الأحد 8 مارس 2026
انتهى التواجد الفرنسي الدائم في السنغال، في 17 يوليو/ تموز الماضي، بعد أكثر من 65 عاما من الحضور هناك، بتسليم آخر قاعدتين عسكريتين فرنسيتين؛ قاعدة "كامب جيلي" الاستراتيجية والقاعدة الجوية في مطار دكار إلى الحكومة السنغالية، خلال حفل رسمي بحضور الجنرال مباي سيسيه؛ رئيس أركان القوات السنغالية، والجنرال باسكال ياني، رئيس قيادة الجيش الفرنسي في أفريقيا.
تاريخيا، ارتبط الوجود الفرنسي في السنغال بفترة ما بعد الاستقلال حيث وقع الطرفان عام 1960 اتفاقية دفاع وتعاون ثنائي، تهدف، وفق المعلن عنه، إلى المساعدة في بناء الجيش الوطني السنغالي، خلافا للغرض الحقيقي الذي كان حماية الأنظمة الحاكمة الموالية لفرنسا في منطقة غرب أفريقيا، لضمان الحفاظ على هيمنة باريس على الدول المستقلة حديثا، ضمن ما صار يعرف لاحقا بسياسة "فراس-أفريك".
بموجب اتفاقيات حقبة الستينيات تسللت فرنسا إلى أفريقيا من النافذة بعدما غادرت القارة على مرأى ومسمع العالم من الباب، فقد جرى إرسال مستشارين عسكريين إلى هناك للعمل مع الحكومات المستقلة حديثا، نشرت نحو 10 آلاف جندي في خلال السنوات الأولى بعد الاستقلال، ما خول لها تنفيذ أزيد من 30 تدخلا عسكريا مباشرا في أفريقيا خلال 30 سنة (1964-1995)، وسبعة تدخلات في منطقة الساحل خلال العقد الأخير.
تعد فرنسا لأزيد من نصف قرن السيد غير المعلن للقارة الأفريقية، والمتحكم الأول في مقدراتها، وذلك بفضل وكلاء محليين مهمتهم تنفيذ ما يرسم من سياسات في قصر الإليزيه. وكانت داكار إحدى العواصم التي تعتمد عليها في هذه الخطة، فالرؤساء الأربعة؛ ليوبولد سيدار سنغور (1960-1980) وعبدو ضيوف (1981-2000) وعبد الله واد (2000-2012) وماكي سال (2012-2024)، الذين تعاقبوا على الحكم خلال ستة عقود (1960-2024)، كانوا وإن بدرجات متفاوت حماة المصالح الفرنسية ورموز الفرنكوفونية في أفريقيا.
مع بداية انحسار النفوذ الفرنسي في غرب ووسط أفريقيا بخسارة مالي والنيجر وبوركينافاسو وتشاد من بعدهم، استعبد الكثيرون أن تهز رياح "معاداة باريس" القصر الرئاسي في داكار، فمهما تكن قوتها سيبقى صداها حبيس الشوارع وبين الجماهير، فقد سبق لها أن رددت أكثر من مرة طلب جلاء القوات الفرنسية عن البلاد خلال حكم رؤساء سابقين، دون أن يتحقق الشيء الكثير لتظل داكار سندا رئيسيا لباريس في منطقة غرب أفريقيا. فطالما وصفت السنغال لدى النخب الأفريقية ب "فرنسا الصغيرة"، حتى إن مدينة سانت لويس كانت من أولى المناطق التي حازت عام 1827 صفة بلدية وطنية، ضمن مدن فرنسا ما وراء البحار.
