الثلاثاء 15 سبتمبر 2026
في مساء دافئ من أوائل يونيو/حزيران، دوّى في مقديشو صوت الرصاص وقذائف الهاون مجددا. هذه المرة، لم يكن العنف ناجما عن كمين لحركة الشباب أو نزاع حول نقطة تفتيش، بل عن اشتباكات دامية فجّرتها مساعي الحكومة الاتحادية إحكام قبضتها السياسية على العاصمة. لم تكن المواجهات مفاجئة؛ إذ ظلت نذرها تتراكم منذ أشهر. وبينما تعامل معها بعضهم باعتبارها حلقة أخرى من "المعتاد"، وتجليًا للعنف الذي تقوم عليه التسوية السياسية في الصومال، فإنها قد تؤشر إلى منعطف أكثر خطورة، وهو دخول البلاد حقبة دولة قائمة من دون تسوية سياسية تسندها.
كان التوتر قد أخذ يتصاعد منذ أن تجاوز الرئيس حسن شيخ محمود موعد الانتخابات المقرر في مايو/آيار، بعدما عدّل الدستور المؤقت بما يسمح له بتمديد ولايته. وقبيل احتجاجات واسعة كان مقررا تنظيمها في مقديشو يوم 4 يونيو/ حزيران، دفعت الحكومة بقوات كبيرة لاعتقال رئيس الوزراء السابق وزعيم المعارضة حسن علي خيري، ضمت وحدات "غورغور" الخاصة والشرطة والحرس الرئاسي. وكان خيري، في ذلك الوقت، مجتمعا مع عشرات الشيوخ والشخصيات النافذة من عشيرته "مرسدي"، إحدى عشائر الهوية. لذلك، لم يكن الهجوم الحكومي رسالة تحذير إلى خيري وحلفائه في "مجلس المستقبل الصومالي" فحسب، بل بدا أيضا تهديدا مباشرا لعشيرة مرسدي نفسها، في تطور ينذر بعواقب خطيرة في بلد أنهكته الانقسامات العشائرية.
استمر القتال حتى الساعات الأولى من الصباح، بينما حاولت القوات الحكومية اعتقال خيري من دون أن تنجح. وخلال المواجهات، سقطت قذائف هاون على منازل مدنية وعلى سوق بكارا، أحد أبرز المراكز التجارية في مقديشو. وفي مساء اليوم نفسه، حاصرت القوات الحكومية منزل الرئيس السابق والقيادي المعارض شريف شيخ أحمد، وقطعت عنه الكهرباء والمياه. وكان الزعيمان قد انتقلا إلى أحياء قريبة من القصر الرئاسي، تقطنها عشيرتاهما، في محاولة لتكثيف الضغط على الرئيس. لكن هدوء هشا عاد إلى العاصمة في الأيام التالية، بعدما تراجع خيري وشريف شيخ أحمد عن موقعيهما، إثر جولات وساطة مكوكية قادها دبلوماسيون أتراك وغربيون.
رغم الوعود بإجراء محادثات، سرعان ما برزت خلافات حول طبيعتها وجدولها الزمني والأطراف المشاركة فيها. لذلك، سيكون من السابق لأوانه الاعتقاد بأن الخطر قد انحسر. فعلى مدى أكثر من عام، ظل الرئيس يراوغ ويكسب الوقت عبر جولات متعاقبة، مصورا معارضيه على أنهم معرقلون مناهضون للديمقراطية. مع أن اندلاع مواجهة أوسع قد جرى تفاديه مؤقتا، فإن الطرفين يستعدان لجولة جديدة من الصدام، أيا يكن شكلها. وفي الوقت نفسه، تعمل "فيلا الصومال"، رغم تراجع شعبيتها، على تفتيت أي ائتلاف معارض محتمل قبل أن تتاح له فرصة التماسك.
