تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 18 يناير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
رأي

السودان: التنظيم الدولي المفترض

16 ديسمبر, 2025
الصورة
السودان: التنظيم الدولي المفترض
Share

إن المتابع للحرب التي اندلعت في الخامس عشر من أبريل/ نيسان 2023، بتمرد قوات الدعم السريع، سيلاحظ أن سرديات اندلاع الحرب واستمرارها تأتي في شكل موجات. وبخلاف ما تقدمه المؤسسات الرسمية للدولة من جهة، وقوات الدعم السريع من جهة أخرى؛ فإن سردية بعض القوى المدنية، التي ادعت أنها تقف في الحياد بين طرفي النزاع، هي مثار الاهتمام. بدأت القوى السياسية بتنسيب الحرب للنظام البائد والمؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، قبل أن تتحول فجأة لحرب الإخوان المسلمين. ما مدى دقة هذا التحول؟ وكيف لا يتسق مع موقف القوى السياسية حول موقفها الحالي من الإسلاميين؟ وما الدافع أساساً من هذا التحول؟

ما قبل الإخوان

خرج البيان الأول لقوى الحرية والتغيير(قحت)، في اليوم التالي للحرب، ليذكر أن فتيل المعركة أشعله فلول نظام المؤتمر الوطني البائد، قبل أن يختم البيان بدعوة المواطنين للتصدي لمخططات المؤتمر الوطني. خرجت قحت بعدها بيومين في بيان جديد ذكّر بضرورة عزل خطاب النظام البائد، وذكرت المواطنين بذات الأمر في بيانها يوم عيد الفطر. لم ترد إشارة سوى لعبارة النظام المباد في البيان الذي نشر بعد ستة أشهر من الحرب.

في خضم هذه الأوضاع، وُلدت تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم) لترث بشكل ما دور قحت كواجهة للقوى المدنية. وعبرت "تقدم" في أول بيان لها، في نوفمبر/تشرين الأول 2023، أن العملية السياسية التي يجب أن تشارك فيها جميع القوى السياسية باستثناء حزب المؤتمر الوطني/ الحركة الإسلامية وواجهاتهم. وقد أكد البيان الختامي لاجتماعات المكتب القيادي لقوى الحرية التغيير، الذي عقد في القاهرة أواسط نوفمبر/تشرين الأول 2023، ما جاء في بيان "تقدم" الأول الرافض لمشاركة "المؤتمر الوطني/ الحركة الإسلامية"، والتذكير بأنهم السبب وراء اندلاع الحرب.

حق السودانيين في محاسبة المؤتمر الوطني حق أصيل، يقدره السودانيون بأنفسهم، وليسوا بحاجة لإذن أو عطية من أحد ليوجههم كيف يمارسوا هذا الحق

طرحت "تقدم" في 29 نوفمبر/تشرين الأول، خارطة طريقها لإنهاء الحرب وتحقيق السلام. بطبيعة الحال تكررت الإشارة لحزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية كأسباب للحرب وأطراف لا ينبغي لها المشاركة في العملية السياسية. عند انعقاد المؤتمر التأسيسي ل"تقدم" في أديس أبابا، في أواخر مايو/آيار 2024، جاء البيان الختامي للمؤتمر مؤكداً رفض مشاركة المؤتمر الوطني وواجهاته في أي عملية سياسية.

بروز الإخوان

في الفترة الأخيرة، بدأت القوى السياسية ذاتها تداول مصطلح الإخوان المسلمين بشراهة بعد أن غاب لأكثر من عام. ومرد هذا التداول ليس بروز دور للإخوان المسلمين في السودان، بل لاكتشاف القوى المدنية أن الحرب هي في الأصل بسبب الإخوان المسلمين الذين حكموا السودان لمدة ثلاثة عقود. تمظهرت هذه الشراهة من خلال التصريحات واللقاءات التي يجريها قادة القوى السياسية التي ورثت "قحت" ثم "تقدم"، والآن تبرز تحت راية التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود).

كانت قناة سكاي نيوز عربية رأس رمح هذه المنصات؛ حيث بدأت بإنتاج أفلام وثائقية عن نظام الإخوان المسلمين في السودان، ودوره في عدم استقرار المنطقة. وإعلان بعض الأطراف عن استعدادهم لتقديم أدلة تثبت تورط " الإخوان في السودان".

