الخميس 22 يناير 2026
تأثر القطاع الزراعي مع اشتداد الحرب، واتساع رقعتها في السودان، باعتباره أحد أهم الركائز الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، ومصدراً أساسياً لغذاء ملايين السكان، إذ لم تعد آثار الحرب مقتصرة على الخسائر البشرية والمادية المباشرة، بل امتدت لتطاول النظم الإنتاجية والموارد الحيوية التي تقوم عليها حياة المجتمع.
نرمي تحليل الانهيار الكبير الذي أصاب هذا القطاع من خلال تتبّع تراجع الإنتاج، وتدمير البنية التحتية، واستهداف المناطق الزراعية في مختلف الولايات. زيادة على رصد الارتفاع الهائل في تكاليف المدخلات الزراعية، وما ترتب على كل ذلك من تفاقم أزمة الجوع، ووصول بعض المناطق إلى مستويات شبيهة بالمجاعة.
لا نكتفي بسرد الأرقام والدلالات المباشرة، بل نقدّم قراءة تفسيرية أعمق لكيفية تشكّل الأزمة؟ وكيف تحوّل تدهور الإنتاج الزراعي إلى أزمة أمن غذائي وطنية تهدد حياة الملايين؟ ونوضح أيضا الروابط بين استهداف المناطق الإنتاجية وانهيار الأسواق وغياب الإمدادات، وبين ظهور المجاعة كحالة بنيوية ناتجة عن تفكك النظام الذي يضمن الحصول على الغذاء، وليس مجرد نقص مؤقت في المحاصيل.
يتناول المقال الجوانب الإنسانية والاقتصادية والاستراتيجية المتعلقة بالزراعة في زمن الحرب، ويستشرف مستقبل القطاع الزراعي في حال استمرار النزاع أو توقفه، مبرزًا حجم الجهود المطلوبة لإعادة بناء ما تهدّم. بذلك يسعى إلى تقديم صورة متكاملة عن الأزمة، تجمع بين الوصف والتحليل والتفسير، وتستند إلى الأرقام والوقائع الميدانية، ليُفهم من خلالها كيف أن الحرب قد أصابت قلب الاقتصاد السوداني، وكيف أدّى ذلك إلى اتساع رقعة الجوع، وتهديد استقرار المجتمع ووجوده ذاته، في واحدة من أخطر الأزمات التي يواجهها السودان في تاريخه المعاصر.
أدّت الحرب في السودان إلى تغييرات جذرية وعميقة في البنية الاقتصادية والاجتماعية، وكان القطاع الزراعي أكثر القطاعات تعرضًا للتدمير المباشر وغير المباشر. فمنذ اندلاع النزاع، أصبح من الواضح أن الزراعة -وهي المصدر الرئيسي لتأمين الغذاء والدخل لنحو 40٪ من السكان- قد تلقت ضربات قاسية عطّلت قدرتها على العمل. وظهر هذا التأثير في انخفاض الإنتاج الزراعي بشكل حاد، إذ تراجع إنتاج الحبوب إلى حوالي 4.1 مليون طن فقط، وهو رقم يعكس انخفاضًا كبيرًا يبلغ نحو 46٪ مقارنة بالعام السابق، وأقل بنحو 40٪ من متوسط الإنتاج خلال السنوات الخمس السابقة. هذه الأرقام ليست مجرد بيانات تقنية، بل تجسيد لواقع معيش يعيشه الملايين من المزارعين والأسر الريفية التي تعتمد على الزراعة كمصدر رئيسي لقوتها اليومي.
لا يمكن اعتبار هذا التدمير الواسع مجرد نتيجة عرضية للحرب، بل ذا أبعاد سياسية واقتصادية أعمق. السيطرة على الأراضي الزراعية والمناطق المنتجة كانت جزءًا من استراتيجية عسكرية في بعض المناطق، فمن يسيطر على الغذاء يسيطر على السكان
وقد تأثرت المحاصيل الأساسية بدرجة أكبر من غيرها، إذ انخفض إنتاج الذرة الرفيعة إلى نحو 3 ملايين طن، وهو تراجع بنحو 42٪، بينما انخفض إنتاج الدخن إلى حوالي 683 ألف طن فقط، بانخفاض خطير بلغ 64٪ مقارنة بالسنة الماضية. هذه المحاصيل ليست مجرد منتجات غذائية، بل هي العمود الفقري للسلة الغذائية السودانية، والاعتماد عليها كبير في المناطق الريفية والحضرية على حد سواء. ومع تراجع إنتاجها بهذه النسب، أصبح العجز الغذائي واضحًا، وتفاقمت الحاجة إلى واردات غذائية وتدخلات إغاثية لم تكن الدولة قادرة على توفيرها بسبب الظروف الأمنية والاقتصادية.
