تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجمعة 13 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

السودان: هل انتهى زمن "الصوت الواحد" داخل التحالفات الكبرى؟

20 فبراير, 2026
الصورة
السودان: هل انتهى زمن "الصوت الواحد" داخل التحالفات الكبرى؟
© الجزيرة
Share

كشفت التطورات الأخيرة داخل «الكتلة الديمقراطية» عن تصدعات متزايدة في صفوف أحد أبرز التحالفات السياسية المساندة للجيش السوداني، وذلك على خلفية مشاركة وفد محسوب على مكوناتها في اجتماع مع «الآلية الخماسية» بأديس أبابا، بالتزامن مع تحركات إقليمية ودولية لإحياء المسار السياسي المتعثر منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023.

الأزمة تفجّرت عقب ظهور وفد ضم شخصيات بارزة من مكونات الكتلة، في لقاء مع الآلية الخماسية على هامش قمة الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا. ورغم أن اللقاء تناول تطورات الحرب وسبل دعم جهود التسوية السياسية، فإن ردود الفعل داخل الكتلة كشفت عن غياب تنسيق واضح بين مكوناتها. فقد سارع الناطق الرسمي د. جمعة الوكيل إلى نفي وجود أي تفويض رسمي للمشاركة، معتبراً إدراج اسم الكتلة ضمن الوفد «تضليلاً سياسياً» وتصرفاً غير مسؤول، ومؤكداً أن أي مشاركة تمت بصفة شخصية.

غير أن هذا الموقف سرعان ما تعرّض للاهتزاز، بعد أن أصدر الناطق الآخر باسم الكتلة، د. محمد زكريا، توضيحاً نفى فيه صدور بيان رسمي بشأن لقاءات أديس أبابا، مشيراً إلى أن ما تم تداوله لا يعكس موقفاً مؤسسياً متفقاً عليه، وأن الرأي النهائي سيُعلن بعد استكمال المشاورات الداخلية. هذا التباين العلني بين متحدثين رسميين سلّط الضوء على خلل تنظيمي داخل الكتلة، وطرح تساؤلات حول آليات اتخاذ القرار ومدى قدرتها على التحدث بصوت موحد في لحظة سياسية بالغة الحساسية.

الوفد الذي شارك في الاجتماع ضم شخصيات من بينها عبد الرحمن الصادق المهدي، ومحمد سيد أحمد الجاكومي، وعبد العزيز عشر، وناقش – بحسب مصادر سياسية – تطورات الحرب، وضرورة عودة السودان إلى الاتحاد الأفريقي، ودور الآلية الخماسية في دعم الجهود الوطنية لوقف القتال، إضافة إلى مسألة التدخلات الخارجية وتدفق السلاح. هذه الطروحات عكست توجهاً لدى بعض مكونات الكتلة لإبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع الفاعلين الإقليميين والدوليين، رغم خطابها السابق الرافض لما تصفه بالتدخل الخارجي.

وفي خلفية المشهد، برزت مواقف متباينة داخل قوى حليفة للكتلة. فقد اعتبر القيادي بحزب البعث محمد وداعة أن التحركات في أديس أبابا جاءت بمبادرة من القوى السياسية نفسها، وليست بدعوة رسمية من الاتحاد الأفريقي، داعياً المنظمة القارية إلى الاعتراف بشرعية الحكومة القائمة بدلاً من التمسك بقرارات تجميد عضوية السودان. هذا الطرح يعكس اختلافاً في تقدير طبيعة الدور الإقليمي، بين من يرى ضرورة الانخراط في المسارات المطروحة، ومن يفضّل الاكتفاء بإعادة تثبيت شرعية الأمر الواقع.

الانقسام الداخلي أعاد أيضاً تسليط الضوء على أدوار شخصيات فاعلة داخل الكتلة، مثل مني أركو مناوي، الذي تحرك خلال الفترة الماضية بين خطاب داعم للجيش وانفتاح محسوب على قنوات إقليمية، في محاولة للحفاظ على موقعه ضمن أي ترتيبات سياسية مقبلة. ويشير مراقبون إلى أن هذا التوازن يعكس إدراكاً متزايداً داخل بعض دوائر التحالف بأن الرهان على الحسم العسكري وحده قد لا يكون كافياً.

في موازاة ذلك، أصدر الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل بياناً بتوجيهات من زعيمه محمد عثمان الميرغني، ركز فيه على أولوية السلام والتحول الديمقراطي ووحدة النسيج الاجتماعي، متخلياً عن لغة التعبئة العسكرية التي طبعت خطابه منذ اندلاع الحرب. ويُنظر إلى هذا التحول باعتباره مؤشراً على إعادة تموضع داخل الأحزاب التقليدية، في ظل إدراك متزايد لكلفة استمرار الصراع.

مجمل هذه التطورات يشير إلى أن التحالفات التي تشكلت خلال الحرب بدأت تواجه اختبارات جدية، وأن معسكر القوى المساندة للجيش لم يعد متماسكاً كما كان يُصوَّر. فالتباينات العلنية، وتعدد مراكز القرار، واختلاف المقاربات تجاه المبادرات الإقليمية، كلها عوامل تعيد رسم خريطة القوى السياسية في السودان، في وقت تتصاعد فيه الضغوط الدولية لإطلاق عملية سياسية شاملة.

وبينما تواصل الآلية الخماسية تحركاتها في أديس أبابا، يبقى مستقبل الكتلة الديمقراطية مرهوناً بقدرتها على معالجة انقساماتها الداخلية وصياغة موقف موحد. غير أن المؤكد حتى الآن أن المشهد السياسي السوداني يدخل مرحلة إعادة تموضع عميقة، قد تعيد تعريف التحالفات وموازين القوى في المرحلة المقبلة.