تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 14 يوليو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
كتب

"السم البطيء".. كيف صنعت الحقبة الاستعمارية أزمات أوغندا الحديثة؟

27 يونيو, 2026
الصورة
"السم البطيء".. كيف صنعت الحقبة الاستعمارية أزمات أوغندا الحديثة؟
Share

حين يُذكر تاريخ أوغندا الحديث، غالبا ما تتصدر المشهد أسماء الحكام الذين تركوا بصمات حادة على مسار الدولة، وفي مقدمتهم عيدي أمين ويويري موسيفيني. لكن خلف قصص الانقلابات العسكرية والصراعات السياسية والتحولات المتلاحقة، يطرح المفكر الأوغندي محمود ممداني سؤالا مختلفا: هل بدأت أزمة أوغندا مع هؤلاء الحكام، أم أن جذورها أقدم وأعمق بكثير؟

هذا السؤال يقود كتابه «السم البطيء: عيدي أمين، يوري موسيفيني، وتشكُّل الدولة الأوغندية»، الصادر عام 2025، والذي يحاول من خلاله إعادة قراءة التاريخ الأوغندي الحديث بعيدا عن التفسيرات التي تختزل الأزمات في شخصيات القادة أو في أحداث سياسية بعينها. فالكتاب لا يبحث عن المسؤول عن الأزمة بقدر ما يبحث في الكيفية التي تشكلت بها الدولة نفسها، وفي الإرث الذي تركه الاستعمار البريطاني، واستمر تأثيره لعقود طويلة بعد الاستقلال.

يُعد محمود ممداني أحد أبرز منظّري ما بعد الاستعمار في أفريقيا، وهو عالم أنثروبولوجيا ومفكر سياسي أوغندي من أصول هندية، عايش بنفسه جانبا من التحولات التي شهدتها أوغندا خلال النصف الثاني من القرن العشرين. وقد عُرف بإسهاماته الفكرية في دراسة الدولة والاستعمار والهوية السياسية، من خلال أعمال بارزة، مثل: «المواطن والرعية» و«المسلم الصالح، المسلم السيئ». وتنبع أهمية هذا الكتاب من كونه يجمع بين خبرة الباحث الأكاديمي وتجربة الشاهد على الأحداث، وهو ما يمنحه قدرة خاصة على الربط بين التاريخ الشخصي والتحولات السياسية والاجتماعية الأوسع.

السم البطيء.. الدولة بوصفها أزمة متراكمة

اختار ممداني عنوان «السمّ البطيء» ليعبّر عن أطروحته المركزية المتعلقة بكيفية تفكك الدولة الأوغندية بصورة تدريجية وغير مباشرة. فوفقًا لتحليله، لا يكمن الخطر الأساسي على الدولة في الانقلابات العسكرية أو موجات العنف السياسي وحدها، بل في عملية طويلة الأمد أعادت تشكيل المجتمع على أسس إثنية وقبلية، وأضعفت فكرة المواطنة المشتركة لصالح ولاءات محلية ضيقة.

يرى أن هذه التحولات لم تظهر آثارها دفعة واحدة، بل تراكمت عبر عقود من السياسات والمؤسسات التي نشأت خلال الحقبة الاستعمارية. فقد أعادت الإدارة البريطانية تنظيم المجتمع من خلال هويات محلية محددة، وربطت السكان بأنظمة حكم وقوانين وسلطات مختلفة بحسب انتماءاتهم، الأمر الذي خلق أشكالًا جديدة من التمييز والانقسام داخل الدولة.

الكتاب لا يبحث عن المسؤول عن الأزمة بقدر ما يبحث في الكيفية التي تشكلت بها الدولة نفسها، وفي الإرث الذي تركه الاستعمار البريطاني واستمر تأثيره لعقود طويلة بعد الاستقلال

من هنا جاءت استعارة «السم البطيء»، فكما يعمل السم في الجسد بصمت وعلى مدى زمني طويل قبل أن تظهر نتائجه بصورة واضحة، فإن الأزمات التي عرفتها أوغندا لم تكن، في نظر ممداني، نتاج لحظة سياسية بعينها، بل حصيلة تراكمات ممتدة أضعفت أسس الدولة الوطنية، وأعادت إنتاج الانقسامات داخل المجتمع.

