السبت 11 أبريل 2026
في 19 مايو/آيار الجاري، عيّن رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، كامل الطيب إدريس (71عاماً) رئيسًا للوزراء، الذي أدى القسم رسميًا لتسليم مهامه في الأول من يونيو/حزيران الجاري، بعد أربعة أعوام من فراغ هذا المنصب، فقد كان عبدالله حمدوك آخر من شغله، قبل انقلاب البرهان وحلفائه عليه في أكتوبر/تشرين الأول 2021.
سبق تكليف السفير دفع الله الحاج بتسييرِ أعمال مجلس الوزراء منذ 30 أبريل/نيسان الماضي؛ قبل أن يأتي التكليف الجديد مع بقاء الغموض بشأن أسباب عدم استمراره في المنصب. تلقى الوسط السياسي والمدني السوداني القرار بردود فعل متباينة. فيما جاء رد فعل المجتمع الإقليمي والدولي، مغلفاً بخطابٍ متحفظ وساخر.
تعيين رئيس وزراء وسط العنف والحرب ليس عملاً مفاجئاً في سياق الممارسة السياسيّة في السودان، فهناك سوابقٌ عديدة منذ أول حكومة وطنية قامت عقب الاستقلال، مرورًا بمرحلة ثورة أكتوبر/ تشرين الأول 1964، وليس انتهاءً بفوضى التعيينات في هذا المنصب طوال الثلاثين عاماً لنظام البشير.
لكن في هذه التجربة، يأتي قرار تعيين السيد إدريس، الذي يحمل ثلاثة تواريخ ميلاد وفق وثائقه المختلفة، وكان قد تقلد منصب الأمين العام للمنظمة العالمية للملكية الفكرية ما بين 1997 إلى 2008، وسبق أن ترشح في الانتخابات الرئاسية عام 2010 كمستقل، وظل اسمه يتردد باستمرار في أي مشاورات حول رئيس الوزراء عقب الفترة التي أعقبت الإطاحة بنظام البشير عام 2019، بعد احتياجات شعبية صاخبة بدأت في ديسمبر/ كانون الأول 2018، في سياق فترة سياسية غاية في الاضطراب؛ أي وسط حرب اندلعت منذ منتصف أبريل/نسيان 2023، هي الأسوأ والأكثر تضررًا بكامل البلاد في تاريخه الحديث، اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا.
يجيء القرار في سياق تحولات سياسية ذات أبعاد استراتيجية صاخبة، حيث يمكن قراءة رمزية القرار، أنه رغم استمرار العمليات العسكرية، فإن تعيين رئيس وزراء، يوحي بإرادةٍ ما لإعادة تشكيل الدولة، وملء الفراغات الدستورية التي تعمّقت، منذ سقوط الحكومة الانتقالية الأولى عقب رحيل نظام الإنقاذ.
تعيين رئيس وزراء وسط العنف والحرب ليس عملاً مفاجئاً في سياق الممارسة السياسيّة في السودان، فهناك سوابقٌ عديدة منذ أول حكومة وطنية قامت عقب الاستقلال، مرورًا بمرحلة ثورة، وليس انتهاءً بفوضى التعيينات في هذا المنصب طوال الثلاثين عاماً لنظام البشير
عودة إلى توقيت التعيين، فهو يأتي في ظل لحظة تاريخية حرجة وحاسمة يمر بها السودان؛ دولةً ومجتمع، بعد تصاعد مستمر في الأصوات المحلية والإقليمية والدولية المطالِبة بضرورة إقامة سلطة مدنية مستقرة في البلاد، قادرة على إدارة الملفات السياسية والإنسانية المتعلقة بتداعيات الحرب، بنجاح وكفاءة وسط بوادر تحوّل في ميزان القوى ميدانيًا للنزاع.
أعلن الجيش خلو ولاية الخرطوم بمختلف مدنها ومحلياتها من الدعم السريع، وثمة تقدم ملحوظ له في عدة جبهات، ولاسيما في بعض أجزاء من إقليم كردفان مع صمود مدينة الفاشر، حاضرة ولاية شمال دارفور غربي البلاد عن السقوط في قبضة الأخيرة، مثلما سيطرت على بقية ولايات الإقليم الأربع منذ آواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2023.
