الأحد 7 يونيو 2026
في فجر العاشر من ماي/آيار، انتشرت قوات الأمن في أحياء من مقديشو، وفرضت بصورة مفاجئة إغلاقا جزئيا على مناطق يقيم فيها سياسيون بارزون من المعارضة الذين يرون آن ولاية الحكومة أوشكت على نهايتها، وكانوا يخططون، عبر تنظيم تجمع جماهيري، إلى الضغط عليها للدعوة إلى انتخابات. في المقابل، زعمت السلطات أنها تخشى أن تؤدي الحشود الكبيرة إلى تقويض مكاسب أمنية تحققت بصعوبة في مدينة لا تزال عرضة لعنف المتمردين الجهاديين.
وزاد منسوب القلق احتمال أن يلجأ بعض السياسيين، ممن يملكون ميليشيات خاصة، إلى نشر عناصرهم في العاصمة، ما قد يفتح الباب أمام مواجهات مع القوات الفيدرالية. ولساعات قليلة، بدت مقديشو وكأنها تقف على حافة انفجار جديد.
أخبرني عبد الكريم جامع، وهو سائق سيارة أجرة ثلاثية العجلات من نوع "باجاج" المنتشرة في شوارع مقديشو، أن خلافات السياسيين الذين "تفيض حساباتهم المصرفية تجعل الحياة مستحيلة بالنسبة إلينا نحن الذين نكسب قوت يومنا يومًا بيوم". ثم سألني إن كان بوسعي أن أدفع مبلغًا إضافيًا قليلًا، بعدما توقع أن تنعكس الاضطرابات مباشرة على دخله اليومي.
خلافات السياسيين الذين تفيض حساباتهم المصرفية تجعل الحياة مستحيلة بالنسبة إلينا نحن الذين نكسب قوت يومنا يوماً بيوم
مع أن الإغلاق خُفف لاحقًا، بعدما وافق قادة المعارضة على نقل تجمعهم إلى داخل أحد الملاعب، فإن الواقعة كشفت هشاشة الهدوء النسبي في العاصمة، وأظهرت كيف يمكن للأزمة السياسية المتفاقمة في الصومال أن تنزلق سريعا إلى مسار أكثر خطورة.
شهدت مقديشو خلال الأعوام القليلة الماضية انتعاشًا حذرًا، فقد باتت هجمات حركة الشباب في العاصمة نادرة للغاية، وبدأت المباني الشاهقة المشيدة على الطراز التركي تعيد رسم ملامح الأفق العمراني في أحياء مركزية مثل هودان ووابري. كما أخذت موجة متنامية من المطاعم العالمية والمقاهي العصرية تغير الحياة الاجتماعية في المدينة. وحتى شواطئ الصومال بدأت تجتذب السياح إلى مدينة لا تزال حكومات كثيرة تصنفها ضمن الوجهات شديدة الخطورة التي لا يُنصح بزيارتها.
لكن هذا التقدم الهش بات اليوم خلفية لأزمة سياسية وصفها لي أحد السياسيين بأنها "غير مسبوقة". ففي وقت سابق من هذا العام، ومع اقتراب نهاية ولايتها، مررت الحكومة تعديلات دستورية كان الرئيس حسن شيخ محمود قد تعهد سابقًا بألا تسري على فترة حكمه. غير أنه تراجع فجأة عن موقفه، ومن دون أن يوضح سبب تبدل تصريحاته السابقة، أعلن أنه سيبقى في منصبه حتى عام 2027، أي لعام إضافي بعد موعد 15 مايو/آيار الذي انقضى بالفعل.
إن التقدم الهش بات اليوم خلفية لأزمة سياسية "غير مسبوقة"
من بين البنود الأخرى التي أثارت غضب المعارضة، تعهّد الرئيس بإجراء انتخابات وطنية وفق نظام "شخص واحد، صوت واحد". وحتى لو طُبق هذا النظام جزئيًا، فسيكون ذلك أول اقتراع وطني مباشر تشهده الصومال منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، ليحل محل نظام تفاوضي معمول به منذ نحو عقدين، يختار بموجبه شيوخ العشائر والنخب السياسية أعضاء البرلمان ورئيس الدولة. وقد أسهم هذا النظام في تكريس طبقة سياسية يشعر كثير من الشباب بأنها لا تمثلهم ولا تعبّر عنهم. وقالت فاطمة، البالغة من العمر 22 عامًا، وهي طالبة تعمل في إعداد القهوة: "إنها لعبة العجائز".
