تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 14 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

السودان: ماذا لو تمرد المتمردون؟

28 أغسطس, 2025
الصورة
السودان: ماذا لو تمرد المتمردون؟
Share

التساؤل، الذي كان يسري بشكل هامس في النقاش السياسي السوداني، أصبح هذه الأيام يطرح بشكل أقوى. هذه الحركات، التي بنت شعاراتها السياسية على معاداة الدولة، والتي ظلت تقاتل الجيش السوداني على مدى العقدين الماضيين، قبل أن يتم استقطابها باتفاق سلام بعد تغيير نظام البشير، ما الذي يضمن أن لا تعود إلى التمرد؟ الرأي، الذي يحاول كثيرون إشاعته وطرحه مسلّمة، هو أن هذه الحركات لا يمكن مقارنتها بـ"الدعم السريع"، وأن هناك تفاهما وتناغما كبيرا بينها وبين الدولة، بما يجعلها لا تفكر في التمرد.

هناك مشكلتان في الحقيقة، المشكلة الأولى أن خطاب هذه الحركات المعادي للدولة السودانية بشكلها، الذي عرفت به، يهدف إلى تغيير البنى السياسية والاجتماعية فيها، هو أكثر جذرية بكثير من خطاب الجنرال المتمرد محمد حمدان دقلو، "حميدتي"، الذي لم يقم إلا باستيراد وتوظيف المقولات، التي سبق وأن استخدمتها تلك الحركات، من قبيل الحديث عن الظلم والتهميش والصراع بين المركز والأطراف، وفكرة أن الدولة يسيطر عليها المنحدرون من قبائل وأقاليم معينة.

إن انضواء الحركتين الرئيستين ضمن ما بات يسمى ب"القوات المشتركة"، التي ساندت الجيش، وبدأت بالقتال إلى صفه بعد أشهر من بدء المعركة، من الصعب أن يجعلنا ننسى تاريخهما، خصوصا ما يتعلق بالدعوة للانفصال، كما أن منحها ذلك الاسم البراق "حركات الكفاح المسلح"، الذي يوحي بأنها كانت تخوض نضالاً نبيلاً ضد عدو ظالم، لن يغطي على أسمائها الكاشفة: "حركة تحرير السودان"، التي تفترض أن السودان بشكله هذا غير حر، وحركة "العدل والمساواة"، التي تنطلق أيضاً من الجدليات السابقة حول عنصرية الدولة، وانعدام العدالة فيها.

المشكلة الثانية المتعلقة بهذا الحديث المكثف عن وطنية هذه القوات، ونجاحها في مهامها، وتنسيقها العالي من أجل القضاء على المتمردين، هو أنه يذكرنا بما كان يقال عن حميدتي، الذي كان اسمه يقابل بالمدح من قبل الجميع، حتى وصل الأمر درجة الغضب على كل من يشكك في أداء الرجل أو نواياه، أو يحاول أن يحذر من تمدده وتضخم قواته، التي كانت متوزعة في كل المقار الحيوية، وهي مجهزة بعتاد ينافس عتاد كل القوى الأمنية والعسكرية.

انضواء الحركتين الرئيستين ضمن ما بات يسمى ب"القوات المشتركة"، التي ساندت الجيش، وبدأت بالقتال إلى صفه بعد أشهر من بدء المعركة، من الصعب أن يجعلنا ننسى تاريخهما، خصوصا ما يتعلق بالدعوة للانفصال

لحسابات خاصة، لم تتدخل "القوات المشتركة" في بداية المعارك، حينما كان يمكن أن يكون تدخلها فاعلاً وحاسما،ً وانتظرت لشهور طويلة قبل أن تحسم أمرها. السؤال الذي يصعب تجاوزه هنا هو: هل كان ذلك الانحياز المتأخر نابعاً من إيمان بعدالة القضية فعلاً وخشية على السودان كوطن، أو أنه كان مجرد صفقة، استفادت منها هذه الحركات في الحصول على كثير من المال والسلاح وفي البدء بالتجنيد، في وقت كان اتفاق السلام ينص على إدماجها ونزع سلاحها ووقف توسعها؟ يتبع هذا سؤال ثانٍ وهو: هل تفاعلت الحركات مع الحرب فقط حينما اقترب الخطر من مناطقها في دارفور، بمعنى أنها لم تكن لتبالي لو كان محور الصراع بعيداً عن حواضنها؟

السؤالان لا ينبعان من فراغ، فبالنسبة للأول، يكفي التذكير بأن هذه لن تكون المرة الأولى، التي يتم فيها استخدام هذه الحركات، التي سبق وأن قاتل رجالها في بلدان كثيرة كمرتزقة مقابل المال والتمويل. من الصعب القول إن المشاركات الخارجية السابقة، مثل المشاركة في الحرب الليبية، كانت من أجل إيمان تلك القوات بعدالة أحد الأطراف أو سعياً لنصرة الحق.