يقدم الخروج الفرنسي من السنغال دروسا للأفارقة لدول الجوار وعموم بلدان أفريقيا في كيفية تدبير المعارك، فالسياسي الحذق من يكسب مباراته بالجولات وليس بالضربة القاضية، لأن اعتماد هذه الأخيرة في السياسة يكتفه الكثير من المخاطر ضد صاحبها
لكن السياق هذه المرة مختلف على أكثر من صعيد، فمن ناحية تشهد المنطقة تزايد مشاعر العداء لكل ما هو فرنسي، فالمسألة لم تعد قطرية بتأجيج هذا النظام أو ذاك لشعبه ضد فرنسا بل تحولت إلى مطلب شعبي تتشاركه شعوب المنطقة برمتها. ومن ناحية أخرى كان إنهاء الوجود العسكري الأجنبي في السنغال واستعادة السيادة الوطنية من الوعود الانتخابية لحزب باسيتف (الوطنيين)، الذي يحظى بدعم شعبي واسع من فئات شبابية وشريحة واسعة ترى المطلب ضروريا، ما حدا بزعيم الحزب باسيرو فاي إلى التأكيد على أن "السيادة لا تقبل التفاوض"، ف "السنغال دولة مستقلة ذات سيادة، ووجود قواعد عسكرية بداخلها يتناقض مع سيادتها".
بذلك يكون الانسحاب الفرنسي الناعم من السنغال مجرد تنفيذ لوعد انتخابي قطعه الرئيس لشعبه، ما يحتم الوفاء به لضمان الحفاظ على شعبيته وضمان الشرعية لحكومته، خصوصا وأن قوى المعارضة تسعى جاهدة لعرقلة حزب الوطنيين من أجل تنفيذ برنامجهم الانتخابي، وبلغ الصدام دورته شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، بتنظيم انتخابات تشريعية مبكرة حسمها الحزب الحاكم لصالحه بأغلبية ساحقة منحته مزيدا من الشرعية لتزيل وعوده الانتخابية.
من جهتها، تعاملت فرنسا مع الطلب ببراغماتية كبيرة، فالجلاء الفرنسي عن غرب أفريقيا بات شبه محسوم بقي الأمر في الكيفية فقط، ما جعلها تختار طواعية خروجا لينا، يحفظ لها بعضا من كبرياء امبراطورية استعمرت ذات زمان أكثر من ثلث أفريقيا، وهذا ما التسويق له، كما جاء على لسان الجنرال بسكال ياني، بكونه "تغييرات هيكلية تجريها السلطات الفرنسية على حضورها في القارة الأفريقية عبر إعادة صياغة الشراكات الأمنية باستخدام نهج مختلف يستعبد استمرار وجود قواعد عسكرية في هذه البلدان".
خلافا لمعركة تكسير العظام بين فرنسا وثلاثي الساحل (مالي والنيجر وبوركينافاسو) التي كانت تداعياتها على منظمة الإيكواس كارثية باعتبارها الأداة الناعمة لفرنسا في غرب أفريقيا، أغلقت السنغال ملف الوجود العسكري الفرنسي على أراضيها بلباقة دبلوماسية جعلتها في حل من البحث عن حماية أخرى (روسيا بالدرجة الأولى) لضمان الدعم والسند ضد فرنسا.
بعيدا عن الاستعراضية، يقدم الخروج الفرنسي من السنغال دروسا للأفارقة لدول الجوار وعموم بلدان أفريقيا في كيفية تدبير المعارك، فالسياسي الحذق من يكسب مباراته بالجولات وليس بالضربة القاضية، لأن اعتماد هذه الأخيرة في السياسة يكتفه الكثير من المخاطر ضد صاحبها. وهذا ما أجاده النظام الحاكم في السنغال ضد خصومه في الداخل (قوى المعارضة) والخارج (فرنسا).
الدرس الأول: قُدم الانسحاب الفرنسي من السنغال بكونه رغبة مشتركة بين باريس ودكار للانتقال لمرحلة جديدة في الشراكة، وهذه فكرة لا أساس لها في قاموس العلاقات الدولية حيث تهمين لغة القوة وخطاب الندية، فما جرى نصر كبير للسنغال داخليا وإقليميا، ولحظة حاسمة تم فيها إعادة تعريف مفهوم الشراكة الأمنية بالنسبة لدكار، كما مثل فرصة مثالية لتعزيز السيادة الأمنية التي كانت دوما مطلبا شعبيا.
