلى جانب شركاء آخرين. وخلال القمة، قالت القيادة العسكرية الأوغندية إن الدعم الذي يقدمه مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال تقلّص بالفعل بنحو 25%، محذّرة من أن الدول المساهمة بقوات ستضطر إلى البحث عن بدائل سياسية ومالية.

لكن التعويل على التمويل الأفريقي يصطدم بفجوة واسعة بين الاحتياجات والموارد المتاحة. فرغم تزايد دعوات الاتحاد الأفريقي إلى تعزيز مساهمات الدول الأعضاء في صندوق السلام، وتطبيق الضريبة المقررة منذ وقت طويل بنسبة 0.2% على الواردات المشمولة بها، والاعتماد بدرجة أكبر على الموارد المحلية، تكشف الأرقام صعوبة تعويض الدعم الخارجي. ففي عام 2025، احتاجت البعثة إلى نحو 196 مليون دولار، بينما لم تتجاوز التعهدات المقدمة حتى أواخر سبتمبر/أيلول 24.6 مليون دولار، منها 20 مليونًا من الاتحاد الأفريقي نفسه. وفي الأثناء، أبقت الدول المساهمة بقوات جنودها منتشرين لنحو 15 شهرًا من دون صرف مخصصاتهم، متحمّلة بذلك عمليًا جانبًا من تكاليف استمرار البعثة.

ولا تبدو أوروبا، التي ظلت لعقود الركيزة الأساسية لتمويل البعثات الأفريقية المتعاقبة في الصومال، مستعدة لتحمّل هذا العبء إلى أجل غير مسمى. فقد قدم الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء قرابة 2.8 مليار يورو للبعثات التي قادها الاتحاد الأفريقي على مدى نحو عقدين. ومع ارتفاع التكاليف واستمرار التساؤلات بشأن موعد قدرة القوات الصومالية على الحلول محل القوات الأجنبية، أخذت الحكومات الأوروبية تضغط من أجل تقليص الحضور الأمني الدولي تدريجيًا.

ومع ذلك، وافق الاتحاد الأوروبي في أبريل/نيسان 2026، بعد نحو عامين من المفاوضات لتجديد التمويل، على تقديم 75 مليون يورو للبعثة، ليصبح أكبر داعم مالي مباشر لها. وقد وفرت هذه المساهمة أموالًا كانت البعثة في أمسّ الحاجة إليها لسداد مستحقات القوات والنفقات المرتبطة بها، لكنها لم تحلّ أزمة التمويل الأساسية؛ فقيمتها أقل بكثير من كلفة المنظومة اللوجستية التي يديرها المكتب الأممي، فيما لم تُبدِ الحكومات الأوروبية استعدادًا يُذكر لتعويض الدور الأميركي وتولّي موقع الممول الرئيسي للبعثة. وهكذا، يستمر البحث عن صيغة لتقاسم الأعباء بين الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي وبريطانيا ومانحين آخرين، من دون التوصل حتى الآن إلى التمويل المستقر ومتعدد السنوات الذي تسعى إليه الحكومات الأفريقية.

ولا تنفصل أزمة البعثة الأفريقية عن تراجع أوسع في الانخراط الدولي في الصومال. فقد ألحق تفكيك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية وتقليص المساعدات الخارجية الأميركية أضرارًا بالبرامج الداعمة للصحة والتعليم والتنمية الاقتصادية وبناء القدرات الحكومية. وتراجع التمويل المتاح لمنظمات الإغاثة من نحو 2.2 مليار دولار عام 2022 إلى قرابة 300 مليون دولار عام 2026، بينما انخفض تمويل الاستجابة لسوء التغذية الحاد بأكثر من 80%، وأُغلقت مئات المرافق الصحية ومراكز التغذية أو باتت مهددة بالإغلاق. وبالتزامن مع ذلك، تستعد البعثة السياسية الأممية لإنهاء دورها في تقديم المشورة بشأن الفيدرالية والانتخابات والعدالة وإصلاح القطاع الأمني وبناء المؤسسات، تاركةً جانبًا أكبر من هذه المسؤوليات للمؤسسات الصومالية ولحضور أممي أقل حجمًا في البلاد.

