تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 12 يوليو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

السنغال في مفترق الطرق: عندما تصطدم الشرعية الشعبية بالصلاحيات الرئاسية

24 مايو, 2026
الصورة
السنغال في مفترق الطرق: عندما تصطدم الشرعية الشعبية بالصلاحيات الرئاسية
Share

تجاوز القرار المفاجئ للرئيس السنغالي، باسيرو ديوماي فاي، ليلة الجمعة الماضي، والذي يقضي بإقالة رئيس الوزراء عثمان سونكو وحل حكومته، حدود الإجراء الدستوري العابر، ليحدث زلزالا سياسيا غير متوقع في مشهد سياسي عرف تاريخيا بالاستقرار، وسط منطقة غرب أفريقيا الغارقة في أتون الفوضى والاضطراب.

يفض الرئيس فاي بموجب هذه الخطوة رسميا الشراكة السياسية مع حليفه الوثيق ورئيس وزرائه، لينهي بذلك التحالف التاريخي "فاي - سونكو"، المعروف في الإعلام المحلي ب"ثنائية الزنزانة والقصر"، ما يدفع البلاد نحو مشهد سياسي غامض ومفتوح على كل الاحتمالات.

في أول رد فعل على هذا المنعطف الحاسم، علق رئيس الوزراء المُقال بتغريدة مقتضبة على منصة إكس جاء فيها: "الحمد الله.. الليلة سأنام بقلب خفيف في حي كور غورغي"؛ في إشارة إلى مقره الخاص في العاصمة، بعيدا عن أسوار القصر الحكومي. تعليق يرى فيه الكثيرون ذاك الهدوء الذي يسبق العاصفة، فالقرار يبدو محاولة لإعادة رسم الخارطة السياسية في البلاد، ويمهد لصدام حتمي بين الشرعية الدستورية والشرعية الشعبية.

قبل الوصول إلى السلطة

يُصنّف قرار الجمعة الماضي كأخطر تحوّل سياسي تشهده السنغال منذ تولي تحالف "باستيف" مقاليد السلطة في دكار؛ خصوصا وأن الشراكة بين الرئيس "فاي" ورئيس وزرائه "عثمان سونكو" تُقدّم بأنها نموذج لتحالف سياسي فريد، وُلِد من رحم المعارضة والسجون والمواجهة المشتركة ضد النظام السابق.

تشكلت ملامح المشهد السياسي الراهن في السنغالي بناء على معادلة سياسية فريدة أفرزتها الانتخابات الأخيرة؛ فالرئيس فاي ارتقى إلى سدة الرئاسة مستندا إلى الكتلة التصويتية والشرعية السياسية لشريكه عثمان سونكو، الذي حال الإقصاء القضائي دون ترشحه. فقد لعب الرجل دورا محوريا في تعبئة الشارع السنغالي، بفضل خطابه الشعبوي القائم على الوحدة الأفريقية، وانتقاد النفوذ الفرنسي في غرب القارة.

تعليق يرى فيه الكثيرون ذلك الهدوء الذي يسبق العاصفة، فالقرار يبدو محاولة لإعادة رسم الخارطة السياسية في البلاد، ويمهد لصدام حتمي بين الشرعية الدستورية والشرعية الشعبية

تكرّست هذه الثنائية كحجر زاوية في ضبط موازين السلطة وضمان الاستقرار السياسي بالسنغال. وتجلّى التماهي البنيوي إبّان الحملة الانتخابية في الشعار المركزي "ديوماي هو سونكو"؛ وهو الشعار الذي طُرح من خلاله الرئيس الحالي بوصفه الوريث الشرعي والامتداد الفكري لمشروع حزب "باستيف"، مما جعل الثنائية عقيدة سياسية لإدارة الدولة لا مجرد تحالف عابر.

مع توالي الأيام في السلطة بدأ تتجلى الفجوة بين الشرعية الجماهيرية والمشروعية الدستورية؛ فبرغم الثقل الشعبي الذي يحوزه سونكو، تظل الغلبة في النظام السياسي السنغالي للمأسسة الرئاسية، حيث يملك الرئيس فاي الصلاحية الحصرية لإعفاء رئيس وزرائه بموجب مرسوم رئاسي. بذلك، اصطدمت طموحات سونكو بالترسانة القانونية للدولة، ليجد نفسه مستبعدا بقرار من حليفه الأبرز وصنيعته السياسية في الانتخابات الأخيرة.