طبعا، هناك ضعف أجهزة الدولة وغياب بعضها بشكلٍ شبه كامل، نتيجةً لاندلاع الحرب واستمرارها، مع فجوة الرقابة والشفافية الكافية المستندة على أحكام دستورية متماسكة ومتوافق عليها، حول آليات اختيار رئيس الوزراء وبقية أعضاء حكومته المرتقبة، فإن هذه الخطوة تُعدّ - كما يرى مراقبون - محاولة من بورتسودان لإعادة إنتاج شرعية جديدة في ظل حرب مستمرة بلا أجل لإنهائها بعد. شرعية تقوم على السودان بوصفه سوق أعمال سياسية، ومستندة على اقتصاديات الحرب أكثر منها إرادة الشعب السوداني على ضرورة إيقاف النزاع كأولوية والتدخّل العاجل بفعالية في الأزمة الإنسانية الخانقة.
جاءت ردود الفعل تجاه تعيين رئيس الوزراء متباينة ومختلفة، فقد تحفظت عدة أطراف داخل تحالف بورتسودان على الشخصية، فيما رفضت أخرى بشكل صريح هذه الخطوة، وتلقاه أخرون بانطباعاتٍ حذرة، وانقسموا بين مؤيد؛ يراه خطوة نحو الحل مؤكدا ضرورة التدخّل بأي شكل لاستعادة مؤسسات الدولة، ووقف التدهور المتصاعد لمختلف أوجه الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ومعارض يعتبره "واجهة" لتبرير استمرار هيمنة العسكر، وخلق شرعية عسكرية جديدة للسلطة والقيادة والنفوذ على مستوى الممارسة السياسية المتهالكة.
وتذهب أصوات أخرى إلى أن تعيين رئيس وزراء دون توافق واسع بين مختلف القوى الفاعلة سياسيًا ومدنيًا، ولاسيما بين أطراف تحالف بورتسودان ومع غياب سلطة تشريعية، يعمّق الانقسام ويكرّس سلطة الأمر الواقع، ويزيد الاصطفاف حول الأزمة، وتعقيداتها المكثفّة الاختلاف والخلاف اجتماعيًا وإثنياً ومناطقيًا.
يمكن قراءة رمزية القرار، أنه رغم استمرار العمليات العسكرية، فإن تعيين رئيس وزراء، يوحي بإرادةٍ ما لإعادة تشكيل الدولة، وملء الفراغات الدستورية التي تعمّقت فراغًا منذ سقوط الحكومة الانتقالية الأولى عقب رحيل نظام الإنقاذ
فيما تلقى المجتمع الإقليمي ولاسيما الاتحاد الأفريقي القرار، بلغة إيجابية متفاعلة على اعتبار أنها مؤشرات وبادرة أولية على إرادة الحكومة القائمة نحو استعادة جهاز الدولة التنفيذية والتشريعية وفق أحكام دستورية - القرار مستند على الأحكام الجديدة للوثيقة الدستورية المعدلة 2025 - والسعي نحو إنهاء الحرب وبناء السلام المرجو.
كان رد فعل المجتمع الدولي والدول الغربية، متحفظا، لدرجة اعتبر فيها أعضاء داخل البرلمان البريطاني أن الرجل المعين سيكون مجرد "دمية" وسط السلطة القائمة على شارات العسكر وقراراتهم. فمن المستحيل أن يتخلى الجيش عما أخذو بالقوة حتى قبل الحرب، ويمنحه لرجل قضى معظم حياته في الخارج وبين أروقة مؤسسات غربية، ومتهم بتزوير أغلب وثائقه الرسمية، رغم ما يحمل في جعبعته من مؤلفات، وشواهد من جامعة أوهايو الامريكية.
في ذات اليوم الذي عُيِّن فيه السيد إدريس، أصدر مجلس السيادة مرسومًا دستوريًا مستندًا على أحكام الوثيقة الدستورية تعديل 2025، قضى بتعيين السيدة سلمى عبد الجبار المبارك، وقد كانت عضوة سابقة في حكومة انقلاب أكتوبر/تشرين الأول 2021، ونوارة أبو محمد محمد طاهر، وهي وجه جديد تنتمي مناطقياً إلى شرق السودان، أعضاءً في مجلس السيادة، الذي هيمّن عليه الرجال لفترةٍ طويلة، وأديَّا القسم للانضمام رسميًا إلى مجلس السيادة في الأول من يونيو/حزيران الجاري.
