الاثنين 7 سبتمبر 2026
غادرت إكران تهليل فارح منزلها في مقديشو، في مساء 26 يونيو/حزيران 2021، إثر تلقيها اتصالا من رقم مجهول. استقلت سيارة أمام أنظار أسرتها، وكان ذلك آخر عهدهم بها.
لم تكن إكران معارضة سياسية أو صحفية أو ناشطة في المجتمع المدني، بل ضابطة رفيعة في وكالة الاستخبارات والأمن الوطني الصومالية (نيسا)، تتولى رئاسة قسم الأمن السيبراني فيها. وكانت، بكل المقاييس، واحدة من أولئك الذين يُفترض بالدولة الصومالية أن تتولى حمايتهم.
مع ذلك، لم يصدر حتى اليوم أي تفسير رسمي لاختفائها، ولم يُعثر على جثمانها، كما لم يُكشف عن أي تحقيق في قضيتها، ولم يُحاسب أحد. وهكذا، لا تزال إكران تهليل فارح في عداد المختفين قسرًا؛ واحدةً من آلاف الضحايا في تاريخ الصومال، ومن أحدث حلقات هذا التاريخ.
كان يمكن لقضيتها أن تبدو حادثة استثنائية صادمة لو وقعت بمعزل عن غيرها، لكنها تأتي امتدادا لسجل من الاختفاء القسري يمتد خمسة وخمسين عاما. فعلى مدى أكثر من نصف قرن، ظل هذا الانتهاك يُمارس في الصومال من دون أن يُلاحق شخص واحد قضائيا بسببه.
بدأت هذه الممارسة بعد أشهر قليلة من انقلاب سياد بري في أكتوبر/تشرين الأول 1969. ففي يناير/كانون الثاني 1970، أصدرت سلطته قانون الاعتقال الوقائي، الذي منح جهاز الأمن الوطني صلاحية احتجاز أي شخص، لأي مدة، من دون توجيه تهمة إليه أو تقديمه إلى المحاكمة، ومن دون إلزام الجهاز بإبلاغ أسرته بمكان وجوده. كما أُلغي حق المحتجز في المثول أمام القضاء للطعن في قانونية احتجازه. وبذلك، كرّس القانون وضعا يتيح للدولة أن تُغيّب من تشاء، متى شاءت.
الصومال لا يملك قانونًا وطنيًا يجرّم الاختفاء القسري بوصفه جريمة مستقلة، كما لم يصادق على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري
كان "غودكا جيلو" - أي «الحفرة» - أبرز مراكز الاحتجاز في ذلك العهد، وهو مركز للاعتقال والتعذيب تحت الأرض، يقع في حي بونطيري بمقديشو، على مسافة قصيرة سيرا من القصر الرئاسي. كان السجناء يُحتجزون في زنازين ضيقة لا تتسع لوقوفهم، ويخضعون لعزل انفرادي دائم، من دون ضوء طبيعي أو ساعة أو أي وسيلة لمعرفة المدة التي أمضوها في الداخل. أما عائلاتهم، فلم تكن تُبلّغ بأن أقاربها اقتيدوا إلى هناك.
اختفى بعض المعتقلين داخل «الحفرة» لأشهر، وظل آخرون فيها سنوات. ومن بينهم الجنرال محمد أبشر موسى، القائد السابق لقوة الشرطة الصومالية، الذي أمضى اثني عشر عامًا في ذلك المعتقل من دون أن يمثل أمام محكمة يوما واحدًا.
عندما فرّ سياد بري عام 1991، لم ترحل معه المؤسسة التي بناها، بل انتقلت أدواتها إلى أيد أخرى. ففي تسعينيات القرن الماضي، أخفى أمراء الحرب المتنازعون على مقديشو أشخاصا داخل مقار المليشيات، أو دفنوهم في قبور بلا شواهد. ولا تزال حركة الشباب تُخفي أشخاصا في المناطق الخاضعة لسيطرتها، بعيدًا من أنظار المراقبين.
أما «نيسا» - الوكالة التي يُفترض أنها جهاز الاستخبارات الشرعي في الصومال، والتي تتلقى جزءًا من تمويلها من شركاء دوليين يعلنون التزامهم بحقوق الإنسان - فقد وُثّق تورطها في احتجاز أشخاص بمعزل عن العالم الخارجي، وانتزاع اعترافات منهم تحت التعذيب، وإخفائهم من دون أي تفسير.
احتجزت الوكالة الصحفي محمد عبد الوهاب نور قرابة خمسة أشهر، من دون أن تسمح لأسرته أو محاميه بالتواصل معه، في حالة نموذجية تنطبق عليها أوصاف الاختفاء القسري. وبعد ذلك، مثل أمام محكمة عسكرية بتهمتي القتل والانتماء إلى حركة الشباب، قبل أن تبرئه المحكمة من جميع التهم.