تحت ضجيج الأزمة السياسية، تبرز ملامح ما يمكن وصفه بـ"الدولة الجوفاء"؛ دولة تجيد تمثيل السيادة من دون أن تمتلك مضمونها
حسابات الرئيس واضحة؛ فهو يراهن على الوقت، مستفيدا من انقسام المجتمع الدولي وإرهاقه، ومن تراجع استعداده لإنفاق مزيد من رصيده السياسي على أزمة صومالية جديدة. تقوم حسابات "فيلا الصومال" على أن إطالة الأزمة، واستنزاف الخصوم كفيلان بتحويل مساعي حسن شيخ لترسيخ سلطته إلى أمر واقع يصعب التراجع عنه.
لم تكن الحكومة غافلة عن احتمال اندلاع مواجهة في العاصمة؛ إذ تستعد لها منذ أشهر، عبر إدخال شحنات من الأسلحة ومليشيات موالية يرتدي أفرادها، في الغالب، زيا عسكريا. ومع هذه التحركات، عاد شبح "بدبادو قرن" (الإنقاذ الوطني) ليخيم على المشهد. وتسعى "فيلا الصومال" إلى منع أي تعبئة واسعة في صفوف قوات الهوية قد تجبرها على التفاوض، كما حدث عام 2021، حين أجبرت تحركات مماثلة الرئيس السابق محمد عبد الله فرماجو على التراجع عن محاولته تمديد ولايته من جانب واحد.
في هذا السياق، أُعيد احتواء مهد صلاد، مدير جهاز الاستخبارات، جزئيا داخل دائرة السلطة، رغم تدهور علاقته بالرئيس على خلفية محاولات فرض مرشح موالٍ للحكومة في الانتخابات الرئاسية المقبلة بولاية غلمدغ.
في موازاة ذلك، قادت وزارة الدفاع، برئاسة أحمد فقي المعروف بمواقفه المتشددة، حملة تطهير داخل الجيش الوطني الصومالي. واعتمدت نظام التسجيل البيومتري لاستبعاد الجنود المصنفين "غير موالين"، كما أبعدت عن مقديشو عددا من القادة الذين شاركوا في تحرك "الإنقاذ الوطني" عام 2021. ومع أن الأموال والأسلحة وُزعت على قادة من عشائر مختلفة، حظيت بالأولوية قوات تنحدر من الهوية، وتحديدا أبغال ووعيسلي، ومن دارود، ولا سيما أوغادين ورير عبد الله؛ وهي الفروع العشائرية التي ينتمي إليها الرئيس ورئيس الوزراء.
بدأت نزعة حسن شيخ نحو تركيز السلطة تظهر خلال ولايته الأولى، لكن عهد محمد عبد الله فرماجو، بين عامي 2017 و2022، شهد انتقالا أكثر قسرية للسلطة إلى مؤسسة الرئاسة. ورغم وعود حسن شيخ، ذي الخلفية الأكاديمية، بإعادة قدر من التوازن إلى النظام السياسي، بلغ احتكار السلطة مستويات جديدة منذ عودته إلى الحكم.
لئن تعامل معها بعضهم باعتبارها حلقة أخرى من "المعتاد"، وتجليا للعنف الذي تقوم عليه التسوية السياسية في الصومال، فإنها قد تؤشر إلى منعطف أكثر خطورة، وهو دخول البلاد حقبة دولة قائمة من دون تسوية سياسية تسندها
واصلت "فيلا الصومال" تنفيذ مشروعها المركزي، فعدّلت الدستور المؤقت، وطرحت نظامًا انتخابيًا شديد الانحياز تحت شعار "شخص واحد، صوت واحد" (OPOV)، صُمم لمنح الدوائر الموالية للحكومة وزنا انتخابيا أكبر. وبدلا من معالجة الانقسامات السياسية والقضايا الشائكة، مثل تقاسم الموارد ووضع جمهورية صوماليلاند وبناء منظومة أمنية فيدرالية، انتهت هذه السياسات إلى تعميق الانقسام داخل البلاد.