في هذا السياق، تحمل الثقة التي تبديها الحكومة الفيدرالية دلالة سياسية مهمة، خصوصًا مع تقليص الشركاء الدوليين حضورهم، لكنها لم تُترجم بعد إلى تقدم ملموس يكفي لتبديد الشكوك المحيطة بالمرحلة المقبلة

وتكشف هذه التحولات ملامح دور دولي أضيق نطاقًا وأقل كلفة. فالعمليات العسكرية التي تستهدف التهديدات الإرهابية المباشرة قد تستمر، كما تُظهر الحملة الجوية الأميركية المتواصلة، بينما تتقلص منظومة حفظ السلام ودعم الاستقرار والإغاثة وبناء الدولة على المدى الطويل. وهنا تكمن معضلة مقديشو: فشركاؤها يطالبونها بتحمّل مسؤولية أكبر والاعتماد على نفسها، في الوقت الذي يسحبون فيه تدريجيًا التمويل والإسناد اللوجستي والدعم المؤسسي الذي ساعدها على بناء قدراتها الحالية.

وفي مواجهة هذا التراجع، يسعى مسؤولو الحكومة الفيدرالية، من خلال تصريحاتهم المتزايدة حزمًا، إلى تأكيد استعدادهم لتولّي مسؤولية أكبر عن أمن البلاد وشؤونها السياسية. لكن الثقة التي تحملها رسائل مقديشو تقابلها صورة أقل وضوحًا على الأرض. فلا يزال المشهد السياسي منقسمًا، في ظل غياب إطار انتخابي شامل يحظى بتوافق واسع، واستمرار الأزمة الدستورية، ما يعقّد التوصل إلى تفاهم حول الانتقال السياسي. ولا تنفي هذه الخلافات بالضرورة قول الحكومة إن المؤسسات الصومالية أصبحت أكثر قدرة، لكنها تُبرز الفارق بين تولّي المسؤولية وتوافر التماسك السياسي اللازم لممارستها بفاعلية.

وعلى الصعيد الأمني، تتجاور المكاسب مع تهديدات لم تتراجع بالقدر نفسه. فقد أحرزت الحكومة تقدمًا مهمًا في تعزيز الأمن في مقديشو، ووسّعت بعض وحدات الجيش الوطني وعملت على تدريبها، إلا أن حركة الشباب لا تزال تشكل خطرًا كبيرًا في مناطق واسعة من جنوب البلاد ووسطها. وتحتفظ الحركة بقدرتها على شن الهجمات والضغط على المجتمعات المحلية واستغلال الثغرات في سيطرة الدولة. ويضاف إلى ذلك تزايد التقارير عن علاقة معقدة وغامضة بينها وبين الحوثيين في اليمن، مع اشتداد الحرب على إيران، فيما عادت أعمال القرصنة إلى الظهور رغم انتشار قوات بحرية متعددة الجنسيات في المياه الصومالية.

في هذا السياق، تحمل الثقة التي تبديها الحكومة الفيدرالية دلالة سياسية مهمة، خصوصًا مع تقليص الشركاء الدوليين حضورهم، لكنها لم تُترجم بعد إلى تقدم ملموس يكفي لتبديد الشكوك المحيطة بالمرحلة المقبلة. ويبقى السؤال: هل تستطيع المؤسسات السياسية والأمنية الصومالية ترسيخ الاستقرار والحفاظ عليه، والتوصل إلى تسوية سياسية تتسع لمختلف الأطراف، بينما تنحسر هياكل الدعم الخارجي التي ساندت البلاد لأكثر من عقدين؟