الأحد 12 يوليو 2026
يمر الصومال بواحدة من أخطر لحظاته السياسية منذ عقود، في ظل غياب توافق وطني على مسار انتخابي واضح، أو صيغة انتقال سياسي تحمي البلاد من الانزلاق إلى فراغ دستوري مفتوح. فقد انهارت في 15 مايو/أيار المفاوضات التي قادتها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بين الحكومة والمعارضة، في اليوم نفسه الذي كان يفترض أن تنتهي فيه الولاية الأصلية للرئيس حسن شيخ محمود، الممتدة لأربع سنوات. وبانهيار تلك المحادثات، وُضعت شرعية المؤسسات الفيدرالية الأساسية تحت ضغط غير مسبوق.
كان جاستن ديفيس، القائم بالأعمال الأميركي لدى الصومال، والسفير البريطاني تشارلز كينغ، يحاولان دفع القيادات السياسية من الطرفين إلى التوصل إلى اتفاق حول خريطة طريق للانتقال السياسي. غير أن فشل هذه الجهود ترك البلاد بلا مسار متفق عليه، وفي توقيت لا يحتمل مزيدا من الغموض أو المناورة.
منذ عام 2008، يظهر الصومال باستمرار في مقدمة قوائم الدول الأكثر هشاشة في العالم. واليوم، تحت قيادة الرئيس محمود، يواجه البلد مأزقا سياسيا يهدد ما تبقى من قدرته على التماسك. فالأزمة لا تقع في فراغ، بل تتداخل مع انعدام الأمن، والضائقة الإنسانية، والهشاشة الاقتصادية، والفساد الواسع، وتحوّلات المنافسة الجيوسياسية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر وخليج عدن.
في عمق هذه الأزمة تقف مسألة أكثر تعقيدا من الخلاف على موعد الانتخابات أو شكلها، وهي الطبيعة المتنازع عليها للدولة الصومالية نفسها. فصوماليلاند تواصل سعيها إلى الاستقلال، بينما قطعت بونتلاند وجوبالاند علاقاتهما مع الحكومة الفيدرالية. وفي الوقت نفسه، تسيطر حركة الشباب على مساحات واسعة من البلاد وعلى طرق حيوية، فيما تعمل الحكومة الفيدرالية وثلاث ولايات فيدرالية أعضاء على الأقل خارج حدود ولاياتها الدستورية.
لقد انقضى الجدول الانتخابي من دون تصويت. انتهت ولاية البرلمان ذات السنوات الأربع في أبريل/نيسان 2026، ثم انتهت ولاية الرئيس بعد ذلك بشهر، من دون وجود خريطة طريق متفق عليها للانتخابات أو الانتقال السياسي. وهكذا لم تعد الأزمة مجرد خلاف سياسي عابر، بل تحولت إلى اختبار وجودي لفكرة الدولة الفيدرالية نفسها، وللقدرة على إنتاج شرعية جديدة من داخل المؤسسات لا من خارجها.
في خضم هذا الانسداد، مضت الحكومة في مسار أحادي زاد الأزمة تعقيدا. فقد عدّلت الدستور من جانب واحد، وأقرت قانونا انتخابيا تعتبره المعارضة مفصّلا على مقاس السلطة، ثم أنشأت لجنة انتخابية يرفضها خصومها بوصفها منحازة وغير قادرة على إدارة عملية تحظى بالثقة. خلال السنوات الأربع الماضية، تركزت السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية على نحو متزايد في يد الرئيس حسن شيخ محمود، بما جعل الخلاف لا يدور فقط حول الانتخابات المقبلة، بل حول طبيعة الحكم وحدود السلطة نفسها.