في هذا السياق، سحبت جوبالاند وبونتلاند اعترافهما بالحكومة الاتحادية، بينما شعرت قطاعات واسعة من العشائر والمجتمعات المحلية بمزيد من التهميش والاغتراب عن "فيلا الصومال". ولا يمكن اختزال هذه الانقسامات في خلاف سياسي عابر يشبه الأزمات السابقة؛ فهي تعكس تفككًا أعمق في بنية السلطة، وترسخ منظومات حكم موازية داخل البلاد، تغذيها بدورها رعاية إماراتية.
مع تآكل الدعم السياسي للحكومة، ازداد اعتمادها على حلفائها الخارجيين، وفي مقدمتهم أنقرة، التي حصدت مكاسب كبيرة تمثلت في وعود بالنفط والموارد وإقامة قاعدة عسكرية على خليج عدن. وفي السابق، كان التهديد الضمني بالعنف يفرض قيودًا على الأطراف المتنافسة في مركز السلطة؛ إذ كانت تدرك الحدود التي يمكنها بلوغها قبل أن يتدخل السلك الدبلوماسي، أو تعمل الضوابط الداخلية للتسوية السياسية على إعادتها إلى الوراء. غير أن الرعاية الخارجية قلبت هذه المعادلة، فقلّصت كلفة التصعيد وأضعفت الحاجة إلى التوصل إلى تسويات داخل سوق السياسة الصومالية.
لا يمكن اختزال مشروع "فيلا الصومال" لاحتكار السلطة في مجرد فساد أو مسعى لترسيخ حكم سلطوي خلف واجهة انتخابية، على غرار جيبوتي وأوغندا، حيث كرّست "الانتصارات" الانتخابية عام 2026 قبضة الحكام القائمين. فهذا المشروع يمثل تتويجًا لمسار أقدم، يقوم على رفض تيار إسلامي للبنية السياسية الفيدرالية وتفضيله حكم قائد قوي يحتكر السلطة.
وفي الوقت نفسه، تمضي حلقة صغيرة من تيار الرئيس المحسوب على الإخوان المسلمين، والمعروف باسم "دم الجديد" (Damul Jadiid)، في عملية هادئة ومنهجية للسيطرة على مؤسسات الدولة، بقيادة وزير التعليم فرح عبد القادر. وحتى إذا أُزيح حسن شيخ من السلطة خلال الأشهر المقبلة، بموجب جدول انتخابي متفق عليه، فمن المرجح أن تستمر شبكات النفوذ الاجتماعي والاقتصادي للإسلاميين في الصومال؛ فهي أقدم من الإدارة الحالية، وتشمل طيفا واسعا من الفاعلين.
ثمة اليوم حكومة، لكن من دون حكم فعلي؛ سلطة في مقديشو تتخذ من "سيادتها" الهشة سلاحا في مواجهة معارضيها في الداخل والتدقيق القادم من الخارج. ومع أن هيكل الدولة أخذ يتشكل منذ عام 2012، مصحوبا بطقوس الشرعية الدبلوماسية ومظاهرها، فإنه أخفق في إنتاج سيادة فعلية على الأرض. ولعل محاولات نزع سلاح قادة المعارضة في العاصمة بالقوة أوضح دليل على أن الحكومة الاتحادية لا تزال عاجزة عن احتكار استخدام القوة في الصومال.
على مدى عقدين، تولى الفاعلون الخارجيون بناء جانب كبير من مؤسسات الدولة، انطلاقًا من افتراض أن هذه المؤسسات ستكتسب، بمجرد إنشائها، قوة بقاء ذاتية. وكان الاعتقاد السائد أن الديمقراطية ستترسخ بفضل قيمتها المعيارية، من دون الحاجة إلى مواءمتها مع توازنات سوق السياسة. لكن النتيجة كانت إنشاء مركز جديد تتنافس النخب على الاستحواذ عليه. وتحت ضجيج الأزمة السياسية، تبرز ملامح ما يمكن وصفه بـ"الدولة الجوفاء"؛ دولة تجيد تمثيل السيادة من دون أن تمتلك مضمونها.