لذلك لا يتوقف المؤلف طويلا عند الأحداث السياسية باعتبارها غاية في حد ذاتها، بل يتعامل معها بوصفها مؤشرات على أزمة أعمق تتعلق بطريقة بناء الدولة نفسها. فالانقلاب العسكري أو الصراع على السلطة ليسا سوى أعراض لمشكلة بنيوية بدأت قبل الاستقلال، واستمرت بعده بأشكال مختلفة.

القبلية وصناعة الاستعمار للهويات السياسية

تحتل مسألة القبلية موقعا محوريا في تحليل ممداني، لكنه يتعامل معها بطريقة تختلف عن التفسيرات الشائعة التي تنظر إليها باعتبارها امتدادا طبيعيا لماض أفريقي قديم. فبالنسبة إليه، لا يمكن فهم القبلية بصورتها السياسية الراهنة من خلال العودة إلى الأصول الثقافية أو اللغوية فقط، بل من خلال تتبع الكيفية التي أعادت بها السلطة الاستعمارية تنظيم المجتمع وتوزيع السكان داخل أطر إدارية وسياسية جديدة.

من هذا المنطلق، يلفت الانتباه إلى أن التنوع اللغوي والثقافي الذي عرفته المجتمعات الأفريقية لم يكن يعني بالضرورة وجود قبائل بالمعنى السياسي المتداول اليوم. فقد جاءت الإدارة الاستعمارية لتربط الجماعات المختلفة بأقاليم محددة وسلطات محلية وقوانين خاصة بها، ما حوَّل الانتماءات الثقافية والاجتماعية إلى وحدات سياسية وإدارية واضحة المعالم. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه التصنيفات جزءا من بنية الدولة نفسها، ولم تتوقف آثارها عند نهاية الحكم الاستعماري.

يرى ممداني أن هذه السياسات لعبت دورا مهما في إعادة تشكيل العلاقات بين الدولة والمجتمع، إذ أصبح الوصول إلى السلطة والموارد والتمثيل السياسي مرتبطًا، بدرجات متفاوتة، بالانتماءات المحلية التي كرستها المرحلة الاستعمارية. لذلك، فإن كثيرا من التوترات والصراعات التي شهدتها أوغندا لاحقًا لا يمكن فهمها باعتبارها مجرد خلافات بين جماعات متنافسة، بل بوصفها نتيجة لترتيبات سياسية ومؤسسية ترسخت عبر عقود.

لا يطرح المؤلف هذه الفكرة بوصفها تفسيرا للحالة الأوغندية وحدها، بل باعتبارها مدخلا لفهم جانب مهم من أزمات الدولة الوطنية في أفريقيا. فالإرث الاستعماري، في نظره، لم يقتصر على رسم الحدود أو إنشاء مؤسسات الحكم، بل امتد إلى تشكيل أنماط الهوية والانتماء التي ما زالت تؤثر في الحياة السياسية والاجتماعية في كثير من دول القارة حتى اليوم.

عيدي أمين وموسيفيني.. اختلاف المسارات وتشابه البنية

يخصص ممداني جزءا مهما من الكتاب لمناقشة شخصيتي عيدي أمين ويويري موسيفيني، اللتين ارتبط اسمهما بأهم مراحل التاريخ الأوغندي الحديث. لكنه يتجنب المقاربة التي تنظر إلى كل منهما باعتباره حالة منفصلة أو استثناء تاريخيا، مفضلا وضع تجربتيهما داخل السياق السياسي الأوسع الذي تشكلت فيه الدولة الأوغندية بعد الاستقلال. فبالنسبة إليه، لا تكفي دراسة القادة لفهم التحولات السياسية الكبرى، بل يجب النظر أيضا إلى المؤسسات والبنى التي سمحت بصعودهم، وأثرت في طريقة ممارستهم للسلطة.