جذور الشقاق وعقدة "الرئيس الفعلي"

حاول الحزب الحاكم خلال تواجده في السلطة تسويق نموذج القيادة الثنائية المتناغمة كخيار استراتيجي لإدارة الدولة؛ بيد أن بذور الصدام كانت كامنة في طبيعة توزيع الأدوار ذاتها. فصعود ديوماي فاي إلى سدة الرئاسة كـان بديلا اضطراريا بعد حرمان سونكو قانونيا من الترشح. لكن بمجرد جلوس فاي على كرسي الرئاسة، تداخلت الصلاحيات الدستورية للمنصب مع النفوذ المعنوي والسياسي لسونكو، لتطفو معضلة الرجلين القويين إلى السطح، وتتكشف خيوطها في كواليس القصر الرئاسي.

منذ الأشهر الأولى في الحكم، وجد الرئيس فاي نفسه أمام معادلة سياسية بالغ الحساسية؛ حيث تفرض عليه أدبيات الوفاء للحزب التزاما معينا، في وقت تدفعه مقتضيات "السيادة الرئاسية" نحو إثبات الذات وتأكيد استقلاليته، داحضا الصورة النمطية لرئيس الظل أو التابع لسونكو.

رغم الثقل الشعبي الذي يحوزه سونكو، تظل الغلبة في النظام السياسي السنغالي للمؤسسة الرئاسية، حيث يملك الرئيس في السنغال الصلاحية الحصرية لإعفاء رئيس وزرائه بموجب مرسوم رئاسي

جنح فاي في محاولة لكسر هذه النمطية والتوفيق بين مستحقات الولاء ومتطلبات السيادة، نحو تبني مقاربة براغماتية لإدارة الدولة، قوامها الانفتاح على قوى مستقلة وتوسيع قاعدة التحالفات السياسية والتشبيك مع شخصيات من خارج الأطر التقليدية لحزب باستيف. هذا السلوك الاحتوائي وضع الرئاسة في مسار تصادمي مباشر مع الأجهزة التنفيذية للحزب، والتي رأت في هذا الانفتاح سعيا منهجيا ومحاولة مبطنة لإضعاف نفوذ باستيف، وتحجيم سلطته داخل مفاصل الدولة.

بدأ الشرخ يتبلور بوضوح في الأشهر القلية الماضية بين الرجلين، إذ تمنح البنية الدستورية رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة ومطقة، مما جعل ثنائية الحكم؛ رئيس شرعي ورئيس وزراء أقوى شعبيا، مشروع أزمة مؤجلة انفتقت خيوطها مع تقعد ملفات إدارة الدولة.

إكراهات الدولة لا تقبل رأسين

لا تبدو الأزمة الحالية مجرد خلاف شخصي عابر بين رئيس ورئيس حكومته، بقدر ما هي انعكاس لتصدع بنيوي أعمق يضرب معسكر التغيير الذي تسلم مقاليد السلطة قبل عامين. فالدساتير في منقطة غرب أفريقيا، والتي صيغت بمداد فرنسي تمنح رئيس الجمهورية سلطات واسعة ومطلقة لا يمكن عمليا تصريفها عبر "قيادة ثنائية"؛ ولا بأس من التذكير هنا أن المشهد ليس بالجديد، فقد سبق لدكار أن عاشت تجربة مماثلة، لم تكشف الكثير من تفاصيلها بعد، بين الرئيس ليوبولد سنغور ورئيس وزرائه مامادو دياه انتهت بالزج بالأخير في السجن مدى الحياة.

توالت الملفات الخلافية لتعجل ببلوغ نقطة اللاعودة بين الرجلين، وتحديدا عقب تفجر الخلاف حول التعاطي مع صندوق النقد الدولي الذي جمد برنامج قروض بقيمة 1.8 مليار دولار، بعدما تجاوز الدين العام عتبة 40 مليار دولار؛ أي ما يعادل 132٪ من الناتج المحلي الإجمالي. هذا المأزق المالي الحرج دفع فاي إلى تبني نهج براغماتي يسعى لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، وتفادي الاختناق الاقتصادي. في المقابل تمسك سونكو بخطاب راديكالي يرفض الرضوخ لإملاءات الصندوق، مرددا شعارات السيادة الاقتصادية ورفض التبعية.