ومن ضمن المشاركين في هذه الحملة، خالد عمر يوسف، القيادي بحزب المؤتمر السوداني وتحالف صمود. أصبحت ثنائية الحركة الإسلامية/ المؤتمر الوطني لاغية، ليصبح الإخوان المسلمين هم الفاعل الرئيسي، وتلتحق بالإخوان عبارة الحركة الإسلامية أو المؤتمر الوطني، أحياناً يتم الاكتفاء بالإشارة للإخوان فقط. وأطلق خالد العنان لبرنامج بودكاست بعنوان "للحقيقة والتاريخ" حاول من خلال عدد من حلقاته تقديم أي شيء إلا الحقيقة. وقدم خالد شهادة أمام البرلمان الأوروبي في 9 ديسمبر/كانون الأول الحالي، يحكي من خلالها تجربة الإخوان المسلمين في حكم السودان، وكيف أنهم هم التنظيم المرجعي لمختلف جماعات الإخوان المسلمين، ولماذا يجب تصنيفهم كجماعة إرهابية في أوروبا. وذهب للقول بأن تنظيم السودان كان السبب في الإرهاب الدولي الذي اجتاح أوروبا والعالم.

هل حكم الإخوان السودان؟

وصلت الجبهة الإسلامية القومية للسلطة عبر انقلاب عسكري في 30 يونيو/تموز عام 1989، والذي أسماه قادة الانقلاب ثورة الإنقاذ الوطني. وقد كانت الجبهة الإسلامية القومية ضمن القوى الممثلة في الجمعية التأسيسية (1986-1989) بعدد نواب تجاوز الخمسين. استفادت الجبهة من المصالحة الوطنية التي عقدت مع نظام جعفر نميري (1969-1985) عام 1977، وتمددت عبرها داخل أجهزة الدولة المختلفة، واستفادت من اشتراكات كوادرها في الخارج لإقامة استثمارات عديدة في مختلف القطاعات، مثل: المصارف والإعلام. وقد أتاح العمل تحت مظلة الاتحاد الاشتراكي؛ التنظيم السياسي الأوحد في تلك الفترة، غطاء للإخوان المسلمين للعمل والتوسع في بناء التنظيم.

دفعت الحركة ثمن التمدد عام 1980، عندما وقع الانشقاق الكبير. فقد خرج صادق عبد الله عبد الماجد (1926-2018) في سبتمبر/أيلول عام 1980 ليعلن رفض توجهات حسن الترابي (1932 -2016) التصالحية مع نظام نميري. وقد حاجج صادق دفاعاً عن انشقاقه بعدد من العوامل منها: عدم الرضى عن الاتجاهات التنظيمية للحركة بقيادة الترابي، تمسك صادق بموالاة التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وتفضيل صادق لمدرسة التربية، واستيائه من إعلان الترابي لصحيفة خارجية حل تنظيم الإخوان المسلمين.

من سخرية الأقدار أن خالد عمر يوسف لم يستطع رؤية العدوان الخارجي على السودان؛ فجعله مفترضاً. لكنه في ذات التوقيت قادر على افتراض وجود الإخوان المسلمين في السلطة بالسودان، ويتعداه إلى كونهم مركزاً للتنظيم الدولي ينبغي على التصنيف الأمريكي للإرهاب أن يبدأ به لا بالأفرع الأخرى

تصاعدت حدة الخلافات بين الترابي والتنظيم الدولي للحد الذي دفع مجلة المجتمع الكويتية، الناطقة باسم الإخوان المسلمين، لنشر مقال في عددها ال 847 بعنوان: "ماذا يريد الترابي وسعد الدين؟". كان المقال هجوماً لاذعاً على الترابي لدرجة وصف أفكاره بالشاذة الخارجة عن أهل السنة والجماعة، وأن رفض الترابي للانتماء تنظيمياً للتنظيم الدولي بحجة عدم معرفة من هم خارج السودان بأوضاع السودان، وبالتالي عدم أهليتهم لاتخاذ قرارات عنه؛ لم يكن إلا تغطية منه للخلافات حول المفاهيم والأفكار. عادت المجتمع في عددها التالي لتصف محاولات الترابي لخلق كيان جديد خارج أطر التنظيم الدولي بأنه مشروع الضرار.

ومن نافلة القول التذكير بأن الانقلاب الذي أتى بالعميد، وقتها، عمر حسن أحمد البشير الذي جثم على صدور السودانيين ثلاثة عقود، لم يكن من ورائه صادق عبد الله عبد الماجد أو التنظيم الدولي للإخوان، بل كان بدعم وتخطيط من حسن الترابي الذي لم يفارق درب التنظيم الدولي فحسب؛ بل ناصبه العداء جهاراً نهاراً.

