تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السبت 11 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
كتب

"السرقة" وأطلس عبد الرزاق قرنح الصغير: سِفر الهزائم والبحر والهوية المرتبكة

21 مارس, 2026
الصورة
"السرقة" وأطلس عبد الرزاق قرنح الصغير:  سِفر الهزائم والبحر والهوية المرتبكة  ت
Share

صدر اسم الروائي التنزاني عبد الرزاق قرنح القائمة الطويلة التي أعلنتها لجنة جائزة "غريغور فون ريتسوري" الأوروبية (12 مارس/ آذار الجاري) لعام 2026 عن روايته "Theft" (السرقة- 2025) بترجمتها الإيطالية "Furto"، وهي الرواية التي أدرجتها منصات أدبية وصحفية مرموقة في قوائمها عن أهم الكتب التي صدرت في العام الماضي على مستوى العالم.

يحكي قرنح، الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 2021، عن روايته بتأثر بادٍ في فيديو قصير بثته دار النشر على وسائل التواصل الاجتماعي أنها رواية عن الظلم، وكيف يتعلم الناس مجابهته، وكيف أن فكرة الرواية، التي تدور حلال ثلاث شخصيات مهمشة تختبر الحياة معًا من مطلع الشباب إلى النضج، ومحاولة جعلها حياة ذات قيمة، قد واتته خلال زيارة لأحد الفنادق الصغيرة في زنجبار وولعه به. وأن الفكرة الرئيسية للرواية حول مدى ظلم الاتهام الجائر باللصوصية، ومجازاتها في مسائل أكثر عمقًا مثل: الهوية والنضال الإنساني الفردي، على خلفية عالم بحري منفتح على موجات متلاحقة من التأثير البشري والتاريخي (سلبًا وإيجابًا)، وتثير بدورها إشكالية الهوية من زوايا متباينة أو متناقضة في مستويات أعمق.

نضالات صغيرة.. جروح عميقة!

أكد قرنح في مقابلة أجرتها معه "نيويورك تايمز" حول روايته "السرقة" أنه ينظم الكتب في أرفف مكتبته بوضع مجموعة كل مؤلف معًا؛ في دلالة على طريقة تفكيره المنظمة، ونظرته لمؤلفات كل كاتب على أنها "كتاب واحد بين أغلفة متعددة"، وهو ما يمكن معه فهم مجمل كتابات قرنح، لاسيما الروائية منها، كمشروع واحد تلهمه أفكار ثابتة مثل مأزق الهوية، واليتم (الإنساني والاجتماعي)، والنضالات الفردية الصغيرة التي تقوم بها شخصياته في مواجهة العقبات.

يتناول عمله "السرقة" قصة الصبي بَدَر الذي يعمل خادمًا في أحد منازل مدينة دار السلام في تسعينيات القرن الماضي، ويُتهم زورًا بإضافة بقالة لفاتورة المنزل الأسبوعية ثم بيعها لشركاء، لكن لم تتوفر دلائل على جنوح بدر لارتكاب مثل هذه السرقة، ويرى كل من حاجي وريا (سيدا بَدَر اللذان يتعاملان معه برفق بالغ) أن البائع هو من غشهما. لكن "العم عثمان"، مالك المنزل والذي لم يحب بَدَر على الإطلاق على خلفية صلة الأول المشحونة مع والد بَدَر في حقبة سابقة، يصمم على طرد الأخير من المنزل. ويبادر كريم، ابن ريا من زواج سابق، بإغاثة بَدَر عبر تدبير غرفة له في زنجبار وتأمين عمل في أحد فنادقها.

"الشيء الذي كان دافعًا لي في كل تجارب الكتابة التي مررت بها فكرة أن تفقد مكانك في العالم"

ثم تتبع رواية "السرقة"، بعد إحاطة وجيزة بالوضع الاجتماعي والسياسي في زنجبار في فترة ما بعد الاستقلال 1964 والوحدة مع تنجانيقا، الحيوات المتشابكة لكل من كريم وفوزية وبدَر، ويعيد قرنح سرد حكاية البطل الذي عانى منذ طفولته، إما باليتم أو العمل لتسديد دين الأب (الجنة- 1991) الذي تيتم أو هجرته أمه عبر شخصية كريم الذي تركته أمه بعد زواجها مرة أخرى في رعاية أبويها قبل انتقالها للعيش في مدينة دار السلام.

ينمو كريم طالبًا نابغًا، ويحصل على منحة علمية للدراسة في دار السلام، ثم تحصل على وظيفة حكومية، وتزوج من فوزية التي كانت ذات يوم طالبة نابغة كان تأمل في أن تصبح معلمة. أما َبَدر، الذي تخلت عنه عائلته بالتبني، فإنه يصبح خادمًا في منزل رايا وحاجي خلال فترة مراهقته ويخدمهما لسنوات. وجراء اتهامه الخاطئ بالسرقة توصد أمامه أبواب العمل إلى أن يجد عملًا في فندق بمعاونة كريم.