تُعتبر خطوة إضافة عضوات نساء إلى مجلس السيادة في ظل هشاشة الحكومة القائمة دستوريًا، من أبرز المستجدات في هيكل السلطة الماثلة، وتأتي استجابةً لضغوط داخلية وإقليمية ودولية متصاعدة، تطالب بضرورة إدماج النساء في مواقع اتخاذ القرار وصناعته، خصوصا في ظل ما تتحمله النساء من أعباء الحرب، ولاسيما في سياق تداعيات الأزمة الانسانية والحقوقية، وموجات النزوح واللجوء المستمرة.
شرعية تقوم على السودان بوصفه سوق أعمال سياسية، ومستندة على اقتصاديات الحرب أكثر منها إرادة الشعب السوداني على ضرورة إيقاف النزاع كأولوية والتدخّل العاجل بفعالية في الأزمة الإنسانية الخانقة
كما تُفسر هذه الخطوة، رغبة الحكومة القائمة بشدة في كسب دعم شعبي واسع، لا سيما من منظمات المجتمع المدني النسوي، ومحاولةً لإضفاء طابع تقدمي متوازن على السلطة السياسية القائمة، بجانب الرضوخ لضغوطٍ تطالب بشدة بضرورة تنويع السلطة جندريًا، حيث للنساء حق في الممارسة السياسيّة، والمشاركة بفعالية في اتخاذ القرارات وصناعتها بشجاعة.
لكن مخاوف وتحفظاتٍ واسعة من أن يكون هذا التمثيل شكليًا فقط، دون منحهن صلاحيات حقيقية فعّالة، أو أن يتم استغلاله ورقة تزيينية أمام المجتمع الداخلي والإقليمي والدولي. فحضور النساء في الممارسة السياسيّة بفعالية معروفًا في السياق السوداني بأنه شحيح وضئيل، ومرتبط بمناظير تعمل على إبعاد أصوات نون النسوة عن المشهد السياسي العام وتهميشهن، إما لدوافع جندرية جذرية أو لتخوفاتٍ مرتبطة بالصراعات السياسية الطاحنة والايديولوجيّة الحادّة.
إعلان الجيش خلو مدينة الخرطوم من الدعم السريع، بعد أكثر من عامين من سيطرة الأخيرة جزئيًا على المدينة، يشكّل نقطة تحوّل ميدانية وسياسية كبيرة في سياق العمليات العسكرية للحرب. فقد أدى إلى ظهور ديناميكيات جديدة متعددة الأبعاد داخل العاصمة المكلومة. فرغم الدمار الواسع، بدأت أعداد مقدرة من المواطنين في العودة لمناطق كانت تحت قبضة الدعم السريع، ولاسيما أم درمان وشرق النيل وأجزاء من الخرطوم.
كما أعاد الجيش السوداني، التموضع عسكريًا وأمنيًا على المواقع الاستراتيجية، مثل: القصر الرئاسي ومطار الخرطوم الدولي، وأُنشئت نقاط تفتيش وتكثفت الإجراءات الأمنية، بيد أنه وحتى الآن، لا توجد مؤشرات قوية على عودة المؤسسات المدنية للعمل بشكلٍ كامل، باستثناء بعض المبادرات المحلية وجهود حثيثة من السلطات لإعادة الخدمات الأساسية.
المدينة ما تزال تعاني من دمارٍ وانهيارٍ واسع في البنية التحتية، مع تفشٍ كبير للأوبئة، مثل الكوليرا الذي انتشر مؤخراً، بشكلٍ مخيف على أرجاء العاصمة المحطمة، وسط نقصٍ كبير في الغذاء والمياه الصالحة للشرب.
خلو الخرطوم من الدعم السريع منح القوات المسلحة السودانية الطرف الثاني في النزاع، دفعةً معنوية وعسكرية واسعة، لكنه لا يعني حسم الصراع؛ إذ لا يزال إقليميّ دارفور وكردفان مناطق اشتباك مركزي، ومناطق ملتهبة وسط أزمةٍ إنسانيّة وحقوقيّة خانقة ومتفاقمة. خسارة الخرطوم، تعتبر نكسةً استراتيجية كبرى بالنسبة للدعم السريع، لكنها لم تنهِ قدرتها القتالية، وتموضعها العسكري على عدة جبهات بعد، خصوصًا في الإقليمين، حيث ما تزال تتمتع بتمدد أفقي كبير بجانب الإدارات المدنية التي كونتها في الولايات الاربع التي تحت قبضتها باقليم دارفور.