ماذا عن الشعبي؟

لم يدم الوئام داخل التنظيم الإسلامي الحاكم؛ فقد وقع الانشقاق آخر في ديسمبر/كانون الأول عام 1999. شهد هذا الانشقاق، المعروف باسم المفاصلة، إبعاد القادة العسكريين بقيادة البشير ومعه ثلة من المدنيين لزعيم الحركة حسن الترابي. خلال هذه الفترة بين عامي 1989 -1999 عدداً من الأحداث. وقفت السلطات الحكومية مع العراق في غزوها للكويت عام 1990. واستضاف السودان بعدها المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي عامي 1991 و1993، ومن ثم تصنيف السودان ضمن الدول الراعية للإرهاب من قبل الولايات المتحدة عام 1993، وتبعها فرض عقوبات اقتصادية على السودان عام 1997. وبعدها بعام وقعت التفجيرات في سفارتي الولايات المتحدة دار السلام ونيروبي.

يأتي هذا الفيض من المعلومات كتلة واحدة كلما تحدث القوى المدنية عن حكم الإسلاميين وصلته بالإرهاب الدولي. لكن البشير الذي حكم السودان ثلاثين عاماً كان ضد غزو الكويت ، بعكس حسن الترابي؛ بل إن البشير كان قد وعد دول الخليج ومصر في أغسطس/آب من العام 1990 بالوقوف إلى جانب الكويت، قبل أن يستبقه الترابي بالإعلان الرسمي عن تأييد صدام.

وللمفارقة أن المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي كان مثار غضب البشير والعسكريين، واستقال منهم أعضاء بسبب ما تبدى للعالم عن سيطرة الترابي على المشهد، وظهور قادة الانقلاب كواجهات فقط، كما أورد التجاني عبد القادر في كتابه عن نزاع الإسلاميين. وقد قدمت الحكومة ممثلة في البشير وأجهزة أمنه للولايات المتحدة عروضاً لتقديم معلومات عن أعضاء المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي، وذهب البشير لعرض وصول غير مشروط لعناصر مكتب التحقيقات الفدرالي الأمريكي وتسهيل تحركاتهم في السودان. وقد ذكر الترابي نفسه بحسرة، في شهادته على العصر، أن القصر الجمهوري، في إشارة للبشير، جاء ليلغي المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي من الوجود بجرة قلم.

تنفست حكومة البشير الصعداء بعد الإطاحة بالترابي، وكانت الإمارات على رأس الدول التي رحبت بخطوة المفاصلة، وأعادت مستوى التمثيل الدبلوماسي على مستوى السفراء. وبعد المفاصلة بشهرين زار البشير الكويت للمرة الأولى بعد الغزو العراقي.

ليس الغرض في هذه الفقرة مدح فصيل البشير أو قدح فصيل الترابي، ولا الغرض تثبيت مسألة الإرهاب على السودان من عدمه؛ فقد أغنت رسالة ماجستير كتبت بمعهد البحرية للدراسات العليا بالولايات المتحدة حول عدم دقة المعايير لتصنيف السودان كدولة راعية للإرهاب. أشارت الرسالة لدول أخرى، مثل بولندا وألمانيا الشرقية والعراق، استضافت ذات المنظمات التي استضافتها الحكومة السودانية ولم يتم وضع تلك الدول في القائمة على عكس السودان. وقد عرج الباحث إلى تفجيرات السفارات الأمريكية التي وقعت في أمريكا اللاتينية مثل البيرو، لكنها لم تجد الزخم الذي أحدثته تفجيرات دار السلام ونيروبي.

من الملاحظ أن خطاب قادة صمود تجاه الدعم السريع أقل حدة من الخطاب تجاه الإسلاميين الذين هم في عرف صمود السبب الأوحد والأبرز للحرب. يرفض قادة صمود تصنيف الدعم السريع كمنظمة إرهابية، لأن ذلك قد يعرقل مساعي السلام، لكنهم في ذات الوقت يسعون لتصنيف الحركة الإسلامية، سبب الحرب، كمنظمة إرهابية. وعندما يواجهون بموقفهم الرافض للإسلاميين، يخرجون للقول بأنهم ليسوا ضد الإسلاميين من حيث المبدأ، بل نحن ضد فصيل المؤتمر الوطني وعناصره الذين حكموا البلاد لمدة ثلاثين عاماً. يذهبون في تبرير موقفهم بضم هياكلهم لحزب المؤتمر الشعبي، وهو الحزب الذي أنشأه الترابي بعد المفاصلة عام 2000. يقولون إن المؤتمر الشعبي قد اعتذر عن تلك الفترة من حكم الإنقاذ، وأصبحت مواقفه أقرب لقوى الثورة. مع العلم أن قائمة الاتهام التي يحملها عناصر صمود، ويخرجونها في تطوافهم على الدول الغربية، أقرب من ناحية المنطق لجعل المؤتمر الشعبي هو الأحق بالعداوة من المؤتمر الوطني، أو ما بات يعرفونه بالإخوان المسلمين.