لكن في بلد لا تزال مساحات واسعة من أراضيه خارج سيطرة الدولة، ويقع جزء كبير منها تحت نفوذ حركة الشباب، يبقى السؤال العملي المطروح هو كيف يمكن تنظيم انتخابات من هذا النوع على أرض الواقع؟ وتتهم شخصيات معارضة الرئيس باستخدام شعار الإصلاح الديمقراطي وسيلة لتعزيز مستقبله السياسي، وإطالة بقائه في المشهد.
وقد رفضت المعارضة المتمركزة في مقديشو، ومن بينها رئيسان سابقان، هذه التعديلات، كما رفضتها ولايتا بونتلاند وجوبالاند الفيدراليتان، قبل أن تعلن هذه الأطراف انسحابها الكامل من منظومة الحكم الفيدرالي. وبدأت شخصيات معارضة تطلق على حسن شيخ محمود وصف "الرئيس السابق". بل إن منشورا للسفير الأوروبي على منصة إكس، خلا من لقب الرئيس، كاد ـ بحسب تقارير ـ أن يتسبب في أزمة دبلوماسية. وفي منشور لاحق، حرص فريق الاتصال في الاتحاد الأوروبي على إدراج كلمة "الرئيس" بوضوح.
وكما حدث في مواجهات سياسية سابقة، تكررت أكثر من مرة، يتولى دبلوماسيون دوليون رعاية المحادثات بين الحكومة والمعارضة داخل المنطقة الآمنة القريبة من المطار.
لطالما كان كل شيء في الصومال موضع خلاف، غير أن نخب البلاد السياسية كانت اتفقت، في المجمل، على أمرين أساسيين: إجراء انتخابات منتظمة وفي مواعيدها، وفق نموذج يجري التفاوض عليه جماعيًا، والحفاظ على إطار دستوري يحظى، رغم عيوبه، بحد أدنى من الإجماع. أما اليوم، فقد أصبح الأمران محل نزاع في وقت واحد.
كشفت هشاشة الهدوء النسبي في العاصمة، وأظهرت كيف يمكن للأزمة السياسية المتفاقمة في الصومال أن تنزلق سريعاً إلى مسار أكثر خطورة
تأتي هذه الأزمة في لحظة شديدة الصعوبة تمر بها البلاد ككل؛ فتمويل المانحين، الذي يغطي الجزء الأكبر من ميزانية الحكومة الفيدرالية، آخذ في التراجع، فيما تحذر منظمات دولية من خطر المجاعة. أما جوبالاند وبونتلاند، وهما ولايتان اعتادتا تاريخيًا قدرًا واسعًا من الحكم الذاتي والنزوع إلى التمرد، ولم تمارس العاصمة عليهما سوى سيطرة محدودة، فقد خرجتا عن سلطة المركز وهددتا بإجراء انتخابات رئاسية منفصلة. وفي تحول جيوسياسي لافت، اعترفت إسرائيل بصوماليلاند، وتبادل الجانبان السفراء. وبمعنى ما، ورغم التحسن الذي شهدته مقديشو، فإن تشتعل من جهة الأقاليم.
قال ذات مرة، عبد الولي علي محمد، الرئيس السابق لبونتلاند، في عام 2018 إن "الصومال ليست مقديشو، ومقديشو ليست الصومال"، في إشارة إلى أن البلاد أوسع من عاصمتها وأكثر تعقيدًا. ولا يزال ذلك صحيحًا حتى اليوم. وقد لاحظت نسرين مالك، الكاتبة في صحيفة الغارديان، أن السياسة في الخرطوم اتسمت طويلًا بانشغال مفرط بالذات، ويبدو أن مقديشو تسير على النهج ذاته؛ طبقة نخبوية غارقة في صراعاتها الداخلية، وتزداد انفصالًا عن العاصفة المتصاعدة من حولها.