كان لاستهداف المناطق الإنتاجية دور مركزي في هذه الأزمة. فقد أدّت الحرب إلى خسارة شاسعة في مساحة الأراضي الزراعية بلغت نحو 10 ملايين فدان، وفق تصريحات رسمية، وهي مساحة هائلة إذا ما قورنت بقدرة السودان الزراعية قبل الحرب. ولم تكن تلك الخسارة نتيجة القتال فقط، بل بسبب النزوح، وتدمير البنية التحتية وانعدام الأمن، واحتلال بعض المناطق الزراعية من قِبل قوات الدعم السريع. وتحوّلت مناطق واسعة من الحقول الخصبة إلى مناطق مهجورة، بعدما كانت تُسهم في تغذية ملايين السكان داخل البلاد وخارجها.
يُعدّ مشروع الجزيرة مثالًا واضحًا على حجم التدمير. فهذا المشروع يعد أكبر مشروع ري مروي في السودان وأفريقيا، شهد تدميرًا واسعًا في شبكات الري، حيث سُجّل أكثر من 1470 كسرًا في قنوات الري الرئيسية والفرعية. ما يعني فعليًا تعطّل الري في مناطق شاسعة، وانهيار دورة الإنتاج الزراعي التي كانت تعتمد عليها البلاد لإنتاج الذرة والقمح والخضروات والمحاصيل. ولم يقتصر الضرر على البنية التحتية، بل انخفضت المساحات المزروعة في أجزاء المشروع من أكثر من 55 ألف فدان إلى حوالي 3,500 فدان فقط، وهو انهيار كارثي في القدرة الإنتاجية للمشروع.
إلى جانب تدمير الأراضي والري، شهد القطاع الزراعي ارتفاعًا غير مسبوق في تكلفة المدخلات الزراعية. فقد ارتفعت أسعار الوقود بنسبة تزيد على 170٪، ما جعل تشغيل الآلات الزراعية وضخ المياه، ونقل المحاصيل عمليات باهظة التكلفة. كما ارتفعت أسعار البذور والمبيدات والأسمدة بنسبة تتراوح بين 60٪ و70٪ مقارنة بالسنوات السابقة، الأمر الذي جعل القدرة على بدء موسم زراعي جديد أمرًا شبه مستحيل، لدى أكثرية المزارعين الذين فقدوا مواردهم ومعداتهم بسبب الحرب والنزوح والنهب. ومع ارتفاع تكاليف الزراعة، بدا من الواضح أن الكثير من المزارعين سيخرجون من دورة الإنتاج بالكامل، مما فاقم العجز الغذائي الوطني.
تسبب تعطّل طرق النقل وتضرّر المخازن في انهيار سلاسل الإمداد الزراعي، حيث أصبح نقل الحبوب والمحاصيل من مناطق الإنتاج إلى الأسواق أكثر خطرًا وكلفة. كثير من الشاحنات تعرضت للنهب أو الاحتجاز، وتوقفت حركة النقل بين المدن والولايات في فترات عديدة. وأدى ذلك إلى زيادة الفاقد من المحاصيل بسبب عدم القدرة على نقلها في الوقت المناسب أو تخزينها في ظروف مناسبة. كما ارتفعت أسعار النقل بشكل كبير، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار السلع الغذائية في الأسواق المحلية، مما جعلها خارج متناول كثير من الأسر التي كانت تكافح لتأمين غذائها اليومي.
مع هذا الانهيار الشامل في الإنتاج والتوزيع، تصاعدت مستويات الجوع في السودان إلى حدٍّ غير مسبوق. فقد أشارت الأمم المتحدة إلى أن عدد المحتاجين إلى مساعدات إنسانية عاجلة تجاوز 30.4 مليون شخص؛ أي ما يقرب من ثلثي سكان البلاد. وأكثر من 50٪ من السكان يعانون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بينما سُجّلت حالات مجاعة فعلية في بعض المناطق لصعوبة الوصول إليها. يعكس هذا حجم الكارثة، إذ لم يعد الأمر مجرد نقص في الغذاء، بل تحول إلى أزمة هيكلية تهدد حياة الملايين.
كما ارتفعت أسعار النقل بشكل كبير، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار السلع الغذائية في الأسواق المحلية، مما جعلها خارج متناول كثير من الأسر التي كانت تكافح لتأمين غذائها اليومي
في هذا السياق، تعد المجاعة نتيجة متوقعة لانهيار النظام الذي يضمن الحصول على الغذاء، فالمجاعة لا تبدأ عندما ينخفض الإنتاج فقط، بل عندما تتعطل كل آليات الوصول إلى الغذاء: الأسواق والموارد والبنية التحتية والإغاثة والقدرة الشرائية. وقد اجتمعت كل هذه العوامل في السودان بفعل الحرب. فمع فقدان الملايين لمصادر دخلهم الزراعية، وتراجع الإنتاج المحلي، وارتفاع الأسعار، وغياب المساعدات في بعض المناطق، أصبح السكان غير قادرين على توفير احتياجاتهم الغذائية الأساسية، حتى في المناطق التي كانت تعتبر آمنة نسبيًا.