كلمة السر

تزامنت خطوات القوى المدنية المتسارعة حول أخونة المؤتمر الوطني في السودان مع الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في نوفمبر المنصرم مصنفاً أفرع التنظيم الدولي للإخوان المسلمين في كل من مصر والأردن ولبنان كمنظمات إرهابية، مع فترة ثلاثين يوماً يتشاور خلالها عدد من المسؤولين الأمريكان على رأسهم وزراء الخارجية والخزانة، ومن ثم يقوموا بتسليم تقرير حول تصنيف الجماعة وأفرعها. وقد سبق الأمر التنفيذي، في يوليو/حزيران الماضي، تحرك تشريعي طرح خلاله مشروع قانون لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية.

يزداد الأمر غرابة، إذا ما عدنا لبضع سنوات للوراء. وقتها كان خالد عمر يوسف نفسه يدعو للعدم مقاطعة الانتخابات في 2020، ودافع عن موقفه ذاك بمناظرة، عام 2018. ثم جاءت الانتفاضة أواخر ذلك العام بغتة لتفاجئ خالد وقادة المعارضة الذين كانوا يفاوضون الحكومة في أديس أبابا. خرج خالد نفسه في ندوة داعياً لعدم الانجرار وراء الشعارات الانتقامية التي تدعو لسحق المؤتمر الوطني "أي كوز ندوسو دوس" مذكراً بما جرى في العراق من محاولات لاجتثاث البعث.

إن الانقلاب الذي أتى بالعميد، وقتها، عمر حسن أحمد البشير الذي جثم على صدور السودانيين ثلاثة عقود، لم يكن من ورائه صادق عبد الله عبد الماجد أو التنظيم الدولي للإخوان، بل كان بدعم وتخطيط من حسن الترابي الذي لم يفارق درب التنظيم الدولي فحسب؛ بل ناصبه العداء جهاراً نهاراً

يبقى التفسير الأوحد أمام هذا التحول هو التحدث نيابة عن دولة أخرى، وتعبيراً عن مواقفها. فقد تطابقت دعوة خالد لتصنيف الإخوان المسلمين في أوروبا كمنظمة إرهابية، خلال حديثه أمام البرلمان الأوربي، مع حراك لتصنيف الجماعة في أوروبا؛ وهو حراك تدفع في سبيله أموال لجماعات ضغط. وليس من قبيل الصدفة أن استماتة خالد لنفي العدوان الخارجي على السودان و وصفه بالمفترض، يقود لذات الدولة التي يردد خالد صدى خطابها وحديثها، بمعية قادة صمود، ضد الإخوان المسلمين.

حق السودانيين في محاسبة المؤتمر الوطني حق أصيل، يقدره السودانيون بأنفسهم، وليسوا بحاجة لإذن أو عطية من أحد ليوجههم كيف يمارسوا هذا الحق. ومسألة تجريم أي نظام سياسي من عدمها تفتقد أصالتها عندما نجعل من شفاهنا أبواقاً لآخرين. وللمفارقة أن النظام الذي ثار عليه السودانيون لم يكن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، بل كان نظاماً سياسياً يهاجم قائده، المخلوع عمر البشير، التنظيم الدولي للإخوان المسلمين عبر ذات المنصات التي تخرج عبرها القوى المدنية لاختلاق وجود الإخوان في السلطة.

من سخرية الأقدار أن خالد عمر يوسف لم يستطع رؤية العدوان الخارجي على السودان؛ فجعله مفترضاً. لكنه في ذات التوقيت قادر على افتراض وجود الإخوان المسلمين في السلطة بالسودان، ويتعداه إلى كونهم مركزاً للتنظيم الدولي ينبغي على التصنيف الأمريكي للإرهاب أن يبدأ به لا بالأفرع الأخرى.

المزيد من الكاتب