تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأربعاء 20 مايو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

الصومال بعد 15 مايو: أزمة انتخابية تهدد بتمزيق الفيدرالية

29 أبريل, 2026
الصورة
الصومال بعد 15 مايو: أزمة انتخابية تهدد بتمزيق الفيدرالية
Share

تبدو الصومال اليوم واقفة على حافة غموض سياسي لا يشبه ما اعتادته في أزماتها السابقة. فالانتخابات ما تزال معلّقة في فضاء من الشك، فيما أعلنت الإدارة الحالية، على لسان رئيس الوزراء، نيتها البقاء في السلطة عامًا إضافيًا. صحيح أن تأخر الانتخابات ليس أمرًا جديدًا في التجربة الصومالية؛ فقد واجهت البلاد أزمة مماثلة في 2016، ثم تكرر المشهد عام 2021. لكن ما يجري هذه المرة يتجاوز حدود الأزمة الانتخابية المعتادة، إذ يتقاطع مع شرخ دستوري ومؤسسي غير مسبوق منذ نشوء النظام الفيدرالي قبل ربع قرن.

يجد الصوماليون، المنقسمون أصلًا على أسس عشائرية وإدارية، للمرة الأولى، أنفسهم أمام دستورين ونظامين سياسيين متباينين، في لحظة تتراجع فيها الثقة بالحوار بوصفه وسيلة لتقريب المواقف. ومع أن الخلاف الظاهر لا يزال يدور حول مسار الانتخابات، فإن جوهر الأزمة بات أعمق بكثير بعد تعديل الدستور المؤقت، واعتماد دستور جديد أقرّه البرلمان الفيدرالي، ووقّعه الرئيس حسن شيخ محمود. وقد أدخل ذلك البلاد فعليًا في أزمة دستورية أطاحت بمبدأ "أصحاب المصلحة"، الذي كان يشكل الإطار الناظم للتوازن بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء، ويمنح العشائر قدرًا من الثقة في النظام السياسي.

لطالما سعت الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء إلى توسيع صلاحياتها على حساب الطرف الآخر؛ غير أن عاملين حالا دون تحقيق هذه الطموحات. تمثل العامل الأول في العرف الدستوري القائم على تقاسم السلطة بين العشائر، وهو ما أوجد ضوابط وتوازنات بين الفاعلين السياسيين. فقد منح هذا العرف، على سبيل المثال، سلطات شبه متساوية للرئيس ورئيس الوزراء، وبما أنه كان يؤدي غالبًا إلى انسداد سياسي بينهما، فإن الرؤساء لم يكونوا يحبذونه. ومع ذلك، لم يتمكن أي منهم من الإفلات من قيوده إلى أن وجد الرئيس السابق محمد عبد الله فرماجو سبيلًا لذلك. فقد عيّن رئيس وزراء يتسم بالمرونة تجاهه، وردّ رئيس الوزراء بتشكيل حكومة كان معظم أعضائها من النواب في البرلمان.

بهذه الصيغة، تمكن الرئيس من تفادي الصدام مع رئيس وزرائه، فيما ضمن رئيس الوزراء بدوره الحماية من سحب الثقة. لكن الكلفة المؤسسية كانت كبيرة؛ إذ تحوّل البرلمان والسلطة التنفيذية عمليًا إلى كتلة واحدة، بدل أن يبقيا مؤسستين منفصلتين تراقب إحداهما الأخرى. كما أدى تقاطع مصالح الرئيس ورئيس الوزراء إلى إضعاف موقع الأخير، حتى فقد ثقة العشائر التي كان يُفترض أن يمثلها، قبل أن ينتهي به الأمر إلى القطيعة مع الرئيس.

بهذه الروابط الدولية، بقي "أصحاب المصلحة" مجتمعين ضمن إطار واحد، رغم أن مصالحهم كانت تدفعهم في أحيان كثيرة إلى تقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ، تمامًا كما فعل أمراء الحرب من قبلهم

وسار الرئيس الحالي على خطى سلفه، إذ لم يكتف بتعيين رئيس وزراء موالٍ له، بل اعتمد أيضًا دستورًا جديدًا نقل النظام السياسي في البلاد من برلماني إلى رئاسي. ورغم أن الرئيس تراجع لاحقًا عن بعض هذه التغييرات، فإن منصب رئيس الوزراء لا يزال شبه منزوع الصلاحيات. وهكذا، لم يعد الرجل الذي كان يمكن أن يؤدي دورًا محوريًا في تسوية الخلافات الانتخابية الراهنة قادرًا حتى على زيارة ولايته الأصلية.

غير أن الأثر الأخطر لاعتماد الدستور الجديد تمثّل في زعزعة النظام الفيدرالي نفسه، إذ دفعت هذه التغييرات كلًا من بونتلاند وجوبالاند إلى إعلان انسحابهما من الاتحاد الفيدرالي. بذلك يكون مبدأ الشراكة السياسية قد انتهى عمليًا، بعدما انهار على المستوى العشائري وعلى مستوى العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء. ومع سقوط هذا المبدأ، لم يبقَ سوى العامل الثاني الذي لطالما كبَح طموحات السياسيين، وفتح مسارات للحل كلما انسدت الطرق أمام الصوماليين، وهو تدخل المجتمع الدولي.