يعيد القانون، في صيغة تشريعية، إنتاج البنية نفسها التي أتاحت لجهاز الأمن الوطني تنفيذ عمليات الاختفاء منذ عام 1970
كما اعتُقل عبد الله أحمد مؤمن، الأمين العام لنقابة الصحفيين الصوماليين، ثلاث مرات خلال ثلاثة عشر شهرا، واحتُجز بمعزل عن العالم الخارجي، وتعرض للتعذيب على مدى ثلاثة وثلاثين يوما. ومع ذلك، لم يواجه أي من ضباط «نيسا» المتورطين في هذه الحالات أي تبعات مهنية أو قانونية.
ليس هذا الإفلات من العقاب أمرا عارضا، بل هو خلل متجذر في بنية النظام نفسه. فالصومال لا يملك قانونا وطنيًا يجرّم الاختفاء القسري بوصفه جريمة مستقلة، كما لم يصادق على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري. أما قانون «نيسا» لعام 2023، الذي أقرّه مجلس الشيوخ الصومالي وانتقدته منظمة «هيومن رايتس ووتش» لمنحه الوكالة صلاحيات واسعة في ظل رقابة محدودة، فلا يحظر الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، ولا يُلزم السلطات بإبلاغ أسرة المحتجز بمكان وجوده. بذلك، يعيد القانون، في صيغة تشريعية، إنتاج البنية نفسها التي أتاحت لجهاز الأمن الوطني تنفيذ عمليات الاختفاء منذ عام 1970.
لا تقتصر الكلفة الإنسانية للاختفاء القسري على ما يتعرض له الشخص المختفي، بل تمتد إلى أسرته التي تظل معلّقة في انتظار لا تعرف له نهاية. ففي مجتمع يقوم على الروابط العشائرية مثل المجتمع الصومالي، يضع اختفاء أحد أفراد الأسرة ذويه في فراغ قانوني وإنساني؛ فلا يستطيعون المطالبة بالميراث، ولا يمكن للزوج أو الزوجة الزواج مجددًا، كما يتعذر عليهم طيّ صفحة لم تعترف السلطات أصلا بأنها فُتحت. وهكذا، يصبح الصمت المحيط بالاختفاء أذى متواصلًا في حد ذاته، يتجدد كل يوم في حياة كل من أحبّ الشخص الذي اقتيد وغُيّب.
كان السجناء يُحتجزون في زنازين ضيقة لا تتسع لوقوفهم، ويخضعون لعزل انفرادي دائم، من دون ضوء طبيعي أو ساعة أو أي وسيلة لمعرفة المدة التي أمضوها في الداخل. أما عائلاتهم، فلم تكن تُبلّغ بأن أقاربها اقتيدوا إلى هناك
وثّقت «منظمة حقوق السجناء» استمرار هذا النمط عبر ثلاثة أجيال من أنظمة الحكم في الصومال. وثّقنا زنازين جهاز الأمن الوطني، وحالات الاختفاء في عهد أمراء الحرب، والعمليات التي تنفذها «نيسا» في الوقت الراهن. وما يجمع بين هذه المراحل ليس الأيديولوجيا؛ فقد كان سياد بري اشتراكيًا، وكان أمراء الحرب انتهازيين، وحركة الشباب جماعة إسلامية متمردة، بينما تعمل «نيسا» في خدمة حكومة منتخبة. أما الخيط الذي يصل بينها جميعا، فهو الإفلات من العقاب. فلم يُحاسب أحد قط على إخفاء إنسان في الصومال، ولم يحدث ذلك ولو مرة واحدة طوال خمسة وخمسين عاما.
لا بد من وضع حد لهذا الواقع، ويتعين على البرلمان الصومالي سنّ تشريع خاص يجرّم الاختفاء القسري، وعلى الصومال المصادقة على الاتفاقية الدولية. كما يجب إلزام «نيسا» قانونا بإبلاغ أسرة أي شخص تحتجزه في غضون ست ساعات، وتمكينه من التواصل مع محامٍ خلال أربع وعشرين ساعة، وإخضاع عمل الوكالة لرقابة قضائية مستقلة. وعلى الشركاء الدوليين الذين يمولونها أن يجعلوا تنفيذ هذه الإصلاحات شرطًا لاستمرار دعمهم، لا مجرد تطلعات يمكن تجاهلها.
يجب، قبل كل شيء، كشف مصير إكران تهليل فارح ومحاسبة المسؤولين عما حدث لها. كانت تؤدي عملها بمهنية في خدمة بلدها، واختفت وهي في خدمته، لكن الدولة لم تقدم حتى الآن أي تفسير لمصيرها. وهذا الصمت ليس موقفا محايدا؛ بل يحمل رسالة ضمنية مفادها أن ما حدث مقبول، وهي رسالة يجب رفضها ودحضها. لا تزال أسرة إكران تنتظر. وفي أنحاء الصومال، تنتظر عائلات أخرى منذ أكثر من خمسين عامًا. آن لكل هذا أن ينتهي.