نضع مسألة المقابل هذه في الحسبان لأن الثمن، الذي تحصل عليه هذه الحركات مقابل مشاركتها في الحرب الحالية هو أكبر من أي ثمن يمكن أخذه، فبالإضافة إلى ما ستحظى به من تمثيل سياسي استثنائي يجعلها تسيطر على أهم الوزارات الاقتصادية، فإنها ستكون صاحبة الصوت الأعلى في الحكومة، لدرجة قول أحد قادتهم بصراحة إبان المشاورات لاختيار مرشحي الحكومة الحالية أن لا أحد يستطيع رفض المرشح، الذي يقدمونه.

المناصب السياسية ليست المعضلة الأكبر، فالحكومات السودانية مبنية منذ عقود على مبدأ المحاصصة وفق الوزن السياسي، لكن المعضلة الأهم هي التسليح العالي والتدريب على أحدث الأسلحة، الذي حصلت عليه هذه القوات، ما سمح بإعادة إحيائها، وهي التي كانت في أضعف حالاتها قبيل سقوط البشير.

لماذا هذه معضلة؟ لأن المطلوب كان، وفق اتفاق السلام نفسه، أن يتم البدء في عملية نزع السلاح والتسريح والإدماج في القوات المسلحة، لكن الذي يحدث اليوم هو العكس، ما يوحي بأن مسعى تفكيك القوات الموازية والميليشيات لن يكون بالسهولة المرجوة.

لم تتدخل "القوات المشتركة" في بداية المعارك، حينما كان يمكن أن يكون تدخلها فاعلاً وحاسما، وانتظرت لشهور طويلة قبل أن تحسم أمرها

الخلاصة هي أنه، وفي المشهد الحالي، الذي نعيشه، يصعب أن يبعد المرء عن مخيلته ذلك التشابه بين وضع حميدتي وقواته قبيل اندلاع الحرب ووضع هذه القوات الجديدة من حيث التغلغل في المؤسسات العسكرية والسيطرة على مسارات التنفس الاقتصادي. الاثنان يتشابهان كذلك في حرصهما على امتلاك وسائل الدعاية والتأثير، ما يضع أي مشكك في أدوارهما في دائرة الخيانة.

كل ما سبق ليس السبب الوحيد في إطلاق اسم "المتمردين" عليهم، ولكن السبب الأهم هو شعورنا بأنهم ما يزالون مسجونين في ثوب التمرد والمعارضة، التي تنتقد الحكومة وترى أنها مقصرة، على الرغم من أنهم باتوا هم الحكومة. هذا أمر طريف، ويذكر بالعقلية، التي كانت تسيطر على "قوى الحرية والتغيير" إبان قيادتها للفترة الانتقالية في نسختها الأولى، حيث كانوا يكثرون الانتقاد والشكوى، على الرغم من كونهم كانوا مسؤولين عن الحكومة ومخولين بتشكيلها وتوزيع مناصبها.

الأمر الآخر المقلق هو أن هذه الحركات لم توحد موقفها، ورفضت وضع البيض كله في سلة واحدة، فانقسمت قياداتها بين مناصرين لحميدتي، وآخرين موالين للجيش، وهي انقسامات تتمدد وتتصاعد مع الأيام. قبل أسبوعين فقط فقد مني أركو مناوي، قائد العدد الأكبر من القوات المساندة للجيش، عدداً من الأسماء الوازنة داخل حركته شملت مسؤولين بارزين وقيادات فيها ارتأت أن تنشق عنه بعد اتهامه بالعمل ضد مصلحة الحركة. يذكر هذا بأسماء كثيرة بارزة لقيادات من "الكفاح المسلح"، بعضها كان بداخل المجلس السيادي، لكنها قررت الانحياز لحميدتي والتحدث باسم مشروعه العنصري الفوضوي، الذي رأت أنه يعبر عن مصالحها أكثر.

تلك الانشقاقات الأخيرة، التي تركت مناوي وحيداً تقريباً، تتزامن مع تصريح الرجل نفسه، الذي أعلن فيه فتح أبواب التفاوض مع المتمردين سواءً كانوا من العسكريين أو السياسيين. مناوي لم يكتف بذلك، بل سرعان ما بدأ رحلة خارجية مفاجئة دون توضيح ما إذا كانت بغرض رسمي أو خاص، ما جعل البعض يخشى أن تكون محاولة للقاء والتقارب مع الميليشيا، أو أن تكون تمهيداً لانشقاقه ولحاقه برفاقه.

هل يبدو كل ما سبق متشائماً أو يبدو ذلك السيناريو، الذي تفجر فيه هذه الحركات الدولة من داخلها أو تسعى لقلب موازين القوى فيها مبالغاً فيه وغير واقعي؟ أنا أرجو ذلك بصدق، وأرجو أن يكون جميع من يطرح هذه الفرضية من المخطئين، لكن تجربة تمرد حميدتي، الذي كانت قواته تمثل دعم وسند الجيش، كانت، وماتزال، مؤلمة ومكلفة للجميع، لدرجة تجعلنا نفضل ألف مرة أن نوصف بالتشاؤم على أن نستسلم لمنطق الراحة والغفلة.