الدرس الثاني: ما كان للنظام الجديد في دكار إجبار فرنسا على الخضوع لمطلب الرحيل، لولا السند الشعبي الذي كان إلى جانب الحكام الجدد في البلاد، بل إن باريس حاولت لعبت بورقة المعارضة (الرئيس السابق ماكس سال) خلف الكواليس في الأيام الأولى من عمر الحكومة قبل أن تتراجع بعد صدمة الانتخابات المبكرة. بذلك تصبح الشعوب لاعبا محوريا في معارك الحكومات من أجل التحرر واستعادة السيادة وحماية الذاكرة... باختصار في السياسة الخارجية كما في الداخلية.
تعاملت فرنسا مع الطلب ببراغماتية كبيرة، فالجلاء الفرنسي عن غرب أفريقيا بات شبه محسوم بقي الأمر في الكيفية فقط، ما جعلها تختار طواعية خروجا لينا، يحفظ لها بعضا من كبرياء امبراطورية استعمرت ذات زمان أكثر من ثلث أفريقيا
الدرس الثالث: نجحت السنغال في التخلص من تبعية باريس دون السقوط في تبعية أخرى، ما يجعل قرارها في نهاية المطاف رهين عاصمة أخرى (موسكو أو بكين أو أنقرة...)، بذلك تكون قد كسبت التحول في خريطة التوازنات الدولية في أفريقيا، بتأسيس علاقة استراتيجية متوازنة مع مختلف القوى الكبرى الفاعلة في المنطقة - بما في ذلك فرنسا التي خرجت بمرونة دون تشنج أو قطيعة - دون الوقوع أسيرة لعبة المحاور الهيمنة الجديدة.
الدرس الرابع: يمنح الخروج الناعم السنغال فرصة لإعادة التموضع في المشهد الإقليمي بمنطقة غرب أفريقيا، إما بلعب دور محوري داخل تكتل الإكواس بعدما خسرت نيجيريا الكثير من شرعيتها بسبب مواقفها المتطرفة ضد دول الساحل المنسحبة، أو قيادة مبادرات للأمن الجماعي في المنطقة، فتحركات الثنائي باسيرو فاي وعثمان سونكو لتدشين دبلوماسية جديدة، تظهر رغبة واضحة من داكار للقيام بأدوار إقليمية قد تساعد على إعادة تشكيل معادلة الأمن الجماعي بالمنطقة، فالسنغال دافعت وباستماتة عن إعادة الثلاثي المنسحب إلى تجمع الإيكواس.
الدرس الخامس: الخروج الفرنسي من السنغال ليس بالأمر الحدث، فهو حلقة من سلسلة مستمرة يتوقع أن تنتهي بمغادرة فرنسا غرب أفريقيا بصفة نهائية، لكنه مختلف جوهريا عن الانسحاب السابقة في دول الجوار، فقد جرى بهدوء وبقرار من قيادة منتخبة بشكل ديمقراطي، وذلك استجابا لمطلب شعبي بعيدا عن أي تأليب داخلي أو تجييش خارجي، ما أكسبه طابعا أكثر عمقا ورسالة سياسية شديدة الوضوح.
تدرك باريس أن صورة "الشرطي الأفريقي" لم تعد تخدم مصالحها، لكن هذا الإدراك جاء بعد فوات الأوان، فالندوب التي خلفتها فرنسا الاستعمارية في الذاكرة الجماعية لشعوب المنطقة تتوارثها الأجيال ما يجعل أي محاولة لقلب لطي الصفحة طحنا للماء. في المقابل يدرك الزعماء الجدد أن نجاحهم في القطيعة مع فرانس-أفريك يعد معركة تحريرية ثانية ينبغي عليهم كسبها.