تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 8 فبراير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

السودان بوصفه جبهة خلفية: لعبة المحاور بين أديس أبابا وأسمرا

28 يوليو, 2025
الصورة
السودان بوصفه جبهة خلفية: لعبة المحاور بين أديس أبابا وأسمرا
Share

لطالما شكّلت علاقات السودان مع إثيوبيا وإريتريا ركيزة أساسية في استقرار القرن الأفريقي، إذ تتقاطع فيها المصالح الأمنية والسياسية والتاريخية. فالسودان، بعلاقته المتأرجحة مع أديس أبابا، تراوح بين التعاون والصراع حول قضايا المياه والحدود، في حين اتسمت علاقته مع أسمرا بمسار أكثر اضطرابًا، بدءًا من دعمه لحركات التحرر الإريترية وصولًا إلى المواجهات السياسية بعد الاستقلال. وتُضاعف قضايا مثل اللاجئين والموانئ والميليشيات العابرة للحدود، من هشاشة هذا المثلث الإقليمي، إذ أصبح السودان في قلب معادلة معقّدة، يستضيف فيها لاجئين إثيوبيين وإريتريين، ويصدر بدوره موجات لجوء جديدة بفعل حربه الداخلية، بينما تنشط على أطرافه ميليشيات مسلّحة لطالما استخدمتها الأنظمة المتجاورة ورقة نفوذ.

يتجلّى هذا التداخل العنيف في المشهد الأمني، حيث تعاني إثيوبيا من ميليشيات ذات طابع عرقي وإقليمي في تيغراي وأوروميا وأمهرة، تغذّيها تراكمات التهميش والتنافس على السلطة والدعم الخارجي. فيما تمارس إريتريا سياسة أمنية مغلقة، تقلّل من بروز الميليشيات داخليًا، لكنها لا تتوانى عن دعم جماعات مسلحة في الجوار، ولا سيما داخل إثيوبيا، في سياق استراتيجية إقليمية تهدف إلى إرباك محيطها، وكبح طموحات خصومها. أما أزمة اللجوء، فتعكس انهيارًا إقليميًا مزمنًا؛ إذ تستقبل إثيوبيا لاجئين من دول عدة بينما تعاني من نزوح داخلي، في حين تفرّ أعداد كبيرة من الإريتريين سنويًا هربًا من القمع والتجنيد الإجباري، ما يفاقم العبء على السودان الذي لم يعد ملاذًا آمنًا، بل بات هو نفسه مصدَرًا للأزمات الإنسانية.

تُضيف المياه بعدًا جيواستراتيجيًا متفجرًا، خصوصًا مع استمرار أزمة سد النهضة، حيث تسعى إثيوبيا إلى فرض السد ركيزة تنموية وسيادية، في مقابل تخوّف مصر والسودان من تهديد حصصهما التاريخية. يصطف الموقف الإريتري في هذا السياق إلى جانب إثيوبيا، دعمًا لتحالف استراتيجي أوسع يواجه الضغوط الإقليمية، ولا سيما المصرية. ومع تصاعد الأزمة السودانية منذ عام 2023، برز تنافس إثيوبي-إريتري متسارع على كسب ولاء المؤسسة العسكرية السودانية، خصوصا بعد صمود الجيش أمام قوات الدعم السريع، وسط محاولات إثيوبية للحصول على منفذ بحري تعتبره أسمرا تهديدًا وجوديًا، ما حوّل الأراضي السودانية إلى ساحة صراع إقليمي غير مباشر تتنافس فيها الدولتان على النفوذ والموارد.