في الوقت نفسه يبدأ زواج كريم وفوزية في التدهور مع دخول متطوع إنجليزي في حياتهما الشخصية. ثم يحدث تقارب بين فوزية وبدر، بينما يقرر كريم ترك زنجبار والتوجه نحو أوروبا، مع ملاحظة ثراء الرواية بتواريخ محددة تتعلق بسياسات حزب الأمة وإرسال الرفاق إلى كوبا لتلقي التدريب العسكري هناك، وإشارات لحوادث مثل مذبحة سيربرنيتشا في نهاية الرواية.

زنجبار وتحولات الحرب الباردة!

أشار قرنح إلى أن فكرة الرواية، التي بدأ كتابتها قبل الفوز بجائزة نوبل، قد واتته عند رؤية الفندق الذي تدور فيه أحداثها، وكان يعرف باسم "Masri Hotel"، وكان المبنى بالأساس مقر إقامة مؤقت لزوار الجزيرة من العسكريين، في البداية من السوفييت والصينيين وغيرهم من الخبراء في عهد "الحرب الباردة". ثم في السنوات التالية من الدول الغنية الذين جاءوا لتقديم المشورة لحكومة زنجبار "وقد دفعت لهم بلدانهم ومنحتهم سيارات فارهة، وربما كانت مشورتهم محل امتثال أم لا، لكن حكوماتهم كانت تفاخر بكرمها، فيما كانت تستولي على أقصى ما يمكنها من هذه العلاقة. كما وفرت عمل لرفاقهم (في إشارة لسكان الجزيرة من الأصول العربية؟)، ويستكمل قرنح وصفه بأنه ظل كمبنى شاغرًا لفترة طويلة من الزمن، إلى أن جاء الوقت الذي تقدم فيه كونسرتيوم لضخ مال في تجديده، واستحوذوا على المبنى بالتعاون مع رجال أعمال في الجزيرة، وتحويله إلى فندق دولي بمطعم "من الفئة العالمية، ما يعني تقديمه طعام مما يأكله الأثرياء".

إن روايته تسرد أشكالًا شتى من السرقات، ومن بينها الاستعمار بوصفه السرقة الكبرى في زنجبار، وجاءت فكرة قرنح متسقة تمامًا مع حيثيات منحه جائزة نوبل للآداب عام 2021

تتقاطع الرواية بشكل واضح مع حياة قرنح، الذي كان مراهقًا في فترة الثورة في زنجبار (1963-1964)، وشهد نجاح الثوار في إسقاط الحكم العربي- العماني، مما اضطر معه قرنح وأسرته إلى الفرار من العنف إلى إنجلترا، وكما ذكر قرنح في مقابلة شهيرة مع النيويورك تايمز (2021) فإن "الشيء الذي كان دافعًا لي في كل تجارب الكتابة التي مررت بها فكرة أن تفقد مكانك في العالم"، الأمر الذي يتناص مع تاريخ جزيرته- موطنه التي شهدت تداخل قوى الاستعمار من البرتغال وألمانيا وإنجلترا وعمان وغيرها.

كما تختبر الرواية في شكل الدراما الأسرية التي جنحت إليها مآلات أهداف ثورة زنجبار، كما أوجزتها مطبوعة للحزب الأفريقي- الشيرازي (دار السلام- 1970) عن تاريخ أفارقة زنجبار وتكوين الحزب بتحقيق المساواة بين جميع سكان الجزيرة عبر "التخلص من القمع والاستغلال والرأسمالية، وتحسين اقتصاد البلاد ونشر التعليم والقضاء على المرض ورفع مستوى المعيشة لجميع سكان البلاد"، وسياسة الحزب الأفريقي- الشيرازي لتحقيق وحدة جميع بلدان أفريقيا، والتي طبقها عمليًا في 24 أبريل/نيسان 1964 بالدخول في وحدة مع تنجانيقا، لتصبحا تنزانيا لاحقًا.

وبغض النظر عن موقف قرنح الأيديولوجي من تاريخ بلاده وسرديته، والذي يرتبط بتجربته الشخصية، فإنه أوضح في حديث مطول لمجلة Open (18 أبريل/نيسان 2025) أن روايته تسرد أشكالًا شتى من السرقات، ومن بينها الاستعمار بوصفه السرقة الكبرى في زنجبار، وجاءت فكرة قرنح متسقة تمامًا مع حيثيات منحه جائزة نوبل للآداب عام 2021، ومنها "توغله في آثار الاستعمار ومصير اللاجيء في الفجوة ما بين الثقافات والقارات"، والتي يربط بينها البحر، بقدر ما تتسع فيه الفجوة.

سِفر البحر: العالم في أطلس الطفل الصغير

لفت قرنح إلى أن أكثر الهدايا التي أثارت شغفه طوال حياته كانت أطلسًا ملونًا تلقاه وهو طفلٌ في عمر 12 عامًا؛ ووصفه بأنه ضخم وموسوعة مصورة، مكتظ بحكايات عن شعوب العالم المختلفة، وسبل حياتهم، وهو الكتاب الذي يبدو أن أثره دائما في عقله ونظره للعالم، إذ رأى أن من أهم الكتب التي قرأها مؤخرًا كتاب عن كوندور الأنديز، النسر الضخم الذي يستوطن في أمريكا الجنوبية، ويتمتع بقدرات بدنية فائقة بجناحين يقترب طولهما من 3.5 متر، وما تناوله الكتاب من أهمية ثقافية لهذا النسر.