في هذا السياق، يستعيد المؤلف بعض تجاربه الشخصية خلال سنوات إقامته في أوغندا وتنزانيا، حيث عاصر جانبا من التحولات التي شهدتها البلاد، والتقى بعدد من الشخصيات الفاعلة في الحياة السياسية آنذاك، من بينها عيدي أمين ويويري موسيفيني. وتمنح هذه الشهادات الكتاب بُعدًا خاصا، إذ لا تقتصر على توثيق الأحداث، بل تساعد في فهم المناخ السياسي والاجتماعي الذي تشكلت داخله النخب الحاكمة والصراعات التي رافقت صعودها.

خلف قصص الانقلابات والحروب وصعود الحكام وسقوطهم، يكشف محمود ممداني عن أسئلة أكثر عمقا تتعلق بالمواطنة والهوية والانتماء وإدارة التنوع

بالنسبة لممداني، فإن صعود عيدي أمين لا يمكن فهمه بمعزل عن الظروف التي سبقته، فالرجل لم يظهر من فراغ، بل جاء نتاجا لمسار سياسي ومؤسساتي تشكل عبر سنوات طويلة، وأسهم في تهيئة البيئة التي أوصلته إلى السلطة. لذلك، يدعو المؤلف إلى قراءة تجربة أمين في سياقها التاريخي الأوسع، بدل اختزالها في شخص الحاكم وحده.

تبرز المؤسسة العسكرية هنا بوصفها أحد أهم عناصر هذا التحليل، فالجيش الأوغندي لم يتشكل باعتباره مؤسسة وطنية جامعة، بل تأسس على اعتبارات جهوية وإثنية جعلته انعكاسًا للانقسامات الاجتماعية القائمة. ولذلك فإن صعود أمين عبر المؤسسة العسكرية لم يكن حدثا استثنائيا بقدر ما كان امتدادا لمسار سياسي أقدم. أما موسيفيني، فرغم اختلاف خطابه وأدواته السياسية، فقد تحرك هو الآخر داخل دولة ورثت كثيرًا من هذه الاختلالات، وهو ما يجعل تجربتي الرجلين، في قراءة ممداني، أقرب إلى فصلين من تاريخ سياسي واحد منهما إلى نموذجين متناقضين بالكامل.

الآسيويون في أوغندا.. من «الأقلية الوسيطة» إلى سؤال المواطنة

يكتسب الكتاب بعدا إنسانيا خاصا في الفصول المتعلقة بالآسيويين في أوغندا، وهي القضية التي ترتبط مباشرة بالسيرة الذاتية للمؤلف. فممداني ينتمي إلى عائلة هندية استقرت في شرق أفريقيا خلال الحقبة الاستعمارية، وعاشت لاحقا تجربة الطرد الجماعي للآسيويين في عهد عيدي أمين (1972).

غير أن المؤلف لا يكتفي بسرد تجربته الشخصية، بل يستخدمها مدخلا لفهم موقع الجالية الآسيوية داخل المجتمع الأوغندي. وهو يرفض الصورة النمطية التي اختزلت الآسيويين في جماعة اقتصادية مهيمنة ومنعزلة، موضحًا أن الواقع كان أكثر تنوعًا وتعقيدًا من هذه الرواية المبسطة.

يستعيد تفاصيل الحياة اليومية للجالية، والعلاقات الاجتماعية التي نشأت بين الآسيويين والأفارقة، وأشكال التفاعل التي تجاوزت الحدود العرقية والاقتصادية. ومن خلال هذه التفاصيل، يوضح أن العلاقة بين الطرفين لم تكن قائمة فقط على المنافسة أو التوتر، بل تضمنت أيضا مساحات واسعة من التعايش والتبادل الثقافي.

كما يربط التوترات التي تصاعدت لاحقًا بالبنية الاقتصادية التي أنشأها الاستعمار، حين وضع الآسيويين في موقع وسيط بين الإدارة البريطانية والأغلبية الإفريقية. ومن ثم فإن قرار طردهم عام 1972 لا يظهر في الكتاب بوصفه مجرد صراع بين جماعتين عرقيتين، بل باعتباره تعبيرًا عن أزمة أعمق تتعلق بالمواطنة والانتماء وحدود الدولة الوطنية في مرحلة ما بعد الاستعمار.