تشكلت ملامح المشهد السياسي الراهن في السنغال بناء على معادلة سياسية فريدة أفرزتها الانتخابات الأخيرة؛ فالرئيس فاي ارتقى إلى سدة الرئاسة مستنداً إلى الكتلة التصويتية والشرعية السياسية لشريكه عثمان سونكو

لم تكن الجبهة الدبلوماسية بمنأى عن هذا الانقسام؛ إذ بدت العقيدة الخارجية للدولة منشطرة بين رؤيتين متناقضتين. فبينما يتبنى سونكو خطابا تعبويا حادا يهاجم المركزية الغربية - وتحديدا النفوذ الفرنسي الذي يتهمه بفرض قيم غريبة على المجتمعات الأفريقية - ويُلوح بتجميد ومراجعة عقود النفط والغاز مسببا حالة من الارتياب في أوساط الكارتلات الاستثمارية؛ يستميت الرئيس فاي في المقابل للحفاظ على التوازنات التقليدية للدبلوماسية السنغالية، مدفوعا ببراغماتية حذرة تدرك أن استقرار البلاد المالي والسياسي رهين بجذب الاستثمارات الأجنبية وصيانة الهدوء الإقليمي.

تبقى النقطة الخلافية التي أفاضت الكأس رفض الرئيس تعديلات البرلمان على قانون الانتخابات، بعدما بدت له مساعي التمهيد لترشح رئيس الوزراء في استحقاقات 2029؛ إذ يقضي التعديل المقترح بتقليص نطاق الإدانات الجنائية الموجبة لاستبعاد المرشحين، وحصر عدم الأهلية الانتخابية في الجرائم الاقتصادية كالفساد والاختلاس دون غيرها.

سيناريوهات ما بعد الإقالة

تتجه الأنظار إلى الجمعية الوطنية السنغالية، حيث تخوض القوى السياسية صراعا مفصليا على الأغلبية البرلمانية. في هذا المشهد، يبدو أن ائتلاف باستيف الحاكم يواجه تصدعات عمودية حتمية داخل كتلته الصلبة. وفي هذا السياق، نستعرض السيناريوهات المحتملة التي قد يستغلها سونكو لتفكيك هذا التكتل وتقويض الأغلبية الموالية للرئيس.

أولا، تفعيل ملتمس الرقابة (حجب الثقة) استنادا إلى نفوذ سونكو الواسع داخل كتلة نواب باستيف، والذين يمثلون رافعة أساسية لتوجهاته السياسية. وإذا ما نجح في حشد هذه الكتلة البرلمانية، مقترنة بتحالف تكتيكي مع قوى المعارضة التقليدية -وهو سيناريو لوّح به سابقا في مارس/آذار المنصرم- فإن خطوة تقديم ملتمس الرقابة ضد أي حكومة جديدة يشكلها الرئيس ستغدو مسألة وقت، مما يعني إسقاطها فورا والدفع بالبلاد نحو أزمة مؤسساتية مستدامة.

ثانيا، الشلل التشريعي دون سيناريو إسقاط الحكومة، يمتلك التحالف البرلماني الجديد بقيادة سونكو القدرة على تجميد القوانين الحيوية، وفي مقدمتها قانون المالية. هذا الانسداد التشريعي سيعيق فاي عن إقرار الإصلاحات الضريبية أو تدابير التقشف التي يشترطها صندوق النقد الدولي للإفراج عن المساعدات؛ مما يعني بالنتيجة عرقلة الأجندة الاقتصادية للرئاسة، ووضعها في موقف حرج أمام الرأي العام.

ثالثا، معضلة حل البرلمان إذ لا يملك الرئيس فاي خيار حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة لإعادة ترتيب المشهد السياسي، إلا بعد انقضاء المدة الزمنية المشروطة دستوريا. وخلال هذه المدة تبقى الرئاسة رهينة قيود دستورية تحد من قدرتها المناورة داخل البرلمان؛ مما يضطرها إما إلى خوض مساومات مضنية مع الخصوم، أو القبول بـتعايش سياسي قسري محفوف بالمرارة.

هكذا، تنتهي فصول تحالف "ثنائية الزنزانة والقصر" الذي شغل السنغال وألهم الكثيرين، ليصطدم الواقع السياسي بمرارة الحسابات والصلاحيات. فقد اختار الرئيس السنغالي ممارسة سيادته الدستورية الكاملة مدفوعا بثقل منصبه، متجاوزا عقدة الرئيس الفعلي. ومع هذا المنعطف الحاسم، تترقب دكار بكثير من الحذر تفاعلات الشارع، ليبقى السؤال المعلق في فضاء السياسة السنغالية: هل تبتلع حسابات القصر طموحات الشارع، أم أن الشارع سيعيد رسم الخارطة من جديد؟