إثيوبيا بين الوساطة والانكشاف: مناورة مزدوجة في ساحة سودانية رخوة

في ذروة الحرب السودانية، برز السودان كمساحة فارغة تتصارع فيها إثيوبيا وإريتريا على النفوذ، لا باعتباره فاعلًا بل ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. في وقت يواجه نظام أبي أحمد أزمات متفاقمة بعد حرب تيغراي، وما خلفته من نزوح جماعي وتآكل سياسي، يعاني نظام أسياس أفورقي من عزلة داخلية، تدفع بآلاف الإريتريين إلى الفرار سنويًا. في ظل هذا السياق المتأزم، يتحوّل السودان من ملاذ للاجئين إلى بؤرة جديدة للأزمات، تتنازع عليه قوى الجوار لتعويض اختلالاتها الداخلية بالتمدد في ساحاته الرخوة. وقد مثّلت انتصارات الدعم السريع في بداية الحرب لحظة حرجة دفعت أبي أحمد إلى الميل نحو هذا المعسكر، قبل أن يعود إلى التوازن بعد بروز البرهان قطبا عسكريا في بورتسودان، ما دفعه لإعادة فتح قنوات التواصل مع الجيش السوداني.

على المستوى السياسي، حاولت أديس أبابا تبنّي موقف الوسيط، فدعت إلى الحوار بين الفرقاء السودانيين، لكنها في الواقع كثّفت تحركاتها الأمنية والدبلوماسية خشية تحوّل السودان إلى ساحة معادية أو موطئ قدم لإريتريا في خاصرتها الغربية. تصاعد التوتر الحدودي بين إثيوبيا وإريتريا ترافق مع حشود عسكرية وتبادل رسائل خشنة، جعل إثيوبيا أكثر حرصًا على احتواء السودان أمنيًا. كما أن العلاقة الوثيقة بين الجيش السوداني ومصر، الخصم الإقليمي لأديس أبابا في ملف سد النهضة، دفعت إثيوبيا إلى مزيد من الحذر والتوجس، خصوصا مع تقارب محتمل بين الخرطوم وأسمرا. وتداخلت هذه التحديات مع عجز إثيوبيا عن فرض رؤيتها داخل منظمة الإيغاد، حيث أضعف الموقف السوداني المناوئ لها من قدرتها على لعب دور إقليمي مؤثر، ما عمّق شعورها بالعزلة وفقدان السيطرة على آليات التأثير التقليدية في المنطقة.

يتحوّل السودان من ملاذ للاجئين إلى بؤرة جديدة للأزمات، تتنازع عليه قوى الجوار لتعويض اختلالاتها الداخلية بالتمدد في ساحاته الرخوة

أما على المستوى الإنساني، فقد حاولت إثيوبيا استخدام سياسة استقبال اللاجئين السودانيين ورقة ناعمة لتحسين صورتها، رغم التحديات الاقتصادية والأمنية التي تعانيها داخليًا. ومع ذلك، تظل سياستها تجاه السودان محكومة بثنائية التوجس والانتهازية؛ فهي من جهة تروّج لخطاب الوساطة والسلام، ومن جهة أخرى تسعى لحماية مصالحها الجيوسياسية في وجه تحالفات مثلثة تهدد نفوذها (السودان–مصر–إريتريا). وقد كشفت الأزمة عن حدود الدور الإثيوبي في الإقليم، حيث وجدت أديس أبابا نفسها تتحرك في بيئة متقلّبة، مليئة بالتنافسات والتقلبات، ما جعل تأثيرها هشًّا ومقيّدًا بتوازنات إقليمية غير مستقرة، يصعب معها التنبؤ بمستقبل نفوذها في القرن الأفريقي.

تقاطعات النفوذ الإثيوبي والهواجس الأمنية

يمثّل السودان رئة جيوسياسية لإثيوبيا وإريتريا، ومنصة بالغة الحساسية في توازنات القرن الأفريقي. تسعى أديس أبابا إلى تحييده أمنيًا خشية أي تعاون عسكري محتمل بين الخرطوم وأسمرا، فيما تعتبره إريتريا حاجزًا دفاعيًا استراتيجيًا في وجه الطموحات الإثيوبية، لا سيما في ظل سعي أبي أحمد الدائم للنفاذ إلى البحر عبر أراضي الجوار. وقد شكّلت العلاقة الثلاثية بين السودان ومصر وإريتريا تحديًا مباشرًا للمصالح الإثيوبية، إذ وجد الجيش السوداني في القاهرة حليفًا مائيًا تقليديًا، بينما كثّفت أسمرا تنسيقها مع الخرطوم، ما ضاعف عزلة إثيوبيا وأجبرها على تبني خطاب أكثر حذرًا، دون قدرة حقيقية على التأثير في مجرى الصراع.