على مدى العقدين الماضيين، اضطلع المجتمع الدولي بدورين أساسيين في السياسة الصومالية. تمثّل الدور الأول في كونه المرجع الأخير كلما وصل "أصحاب المصلحة" إلى طريق مسدود؛ فكان يتدخل للتوفيق بين مواقفهم، ويصدر، عند الضرورة، ما يشبه الأحكام الملزمة، بما في ذلك إبعاد مسؤولين عن مناصبهم، كما حدث في اتفاق كمبالا. غير أن هذا الدور تراجع كثيرًا منذ انتقال الحكومة الفيدرالية، في عام 2012، من صيغة انتقالية إلى حكومة دائمة. ومع ذلك، ظل المجتمع الدولي محتفظًا بورقة الشرعية الدولية، وهي الورقة التي استخدمها قبل أربع سنوات عندما واجهت البلاد أزمة مماثلة.

أما الدور الثاني، فكان دور الضامن الذي يحدد حدود كل فاعل سياسي، والتكلفة التي قد يدفعها إذا تجاوز تلك الحدود. وقد تجسدت أدوات هذا الضمان في مشاريع التنمية من جهة، وفي الاعتراف والشرعية الدولية من جهة أخرى. فعلى سبيل المثال، كان المجتمع الدولي يحدد أي الولايات تُعد شرعية، حتى عندما كان ذلك يتعارض مع موقف الحكومة الفيدرالية، كما كان يعلّق المساعدات أو يلوّح بتعليقها عندما يتجاهل أحد الأطراف مطالبه. وبهذه الروابط الدولية، بقي "أصحاب المصلحة" مجتمعين ضمن إطار واحد، رغم أن مصالحهم كانت تدفعهم في أحيان كثيرة إلى تقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ، تمامًا كما فعل أمراء الحرب من قبلهم.

إن ما يحفظ قدرًا من النظام في العاصمة لا يعود إلى قوة الأجهزة الأمنية الحكومية وحدها، بقدر ما يستند إلى قبول الناس بشرعية السلطة القائمة

غير أن المجتمع الدولي لم يعد، للأسف، الضامن الوحيد لهذه المعادلة. فقد دخلت قوى إقليمية، مثل الإمارات وتركيا، على خط التأثير المباشر، وقدّمت في السنوات الأخيرة تمويلًا تنمويًا وأسلحة، بل وسيولة نقدية مباشرة إلى بعض أصحاب المصلحة. ومع تنامي نفوذ هذه القوى، إلى جانب الاعتراف الإسرائيلي الأخير بصوماليلاند، بات الصومال يتحرك أكثر فأكثر وفق إيقاع سياسات الشرق الأوسط، لا وفق حسابات القرن الأفريقي وحدها. ونتيجة لذلك، تراجع الهدف الذي طالما تبنّاه المجتمع الدولي، والمتمثل في إعادة بناء الصومال كدولة موحدة، أمام مصالح إقليمية متضاربة لكل طرف منها أجندته الخاصة.

لا يعود انحسار نفوذ المجتمع الدولي إلى العوامل الخارجية وحدها، بل إلى أسباب داخلية أيضًا. فالدول المانحة، المثقلة بقيود مالية والمتشككة أصلًا في جدوى مشروع بناء الدولة على الأرض، كانت قد بدأت تفقد ثقتها بالمسار السياسي في الصومال. وربما جاءت سياسة ترامب الخارجية القائمة على شعار أمريكا أولًا، بما شمل وقف المساعدات المقدمة إلى الصومال، لتكون بمثابة الضربة الأخيرة لدور المجتمع الدولي هناك. ومع انهيار مبدأ أصحاب المصلحة، وتراجع قدرة المجتمع الدولي على التأثير كما كان يفعل في السابق، يبرز السؤال الأهم: كيف سيبدو اليوم التالي للخامس عشر من مايو المقبل؟

ثمة أربعة سيناريوهات محتملة، لا يبعث على الأمل منها سوى واحد. يتمثل هذا السيناريو، وهو الأكثر تفاؤلًا وربما الأكثر قابلية للتحقق، في إعادة إحياء الصيغة الفيدرالية عبر العودة إلى الدستور المتفق عليه سابقًا، والتوافق على مسار انتخابي يحظى بقبول الأطراف المعنية. وفي هذه المرحلة، لا يبدو أن هناك طرفًا قادرًا على دفع هذا الخيار سوى المجتمع الدولي. صحيح أن نفوذه تراجع للأسباب التي سبق ذكرها، لكنه لا يزال يحتفظ بنفوذ مالي وقانوني يمكّنه من ممارسة الضغط، ولا سيما على الرئيس.