لم تعد الأزمة مجرد خلاف سياسي عابر، بل تحولت إلى اختبار وجودي لفكرة الدولة الفيدرالية نفسها، وللقدرة على إنتاج شرعية جديدة من داخل المؤسسات لا من خارجها
تنظر المعارضة الوطنية، ومعها بونتلاند وجوبالاند، إلى هذه الإجراءات باعتبارها محاولة للاستيلاء على السلطة وإعادة تشكيل قواعد اللعبة السياسية من داخل المؤسسات. وتستند في رفضها إلى دستور عام 2012، الذي ترى أنه لا يزال المرجعية القانونية والسياسية الناظمة للتسوية الصومالية. وبذلك وجد الصومال نفسه أمام ادعاءين متنافسين للشرعية الدستورية. فالمعارضة تتمسك بالدستور الانتقالي بوصفه أساس التوافق الوطني، بينما تقول الحكومة إنها تمضي نحو هدف ديمقراطي طال انتظاره، يتمثل في الانتقال من الاختيار غير المباشر القائم على الوساطة العشائرية إلى انتخابات تقوم على مبدأ الصوت الواحد لكل مواطن. كما تؤكد أن التعديلات التي مددت الولاية الرئاسية من أربع إلى خمس سنوات أُقرت بصورة قانونية داخل البرلمان.
غير أن هذا الخطاب الديمقراطي يصطدم بواقع سياسي أكثر تعقيداً. فالاقتراع العام والسياسة الحزبية لا يزالان، بالنسبة إلى الصوماليين، مشروعاً مؤجلاً أكثر منه واقعاً قابلاً للتطبيق الفوري. وتدرك الحكومة والمعارضة معاً أن نظام تقاسم السلطة القائم على العشائر لا يزال الإطار العملي الوحيد لإدارة التوازنات السياسية في البلاد. لذلك لا يتمحور الخلاف الحقيقي حول تجاوز النظام العشائري، بل حول من يملك حق تنظيمه والتحكم في آلياته.
تسعى الحكومة إلى تمديد الولاية عاما إضافيا، وتقترح نظاما انتخابيا لاختيار ممثلي العشائر يقول منتقدوه إنه يمنحها أفضلية واضحة، ويتيح لها الحفاظ على قبضتها على السلطة. أما المعارضة، فتدفع باتجاه عملية انتخابية غير مباشرة أكثر تحسيناً، تختار فيها العشائر ممثليها ضمن صيغة يمكن أن تحظى بقدر أوسع من القبول. وبين هذين الخيارين، تتسع الفجوة بين منطق السلطة ومنطق التسوية، فيما يدفع الصومال كلفة غياب اتفاق سياسي جامع في لحظة لا تحتمل مزيداً من المجازفة.
لا ينفصل هذا الانقسام السياسي عن بيئة أمنية وحكومية منهكة أصلا. صحيح أن العاصمة شهدت تحسنا نسبيا في الوضع الأمني، لكن العنف لا يزال واسع النطاق في أجزاء كبيرة من البلاد، ولا سيما في جنوب وسط الصومال. ووفقا لقاعدة بيانات "ACLED"، بلغ عدد الوفيات على المستوى الوطني مستوى قياسيا في عام 2025، بينما تظل حركة الشباب مسؤولة عن الغالبية الكبرى من وفيات النزاع المسجلة خلال العقدين الماضيين. وخلال السنوات الأربع من عمر الإدارة الحالية، تشير البيانات نفسها إلى سقوط عشرات الآلاف من الضحايا في أنحاء البلاد، مع تركز العنف بصورة خاصة في بنادر، وشبيلي السفلى، وجوبا السفلى، وهيران.
تتعمق الأزمة السياسية في ظل تدهور إنساني واقتصادي لا يقل خطورة، فعلى الرغم من عودة الأمطار إلى مناطق واسعة من البلاد، تحذر الوكالات الإنسانية من أن ملايين الصوماليين ما زالوا يواجهون انعدام الأمن الغذائي. وفي الوقت نفسه، تجد المنظمات الدولية صعوبة متزايدة في تأمين التمويل اللازم لمساعدة المتضررين من الفقر والنزوح والصراع. وقد تراجعت المساعدات الخارجية منذ أن فككت إدارة ترامب الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في عام 2025، بينما لا تزال نسبة الإيرادات المحلية إلى الناتج المحلي الإجمالي في الصومال عند مستويات متدنية للغاية. وسط هذه الهشاشة المالية، تتزايد الدعوات إلى بناء اقتصاد قائم على الموارد، خصوصاً مع توسع الدور التركي في قطاعي النفط ومصائد الأسماك.