تظل سياسة إثيوبيا تجاه السودان محكومة بثنائية التوجس والانتهازية؛ فهي من جهة تروّج لخطاب الوساطة والسلام، ومن جهة أخرى تسعى لحماية مصالحها الجيوسياسية في وجه تحالفات مثلثة تهدد نفوذها

على الصعيد الإقليمي، بدا الموقف الإثيوبي باهتًا داخل منظمة الإيغاد، مع تراجع نفوذه لصالح مواقف مستقلة من دول أعضاء، أبرزها السودان الذي عارض مقترحات أديس أبابا مرارًا، ما أضعف قدرتها على لعب دور الوسيط الإقليمي. وفي الخلفية، تشير تقارير إلى تدخلات غير معلنة لجهاز المخابرات الإثيوبي في الساحة السودانية، رغم النفي الرسمي. أما إنسانيًا، فقد فتحت إثيوبيا حدودها أمام اللاجئين السودانيين في إطار سعيها لحفظ الحد الأدنى من الاستقرار على حدودها، لكن موقفها ظل مشوبًا بالتناقض بين خطاب الوساطة وسلوك الهيمنة. وقد أظهرت الأزمة أن نفوذ إثيوبيا الإقليمي لم يعد مضمونًا، بل بات هشًّا أمام شبكة تحالفات متغيرة، وبيئة إقليمية مضطربة يصعب احتواؤها بالأساليب التقليدية.

إريتريا: دعم مباشر ومراهنات على هشاشة السودان

في مقابل التوجّس الإثيوبي، اتّسم الدور الإريتري في الأزمة السودانية بوضوح أكبر من حيث الدعم العملي الميداني. فقد أشارت تقارير إلى أن أسمرا قدّمت تدريبات عسكرية لوحدات من الجيش السوداني قرب الحدود، وسهّلت وصول السلاح والمعدّات لفصائل موالية للبرهان، بما في ذلك جماعات مسلحة غير نظامية. كما احتضنت معسكرات تدريب داخل أراضيها لمقاتلين تلقّوا تدريبات متقدّمة على حرب العصابات والعمليات الخاصة، ما عزّز قدرتهم القتالية في وجه خصومهم. ما يعكس رغبة إريتريا في ترسيخ نفوذها داخل السودان كوسيلة لموازنة التحركات الإثيوبية، وقطع الطريق أمام أي تقارب بين أديس أبابا والخرطوم قد يهدد مصالح أسمرا الأمنية.

وفي سياق أوسع، يمثّل السودان بؤرة تأثير مزدوجة لإريتريا وإثيوبيا، إذ يتقاطع فيه ملف اللاجئين، وصراعات الميليشيات، وأزمة المياه. فحدوده المفتوحة تحوّلت إلى مسرح لصراع بالوكالة، تتداخل فيه جبهة تحرير تيغراي، وقوات الأمهرة، وميليشيات محلية مدعومة من أطراف إقليمية.

كما يعاني السودان من عبء ثلاثي: نازحون إثيوبيون وفارّون إريتريون ونزوح داخلي متصاعد. وفي ملف المياه، تتأرجح الخرطوم بين الاستفادة التقنية من سد النهضة والقلق السياسي من تحكّم إثيوبيا بالمنبع، ما يدفعها إلى التذبذب بين التحالف مع القاهرة أو الانفتاح على أديس أبابا. وتُبقي هذه التناقضات السودان في موقع متأرجح، تارة باعتباره وسيط، وتارة أخرى كساحة صراع مكشوفة بين جارتين مهدّدتين داخليًا، تبحثان عن استقرار خارجي لتعويض اختلال الداخل.