وبدلا من معالجة الانقسامات السياسية والقضايا الشائكة، مثل تقاسم الموارد ووضع جمهورية صوماليلاند وبناء منظومة أمنية فيدرالية، انتهت هذه السياسات إلى تعميق الانقسام داخل البلاد
وقد تقبّل المجتمع الدولي هذا الأداء إلى حد بعيد. ومع انشغاله بأزمات أخرى، تراجعت رغبته في مواجهة الاختلالات الدورية التي يعانيها الصومال. لكن هذه المعادلة نفسها قد تبدأ بالتصدع قريبًا؛ فلا يزال أمن البلاد واستقرارها المالي موضع شك، فيما يعتمد الصومال على دعم خارجي للميزانية يفوق إيراداته المحلية بفارق كبير.
يمكن القول إن إسناد الجانب الأكبر من أمن الصومال إلى أطراف خارجية، ولا سيما بعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي، أتاح للنخبة السياسية مواصلة المماطلة وتجنب المهمة الشاقة المتمثلة في مواجهة حركة الشباب. كما أسهمت مليارات الدولارات من المساعدات الأمنية الأجنبية في إبقاء اقتصاد أمني متضخم قائما؛ إذ يجري باستمرار استخدام الأسلحة والقوات التي دربتها جهات أجنبية ضد المعارضين المحليين في بيدوا ومقديشو وغدو، بدلًا من توجيهها لقتال المسلحين المرتبطين بتنظيم القاعدة، الذين يسيطرون على مساحات واسعة من المناطق الداخلية للبلاد. وكما هي الحال دائمًا، تظل حركة الشباب المستفيد الأكبر من هذا الخلل المزمن.
توشك محاولات زيادة الإيرادات المحلية على التعثر. ورغم نجاح مقديشو في ضمان استمرار القروض التفضيلية والمنح المقدمة من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، يُتوقع أن ينتهي هذا الدعم مع دورة التمويل المقبلة للمؤسسة الدولية للتنمية(IDA).ومع تراجع الريوع المحلية وتضخم الإنفاق السياسي، سيزداد الضغط المالي على الدولة. فقد صمد نظام سياد بري العسكري عقدين بفضل الدعم السوفييتي أولًا، ثم الأميركي، لكن بنيانه انهار بمجرد انقطاع ذلك الدعم الخارجي.
غير أن الصومال ليس جيبوتي أو أوغندا، حيث ترسخ حكم الرجل القوي على مدى عقود، وأُفرغت المعارضة السياسية تدريجيًا من مضمونها. فالتركيبة الصومالية أشد تعقيدًا، بفعل تشابك السياسات العشائرية والتدخلات الأجنبية وتعدد القوى المسلحة؛ وهي عوامل تحد بطبيعتها من قدرة أي رئيس على الانفراد بفرض إرادته.
وقد يتمكن حسن شيخ، باستخدام المال والإكراه، من تنظيم انتخابات خاضعة لسيطرة مشددة في ولايات جنوب الغرب وغلمدغ وهيرشبيلي، لكن البناء الذي يستند إليه يظل أشبه ببيت من ورق. ولا يمكن إخفاء الفجوة بين السيادة القانونية والسيادة الفعلية إلى ما لا نهاية، عبر تعديل الدستور والاتكاء على الرعاية الأجنبية. ففي نهاية المطاف، لا بد أن يحل مضمون الدولة محل استعراضها، وإلا انهار هذا الاستعراض برمته. ومع كل تراجع جديد في الدعم، يضيق هامش الحركة أمام الصومال، البلد الذي كان يومًا النموذج المفضل لدى الأجندة الدولية لبناء الدول.