عقود من الاستثمار في بناء الدولة والسلام يمكن أن تتبدد إذا تُركت البلاد لمعادلة القوة والفراغ والانتظار
أما الفساد، فقد عمّق أزمة الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة. فبحسب مؤشر مدركات الفساد، ظل الصومال خلال العقد الماضي بين أكثر دول العالم فساداً، وهو ما انعكس على كل جوانب الحكم تقريباً. وقد زاد نهج الحكومة في إدارة ملف الأراضي من حدة هذه المخاوف، إذ يتهمها منتقدون بإخلاء أشخاص بالقوة من أراض عامة أقاموا عليها خلال سنوات الحرب، ثم بيع بعض هذه الأراضي لتجار من دون إجراءات قانونية واضحة. ولم يقتصر الضرر على واضعي اليد، إذ فقد كثير من المواطنين الذين يحملون وثائق قانونية صادرة عن حكومات سابقة منازلهم أيضاً.
تأتي هذه الضغوط الداخلية في لحظة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب. فالصومال يحاول التعامل مع تصاعد المنافسة في القرن الأفريقي، وخليج عدن، والبحر الأحمر، وغرب المحيط الهندي، لكنه يفعل ذلك بطبقة سياسية منقسمة وغير قادرة على التصرف بوصفها مركز قرار وطني موحد. وبدلاً من إدارة هذه التحديات كدولة متماسكة، تتوزع المواقف بين أقاليم وعشائر وكتل سياسية متنافسة، اصطف بعضها مع قوى إقليمية ودول مجاورة مختلفة. وهكذا لم تعد الأزمة الصومالية شأناً داخلياً فحسب، بل صارت نقطة تقاطع بين هشاشة الدولة وصراع النفوذ في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.
يزداد المشهد تعقيداً مع تنامي حضور اللاعبين الإقليميين في القرن الأفريقي. فتركيا، والسعودية، وإسرائيل، والإمارات العربية المتحدة، وإيران، ومصر، باتت جميعها أكثر انخراطاً في توازنات المنطقة وصراعاتها. وقد مثّل اعتراف إسرائيل الرسمي بصوماليلاند أواخر العام الماضي نقطة تحول لافتة، إذ أصبحت أول دولة تقدم على هذه الخطوة، ما أضاف طبقة جديدة من التنافس بين القوى الإقليمية، ورفع مستوى الاهتمام بالصومال وصوماليلاند في لحظة تتغير فيها خرائط النفوذ حول البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
ولم تقف آثار هذه الضغوط عند حدود السياسة والأمن والاقتصاد، بل امتدت إلى الفضاء المدني نفسه. فقد واجهت الحكومة اتهامات متزايدة بإسكات الأصوات المعارضة عبر سجن صحفيين ونشطاء مدنيين، في وقت تدعو فيه المعارضة إلى التظاهر، بينما تعمل السلطة علناً على تثبيط المشاركة الشعبية. وبذلك يصبح الخلاف السياسي أكثر من نزاع بين نخبة حاكمة ومعارضة، إذ يمس حق المجتمع نفسه في التعبير والتنظيم والضغط السلمي.
يقف الصومال عند منعطف حاسم، ولا تزال هناك فرصة لتجنب الانزلاق الكامل نحو العنف والتفكك السياسي. وقد يستطيع تدخل دولي محسوب وفي الوقت المناسب أن يساعد على إعادة الأطراف إلى مسار تفاوضي أكثر جدية. فليست هذه هي المرة الأولى التي يحتاج فيها الصومال إلى دفع خارجي لتيسير انتقال سياسي. في الماضي، لعب المانحون التقليديون، وعلى رأسهم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، دورا مهماً في تسهيل آخر خمسة انتقالات سياسية في البلاد، في أعوام 2004 و2008 و2012 و2016 و2022.
لقد بذل الدبلوماسيون الأميركيون والبريطانيون في مقديشو جهدا مهما لجمع الأطراف وفتح باب الحوار، غير أن هذه الجهود جاءت متأخرة، ولم تكن كافية لكسر الانسداد. وقد تتطلب المرحلة الحالية انخراطا مباشرا وأكثر حزما من واشنطن ولندن، إلى جانب التواصل مع مانحين خليجيين غير تقليديين. كما أن اهتمام تركيا بالمساهمة في الوساطة ينبغي أن يؤخذ بجدية، لأن أنقرة تملك قنوات تأثير مع فاعلين داخل الحكومة والمعارضة على حد سواء.