السيناريو الثاني هو قيام حكومات موازية. فقد لمح بعض مرشحي المعارضة بالفعل إلى أنهم سيجرون انتخاباتهم الخاصة باعتبارها خطة بديلة. غير أن هذا الخيار يواجه تحديين؛ الأول هو تمويل هذه الانتخابات. أما العقبة الثانية، وهي الأكثر خطورة، فتتمثل فيما إذا كانت كل أطراف المعارضة ستتفق على هذه العملية. فليس واضحًا، على سبيل المثال، ما الذي ستجنيه بونتلاند وجوبالاند من هذا المسار البديل.

يتمثل هذا السيناريو، وهو الأكثر تفاؤلًا وربما الأكثر قابلية للتحقق، في إعادة إحياء الصيغة الفيدرالية عبر العودة إلى الدستور المتفق عليه سابقًا، والتوافق على مسار انتخابي يحظى بقبول الأطراف المعنية

هذا يقودني إلى السيناريو الثالث، الذي أسميه نهج الترقب والانتظار. فبينما سيبدأ مرشحو المعارضة في مقديشو قريبًا بتحدي الرئيس الموجود في السلطة، قد يختار قادة بونتلاند وجوبالاند الانتظار ومراقبة ما سيحدث. ويشبه ذلك ما فعلته النخب في المناطق الشمالية الشرقية حين واجه علي مهدي وعيديد بعضهما بعضًا في مقديشو، قبل أن تقرر في نهاية المطاف المضي قدمًا وبناء إدارتها الخاصة، بونتلاند، بعد ثماني سنوات.

قد يؤدي نهج الترقب والانتظار في النهاية إلى أحد احتمالين: الأول أن تتوصل النخب في مقديشو إلى تسوية تستطيع بونتلاند وجوبالاند الموافقة على الانضمام إليها. والثاني أن يؤدي ذلك إلى حرب أهلية مطولة في مقديشو، تدفع بونتلاند وجوبالاند إلى السعي لإقامة كيانيهما السياسيين الخاصين.

يقودنا ذلك إلى السيناريو الأخير، الذي يمكن وصفه بـ"1991 مضاعفًا". فبعد انهيار الدولة عام 1991، شهد الصومال تطورين حاسمين: أولهما؛ اندلاع صراع مسلح بين الجبهات المتنافسة على السلطة والشرعية في مقديشو، وثانيهما؛ إعلان صوماليلاند انفصالها عن الاتحاد. ولا يبدو أن أيًا من هذين الاحتمالين مستبعد بعد 15 مايو/آيار. فمقديشو، أولًا، تعجّ بالسلاح المنتشر بين أيدي الناس، وهي حقيقة لا تنفك المعارضة تذكّر الحكومة بها. لذلك، فإن ما يحفظ قدرًا من النظام في العاصمة لا يعود إلى قوة الأجهزة الأمنية الحكومية وحدها، بقدر ما يستند إلى قبول الناس بشرعية السلطة القائمة.

ثانيًا، قد يكون إعلان الانفصال عن الصومال الخيار الأقل كلفة أمام بونتلاند وجوبالاند، سواء لإعادة فتح باب التفاوض مع مقديشو بعد انهيار الإطار الفيدرالي، أو لجذب انتباه المجتمع الدولي إلى موقفيهما. ومن المرجح، بطبيعة الحال، ألا يحظى مثل هذا الإعلان باعتراف دولي. غير أنه سيمنحهما وضعًا سياسيًا جديدًا بوصفهما كيانين قائمين بحكم الأمر الواقع، بما قد يضطر الدول الأخرى إلى التعامل معهما على هذا الأساس، ولا سيما إذا انزلقت بقية البلاد إلى حرب أهلية. وفوق ذلك، تستطيع الولايتان تبرير هذا المسار بالقول إن مقديشو هي التي انسحبت أولًا من الاتحاد، لا هما، حين ألغت الدستور المتفق عليه. ومن شأن هذا التبرير أن يمنحهما غطاءً شعبيًا أوسع. وبالنظر إلى هذه الحسابات، قد يكون سيناريو "1991 مضاعفًا" أقرب إلى التحقق مما يظن كثيرون.

مهما يكن ما سيحدث بعد 15 مايو/آيار، فمن المرجح أن الصومال لن يعود كما كان. فقد عززت الإدارة المنتهية ولايتها، كما فعلت الإدارة التي سبقتها، مخاوف أولئك الذين يخشون أن تتحول الدولة إلى أداة للقمع والاستحواذ والعنف باسم الشرعية. فقد بدأت السلطات في مقديشو تميل إلى استخدام القوة بوصفها خيارًا مفضلًا عند خلافها مع الولايات الأعضاء، كما حدث في جوبالاند، ومؤخرًا في ولاية جنوب الغرب. وأسهم هذا المسار، جزئيًا، في دفع صوماليلاند إلى التقارب المتسارع مع إسرائيل. أما في مناطق أخرى، مثل بونتلاند، فيسود شعور بأن بعض ملامح عهد سياد بري تعود إلى الواجهة. وهذا ما يدفع الولايات الأعضاء إلى السعي لانتزاع تنازلات أوسع في تقاسم السلطة، قبل أن تتحول الحكومة الفيدرالية إلى كيان مركزي متغوّل.