يوضح تحليل هذه الأرقام هشاشة عميقة في البنية الزراعية السودانية، فالاعتماد الكبير على الزراعة التقليدية، وغياب آليات التأمين الزراعي، وضعف التخطيط الاستراتيجي، كلها عوامل جعلت الزراعة السودانية غير قادرة على الصمود أمام صدمات الحرب. فقد أظهرت الأرقام أن القطاع الزراعي كان يعاني أصلًا من ضعف قبل الحرب، لكنه كان قادرًا على تلبية جزء كبير من احتياجات البلاد الغذائية. ومع اندلاع الحرب، تلاشى هذا الهامش من القدرة، وأصبح القطاع عاجزًا عن مواجهة الضغوط الهائلة التي تعرض لها.
علاوة على ذلك، فإن الخسائر المالية المقدّرة بنحو 100 مليار دولار تكشف حجم التدمير الذي تعرض له الإنتاج الزراعي وأصوله ومعداته وبنيته التحتية. وتشمل هذه الخسائر تدمير المحالج والمخازن والآلات الزراعية ومحطات الريّ ومراكز توزيع التقاوي وسرقة المعدات والأسمدة، وكلها عناصر أساسية لدعم العملية الزراعية. هذه الخسائر المالية الضخمة لا تعني فقط تكلفة إعادة البناء، بل تعني أيضًا أن البلاد فقدت قدراتها الذاتية على الإنتاج، وأنها ستحتاج لسنوات -أو ربما عقود- لإعادة بناء القطاع، إذا توفر لها السلام والاستقرار.
لا يمكن اعتبار هذا التدمير الواسع مجرد نتيجة عرضية للحرب، بل ذا أبعاد سياسية واقتصادية أعمق. السيطرة على الأراضي الزراعية والمناطق المنتجة كانت جزءًا من استراتيجية عسكرية في بعض المناطق، فمن يسيطر على الغذاء يسيطر على السكان. لذلك، فإن استهداف المناطق الزراعية أدى إلى إضعاف المجتمعات المحلية، ودفعها للنزوح، وجعلها تعتمد على المساعدات الدولية، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى تغيّر التركيبة الاقتصادية والاجتماعية لتلك المناطق.
هذه الخسائر المالية الضخمة لا تعني فقط تكلفة إعادة البناء، بل تعني أيضًا أن البلاد فقدت قدراتها الذاتية على الإنتاج، وأنها ستحتاج لسنوات -أو ربما عقود- لإعادة بناء القطاع، إذا توفر لها السلام والاستقرار
مع النظر إلى المستقبل، يتضح أن الأزمة لن تكون قصيرة المدى. فحتى لو توقفت الحرب اليوم، فإن إعادة بناء القطاع الزراعي تحتاج إلى وقت طويل واستثمارات ضخمة، وإلى جهود حكومية ودولية متواصلة. فإصلاح قنوات الري المتضررة وحده يتطلب سنوات من العمل، وإعادة تأهيل الأراضي الزراعية المهملة يحتاج إلى جهد هندسي وزراعي كبير. أما المزارعون الذين فقدوا معداتهم وحيواناتهم ومدخراتهم، فيحتاجون إلى دعم مباشر قصد الانخراط مجددا في دورة الإنتاج. ما يعني أن التعافي لن يكون سريعًا، وأن خطر المجاعة سيظل قائمًا إذا لم تُتَّخذ خطوات جريئة.
تتطلب مواجهة هذه الأزمة تدخلًا شاملًا على مستوى الدولة والمنظمات الدولية، فمن الضروري توفير دعم عاجل لحوالي 1.2 مليون مزارع. كما يجب إصلاح البنية التحتية للري، وبناء مخازن جديدة، وتوفير بذور محسّنة، وإنشاء برامج تأمين زراعي فعّالة، إلى جانب وضع خطط للإنذار المبكر عن المجاعة. هذه الخطوات ليست رفاهية، بل ضرورة وجودية لضمان قدرة السودان على استعادة أمنه الغذائي.
ختاما، يتضح أن الحرب في السودان لم تُدمّر قطاعًا اقتصاديًا فحسب، بل ضربت قلب النظام الغذائي للبلاد. وتبيّن الأرقام أن التحديات هائلة، وأن المجاعة ليست مجرد حالة طارئة بل خطرا يهدد مستقبل البلاد لسنوات قادمة. بذلك تكون إعادة بناء القطاع الزراعي ليست مجرد خيار، بل الطريق الوحيد لإنقاذ ملايين البشر، واستعادة استقرار البلاد الاقتصادي والاجتماعي.