أكثر الهدايا التي أثارت شغفه طوال حياته كانت أطلسًا ملونًا تلقاه وهو طفلٌ في عمر 12 عامًا؛ ووصفه بأنه ضخم وموسوعة مصورة، مكتظ بحكايات عن شعوب العالم المختلفة، وسبل حياتهم، وهو الكتاب الذي يبدو أن أثره دائما في عقله ونظره للعالم

وكأن عالم قرنح الروائي، وما أحاط به من احتفاء دولي وأفريقي، ذلك الأطلس الصغير فعلًا، كما لمع في عيني غورنة طفلًا مبهورًا، كما نحن جميعًا، بألوانه البكر؛ وحاول نقله لنا، عبر 12 رواية ثرية، بلغة سلسة وبمضامين عميقة، تليق بروائي أفريقيا الأبرز راهنًا. وعلى سبيل المثال، أو التماهي مع أطلس قرنح الصغير وروحه، يمكن أن نلحظ سلسلة غرائبية من الشواهد؛ منها ترشيح روايته "السرقة" مع زميلته المصرية الروائية إيمان مرسال عن روايتها "في أثر عنايات" Sulle Tracce Di Enayat (2019)، لتتجاوز مصادفة أنهما يمثلا أفريقيا وأدبها المنقول للإيطالية في العام 2025-2026، إلى الدلالة التاريخية (ربما) لتسمية الفندق بالمصري (الذي كان يملكه عمانيون قبل ثورة 1964)، إلى تلقي آخر سلاطين زنجبار في الحكم العربي- العماني السيد جمشيد بن عبد الله البوسعيدي (1963-1964) تعليمه الأساسي في مدرسة فيكتوريا كولدج بمدينة الإسكندرية في مصر، والتي كانت حاضرة بدورها في بعض صفحات رواية حقيقية كتبتها بطلة "في أثر عنايات" (رواية الحب والصمت- القاهرة 1970)، ونشرت بعد وفاتها (1963)، وما أشار له قرنح ضمنًا من تحولات الحرب الباردة، ومن بينها موقف مصر من "استقلال زنجبار" ودعمها الوحدة بين تنجانيقا والجزيرة بقيادة يوليوس نيريري، إلى جانب الأمر الذي رصده و. هـ. انجرامز في كتابه المرجعي "زنجبار: تاريخها وشعبها" (1931) بتفصيله في الفصل الرابع التأثير المصري في زنجبار منذ وصول رحلات الملوك الفراعنة وقبل تأثيرات فينيقية ويهودية ويونانية وسبأية وحميرية حسب انجرامز.

لكن الأهم في هذا الأطلس الغني بمصادفاته "المرتبة" ونوافذه على العالم، في السياق الأدبي الراهن، هو عمق التشابه بين شخصيات "السرقة" ومعاناتها من الظلم وتعقيد الهويات، وشخصية "عنايات" في رواية مرسال التي انتحرت شابة لتصبح "المطرودة من الأرشيف الرسمي، والمنزوية في غرفة جانبية في مقبرة العائلة، تعرف ماذا تريد. لقد أرادت أن تظل حرة وخفيفة، بلا أرشيف شخصي، ولا شجرة عائلة، ولا شاهد قبر".

كما يباغتنا هنا أن نص مرسال ينتهي بملاحظتها لفتاة صغيرة في صالة انتظار بأحد المطارات ترفع نظارتها الطبية "كأنها طائرة رافعة إياها على ظهر الكراسي وعاليًا في الهواء"، ويتبين من حوار قصير مع أمها استنكار الطفلة- ببراءة خلابة- وضع النظارة على عينيها وهي نائمة لئلا تحجب عنها الأحلام، فيما جاءت سطور رواية قرنح الأخيرة بشاعرية لا تقل عما سبق، مع دلالة على عزيمة لمجابهة الهزائم الصغيرة، أو الكبيرة، بمزيد من النضال: "وفي النهاية كان الأمر بالغ السهولة، فقد استاجرت حوا (صديقة فوزية من أيام الدراسة الثانوية، والتي بدأ ذكرها في الفصل التاسع من الرواية) سيارة شركة السياحة، الأمر الذي اعتادته، وأقلتهم إلى شاطئ مانجابواني. وكانت تلعب مع نصرة (ابنة فوزية وكريم) عند طرف الماء بينما جابت فوزية وبَدَر الشاطئ ذهابًا وإيابًا، وبدون أن تتفوه بكلمة أمسكت فوزية يده وتمشيا على هذا النحو بمحاذاة أجمة النخيل الملامسة للبخر. توقفا هناك ثم عادا إلى حوا ونصرة. وعندما رأت "حوا" ما آلت إليه الأمور رفعت حاجبيها للسماء وابتسمت. على نحو لا تخطئه عين، كما رأيت".