الجمعة 17 أبريل 2026
لم يكن مأزق الصومال، الممتد منذ ثلاثة عقود من الانهيار والفوضى، مجرّد فراغٍ في السلطة المركزية، بل كان انهيارًا أعمق في هيبة الدولة ومعناها. فمنذ سقوط نظام محمد سياد برّي في 26 يناير/كانون الثاني 1991، غرقت مقديشو، العاصمة والقلب السياسي، في فراغٍ دمويّ، لم يترك للدولة سوى أطلالا مهدّمة. ومع انهيار القيادة الجامعة تفكّكت بنية السلطة نفسها إلى شظايا متنازعة، بعدما دخلت فصائل «المؤتمر الصومالي الموحّد» إلى المدينة كأجنحة متصارعة ((USC–Roma و (USC–Mustaxiil) ينفي أحدهما شرعية الآخر.
من هذا التشظي خرجت حقبة أمراء الحرب التي استمرت أكثر من عقد، حتى ترسّخت في المخيال الجماعي مفارقة جارحة: إنّ قبضة الاستبداد الباردة لسياد برّي بدت، بأثر رجعي، أقلّ فوضوية من العبث الميليشياوي الذي أعقب سقوطه.
إذا كان أمراء الأمس يقيمون حواجز الإتاوة بقوة السلاح والميليشيات، فإنّ نظراء اليوم يقصدون «فيلا صوماليا» محمّلين بالمال وبالدعم الخارجي، ويستبقون قوة أجنبية تحرس سلطتهم
مع مطلع الألفية، ظهر «اتحاد المحاكم الإسلامية» كقوة صاعدة تبشّر، في نظر كثيرين، بإمكان استعادة شيء من النظام. فقد أطاح بأمراء الحرب الذين أنهكوا العاصمة، وأعاد حدًا أدنى من الاستقرار إلى شوارعها الممزّقة. لكن ما بدا في لحظته نواةً لسلطة مركزية جديدة، كان في العمق بناءً هشًا بلا قاعدة صلبة، ولا رؤية وطنية مشتركة. فالتحالف الذي حمل اسم «المحاكم» لم يكن كتلة متجانسة، بل طيفًا واسعًا جمع بين «محكمة قبلية» تحرس مصالح عشيرتها، وبين تيارات تتغذّى على أدبيات «الجهاد العالمي». بقراءة مساره السياسي يتضح أنّه، لولا التدخل الإثيوبي في ديسمبر/كانون الأول 2006، لكان مرجَّحًا أن ينفجر داخليًا بصراع على السلطة في مقديشو. فالمركز الوليد الذي سعى إلى فرض الهيمنة لم يكن محكومًا بعقل سياسي جامع، بل محكومًا بديناميات القوة والولاء الفصائلي، وهي الإشكالية نفسها التي ورثها عن تجربة جبهة "USC" من قبل.
جاء التدخل الإثيوبي ليقطع الطريق على ذلك المسار، لكنه أعاد إنتاج الأزمة بدل أن يحلّها. إذ لم تقتصر العملية على إسقاط «اتحاد المحاكم الإسلامية»، بل انتهت بإعادة حكومة انتقالية إلى «فيلا صوماليا»، حكومة صيغت في معظمها من أمراء الحرب أنفسهم الذين فشلوا سابقًا في تأمين العاصمة. وبدل أن تستعيد الدولة معناها ورمزيتها، تحوّلت إلى لافتة فارغة تحرسها قوات أجنبية؛ أرهقت الداخل وأنهكت المانحين تمويلًا. وعلى امتداد عقدين، ظلّت المعادلة على حالها: سلطة تقوم على «حماية» خارجية تُنقص من شرعيتها، ومنصب رئاسي تحوّل إلى عبء أخلاقي وسياسي يثقل صاحبه أكثر مما يمنحه القدرة على إنجاز مشروع وطني.