عقب هذه التطورات العسكرية ميدانيًا، بدأت أطرافٌ دولية وإقليمية ووطنية، تتحدث بلغة جديدة حول "ضرورة وقف إطلاق النار" بشكلٍ ما، وإعادة النقاش حول إيصال المساعدات الإنسانية إلى النازحين والمحتاجين في المناطق المتضررة، ولاسيما إقليمي دارفور وكردفان، كما اللاجئين في شرق تشاد وبقية دول الجوار (جنوب السودان وإثيوبيا) مع ضرورة تشكيل حكومة مدنية ذات صلاحيات فعّالة.
كما تزايدت الدعوات لعودة الطرفين إلى طاولة التفاوض، في ظل مؤشرات إنهاك ميداني للأطراف، وانهيار اقتصادي كارثي شامل في البلاد. كما يُلاحظ ثمة حديث يتردد عن تفاهمات غير رسمية بين قوى سياسية وقيادة الجيش لإعادة هيكلة الفترة الانتقالية بشكل أكثر فاعلية، وربما تنظيم مؤتمر وطني شامل بعد استقرار نسبي.
فحضور النساء في الممارسة السياسيّة بفعالية معروفًا في السياق السوداني بأنه شحيح وضئيل، ومرتبط بمناظير تعمل على إبعاد أصوات نون النسوة عن المشهد السياسي العام وتهميشهن، إما لدوافع جندرية جذرية أو لتخوفاتٍ مرتبطة بالصراعات السياسية الطاحنة والايديولوجيّة الحادّة
تشير كل هذه التطورات الأخيرة في السودان، من تعيين رئيس الوزراء، مروراً بإضافة عضوات جديدة إلى مجلس السيادة، وصولًا إلى خلو الخرطوم من الدعم السريع، إلى بداية مرحلةٍ جديدة من الصراع واللعبة السياسية. ورغم أنها لا تمثّل نهايةً للحرب المستمرة، فإنها تعكس تغيرًا في المشهدين العسكري والسياسي - المدني، يُحتمل أن يُمهّد لفرصةٍ جديدة لاستعادة الدولة روحها وإنهاء النزاع استعدادًا لبناء سلام يُرجى أن يكون عادلًا ومستدامًا وسط توفر إرادة سياسية حقيقية داخليًا، ودعم إقليمي ودولي منسق.
تبقى أبرز التحديات التي يواجهها رئيس الوزراء المعين حديثًا، ضعف الصلاحيات الممنوحة له، في ظل هيمنة الجيش على مجلس السيادة. فقد يبقى دوره رمزيًا دون سلطة حقيقية على الأجهزة الأمنية، كما قد يواجه صعوبة في كسب ثقة الأطراف، ولاسيما القوى السياسية المتصارعة، فضلًا عن استمرار الحرب، حيث تعقيدات التفاوض مع الدعم السريع مع سعيها الكبير إلى إقامة حكومة موازية، الأمر الذي يزيد من احتمالية الدخول مواجهات عنيفة في غرب البلاد.
هكذا يتصبح أحد هذه السيناريوهات محتملا؛ التسوية الهشة؛ تقوم على وساطة دولية وإقليمية مشتركة تحاول إجبار الأطراف على وقف إطلاق النار، مع تأجيل الحل السياسي الجذري، أو سيناريو الثورة المضادة، بسعي الحكومة القائمة على عسكرة الممارسة السياسية، وفرض واقع عسكري جديد امتدادًا لانقلاب 25 أكتوبر/ ترشين الأول 2021، مع محاولة إجهاض أي انتقال ديمقراطي مدني فعال ناجح. ويظل السؤال ماثلًا، ما الذي تحمله الأيام في مسارات الصراع وجهود التعافي للسودان بعد تعيين رئيس وزراء، وخلو العاصمة من المليشيا، وجندرة مجلس السيادة؟