ينبغي أن تبدأ أي مقاربة دولية بالضغط على الحكومة للتفاوض بحسن نية حول خريطة طريق سياسية واقعية، تضع في مركزها عملية انتخابية قابلة للتنفيذ ضمن إطار زمني واضح. كما ينبغي للقصر الرئاسي في مقديشو أن يتوقف عن استخدام مؤسسات الدولة، بما في ذلك قوات الأمن، وهيئة الطيران، والمساعدات الدولية، كأدوات في الصراع السياسي. فالدولة التي تُسخّر مؤسساتها لحسم الخلافات الداخلية تفقد قدرتها على أن تكون حكماً بين الأطراف، وتتحول إلى طرف في الأزمة.
في المقابل، ينبغي تشجيع المعارضة على الانخراط في حوار جاد وبنّاء مع الحكومة، وتجنب إطلاق مسار مواز قد يقود إلى تشكيل حكومة بديلة ويدفع البلاد نحو انقسام مؤسسي أخطر. والأهم أن يوجّه المجتمع الدولي رسالة واضحة إلى جميع الأطراف، مفادها أن تعطيل العملية السياسية أو استخدام وسائل خارج القانون لزعزعة استقرار البلاد لن يمر بلا كلفة. ومن هنا تصبح العقوبات المستهدفة ضد المعرقلين السياسيين أداة ضرورية، لا بوصفها عقاباً رمزياً، بل كوسيلة لحماية ما تبقى من فرص التسوية ومنع الصومال من الانحدار إلى فراغ لا يمكن التحكم في نتائجه.
الدولة التي تُسخّر مؤسساتها لحسم الخلافات الداخلية تفقد قدرتها على أن تكون حكماً بين الأطراف، وتتحول إلى طرف في الأزمة
بعيدا عن المأزق السياسي المباشر، لا يحتاج الصومال إلى تسوية انتخابية فحسب، بل إلى حوار وطني حقيقي يعالج جذور الأزمة لا أعراضها. فقد أظهرت عمليات السلام السابقة في جيبوتي وكينيا أن إشراك طيف أوسع من الفاعلين يمكن أن يفتح طريقا نحو بناء سياسي أكثر قابلية للاستمرار. وقد ساعدت تلك المسارات في تأسيس الجمهورية الثالثة، لكنها تركت درساً لم يجر استيعابه بالكامل، وهو أن المؤسسات التي تُبنى فوق انقسامات غير معالجة لا تستطيع الصمود طويلاً.
لم تتح للصوماليين حتى الآن فرصة جادة للدخول في حوار وطني شامل وصريح حول شكل الدولة، ومعنى الفيدرالية، وحدود السلطة، وقواعد التمثيل، وطبيعة المصالحة المطلوبة بعد عقود من الحرب والانقسام. ولهذا فإن أي مخرج حقيقي لا يمكن أن يقتصر على ترتيب انتخابات أو تقاسم مناصب أو تمديد مؤقت للولايات. ما يحتاجه الصومال هو منتدى مفتوح، ومصالحة لا تُختزل في صفقات النخبة، ومؤسسات يشعر المواطنون بأنها تخصهم جميعاً لا أنها أدوات في يد طرف سياسي أو عشائري.
يقف الصومال اليوم على حافة التفكك السياسي، لكنه لم يتجاوز بعد نقطة اللاعودة. وهذا تحديداً ما يجعل التحرك العاجل ضرورياً. فمرحلة الوقاية لا تزال قائمة، لكنها تضيق بسرعة. وعلى المجتمع الدولي الأوسع أن يتصرف الآن كما فعل في محطات سابقة، لا لحماية حكومة بعينها أو معارضة بعينها، بل لحماية ما تبقى من إمكانية قيام دولة صومالية قابلة للحياة.
لا يزال هناك وقت لإبعاد البلاد عن مسار مدمر ذاتياً، لكن هذا الوقت بدأ ينفذ بالفعل. لا يتطلب إن إنقاذ الصومال من الانهيار إدارة أزمة عابرة بل شجاعة في فرض تسوية سياسية وجرأة في دعم مصالحة وطنية حقيقية، وإدراكاً بأن عقوداً من الاستثمار في بناء الدولة والسلام يمكن أن تتبدد إذا تُركت البلاد لمعادلة القوة والفراغ والانتظار.