إنّ قبضة الاستبداد الباردة لسياد برّي بدت، بأثر رجعي، أقلّ فوضوية من العبث الميليشياوي الذي أعقب سقوطه
مع مرور الزمن، لم يَعُد الغياب السياسي مجرّد أزمة عابرة، بل استحال إلى نمط حياة. جيلٌ كامل نشأ في ظل فراغَي السلطة والهيبة، حتى غدت فكرة «القائد الجامع» أو «الرؤية الوطنية» صعبة التصوّر. ففي مجتمعٍ تُثقل كاهله انقسامات العشيرة وصراعات الميليشيات، لم تعُد القيادة تعني مشروعًا وطنيًا، بل واجهةً جديدة لـ«مصالح أمراء الحرب»، وقد تزيّت بلباسٍ مدني. ثلاثون عامًا من التآكل السياسي والحروب الأهلية أفرزت طبقةً سياسية بلا بوصلة، وأجيالًا لا ترى جدوى في البحث عن «قائد صالح»، ما جعل سؤال الدولة ذاته يتأجّل باستمرار، ويتحوّل إلى ساحة نزاع لا تهدأ.
في هذا السياق المأزوم، تكرّس نمط جديد من الزعامة؛ فالقادة الراهنون في الصومال، وفي مقدّمتهم الرئيس الحالي حسن شيخ محمود، يفتقر كثير منهم إلى الحصافة والخيال السياسي الضروري لقيادة مجتمعٍ مأزوم. لقد نحتت سنوات الفراغ الطويلة السياسي الصومالي في صورة «أمير حربٍ بزيّ مدني»: فإذا كان أمراء الأمس يقيمون حواجز الإتاوة بقوة السلاح والميليشيات، فإنّ نظراء اليوم يقصدون «فيلا صوماليا» محمّلين بالمال وبالدعم الخارجي، ويستبقون قوة أجنبية تحرس سلطتهم، فيما يحوّلون ما تبقّى من موارد الدولة إلى «ضرائب بلا خدمات». الإتاوة هي ذاتها، غير أنّها ارتدت قناع الشرعية الرسمية، وانتقلت من بندقية في شارعٍ مظلم إلى توقيعٍ على ورق الدولة.
ثلاثون عامًا من التآكل السياسي والحروب الأهلية أفرزت طبقةً سياسية بلا بوصلة، وأجيالًا لا ترى جدوى في البحث عن «قائد صالح»، ما جعل سؤال الدولة ذاته يتأجّل باستمرار، ويتحوّل إلى ساحة نزاع لا تهدأ
وهكذا، فإنّ القيادة في الصومال لا تُختزل في شخصٍ يسعى إلى المنصب بدافع الطموح الفردي أو المصلحة الآنية، بل هي في جوهرها صدامٌ مباشر مع سؤال الدولة: كيف يمكن إعادة بناء بنيةٍ اجتماعيةٍ عشائريةٍ مثقلة بثلاثين عامًا من الانقسام، وإقناع مجتمعٍ متشظٍ بجدوى سلطةٍ جامعة؟
الإجابة عن هذا السؤال لا تتوقف على قوة السلاح أو سخاء المانحين، بل على بروز نمطٍ جديد من القيادة، أشبه بعملية جراحية كبرى يجريها طبيبٌ لمريضٍ يعاني أمراضًا مزمنة، حيث يتطلب النجاح معرفةً دقيقة بجسد المريض وبمكمن علله، ومهارةً في المعالجة تضمن التعافي وتتفادى مضاعفات التدخل نفسه.
في هذا الإطار، ما يحتاجه الصومال اليوم ليس بطولات خطابية ولا زعماء يتقنون المساومة في بازار الانتخابات، بل «قيادة حصيفة» تُدرك ثقل المنصب وشرعيته الأخلاقية، وتستند إلى فهم عميق للمجتمع وتاريخه وثقافته، ثم تحوّل تلك المعرفة إلى مشروعٍ سياسيٍّ قابل للقياس والمساءلة. قيادةٌ قادرة على تخيّل صومالٍ مختلف، تُبنى دولته على أسس قادرة على أداء وظائفها وتلبية حاجات شعبها، لا على إعادة تدوير وجوهٍ تتقن المحاصصة العشائرية.