أوغندا.. قصة لا تروى من الداخل فقط

لا يحصر ممداني تفسيره في العوامل الداخلية، بل يربط تطور الدولة الأوغندية بالسياقات الإقليمية والدولية التي أحاطت بها. فالحرب الباردة والتنافس الدولي على النفوذ في أفريقيا شكلا جزءا مهما من البيئة التي تطورت داخلها الدولة ومؤسساتها.

في هذا السياق، يناقش العلاقات الأوغندية الإسرائيلية خلال ستينيات القرن العشرين، والدور الذي لعبته إسرائيل في تدريب الجيش الأوغندي وتطوير قدراته العسكرية. كما يتتبع التحولات التي طرأت على هذه العلاقة لاحقًا مع وصول عيدي أمين إلى السلطة وتغير تحالفاته الإقليمية.

الجيش الأوغندي لم يتشكل باعتباره مؤسسة وطنية جامعة، بل تأسس على اعتبارات جهوية وإثنية جعلته انعكاسا للانقسامات الاجتماعية القائمة

تتجلى أهمية هذا الجانب من الكتاب في أنه يرفض الفصل بين الداخل والخارج، مؤكدا أن بناء الجيش وصعود النخب الأمنية، وتشكيل التحالفات السياسية الكبرى كلها عمليات تأثرت بالتفاعلات المحلية والإقليمية والدولية في الوقت نفسه.

في النهاية، لا يقدّم «السم البطيء» تأريخا لأوغندا بقدر ما يقدّم طريقة مختلفة للنظر إلى الدولة الأفريقية نفسها. فخلف قصص الانقلابات والحروب وصعود الحكام وسقوطهم، يكشف محمود ممداني عن أسئلة أكثر عمقًا تتعلق بالمواطنة والهوية والانتماء وإدارة التنوع.

تكمن إحدى نقاط القوة الرئيسية في الكتاب في نجاحه في الجمع بين التحليل التاريخي والخبرة الشخصية. فممداني لا يكتب باعتباره مؤرخًا أو باحثًا أكاديميًا فحسب، بل بوصفه أيضًا شاهدًا على كثير من الأحداث التي يناقشها. وقد أضفى هذا البعد الذاتي على العمل ثراءً إنسانيًا واضحًا، خاصة في الفصول المتعلقة بالهوية والاغتراب والمنفى.

مع ذلك، لا يخلو الكتاب من بعض الملاحظات النقدية. فتركيزه المكثف على الإرث الاستعماري يجعله أحيانًا يمنح هذا العامل دورًا تفسيريًا أكبر من غيره، بما قد يؤدي إلى تقليص مساحة المسؤولية السياسية للنخب الوطنية التي أدارت الدولة بعد الاستقلال. كما أن محاولته تجاوز الصورة النمطية لعيدي أمين تدفعه في بعض المواضع إلى التركيز على السياقات التاريخية التي أفرزت نظامه أكثر من التركيز على الانتهاكات والعنف اللذين ارتبطا بفترة حكمه.

ورغم ذلك، تظل أهمية «السم البطيء» كامنة في قدرته على تجاوز حدود التجربة الأوغندية إلى أسئلة أفريقية أوسع وأكثر عمقًا. ففي صفحات الكتاب تتحول أوغندا من مجرد حالة سياسية إلى مرآة تعكس قضايا الدولة والهوية والمواطنة والانتماء في القارة الأفريقية. فكيف تُبنى الدولة الوطنية في مجتمعات متعددة الهويات؟ وكيف يمكن إدارة التنوع دون أن يتحول إلى مصدر للانقسام والصراع؟ وما الذي يبقى من الماضي الاستعماري في حاضر الدول الأفريقية؟ ومن خلال تتبعه للجذور التاريخية للأزمات السياسية في أوغندا، يذكّر ممداني بأن كثيرًا من تحديات الحاضر لا تزال مرتبطة بإرث لم يُحسم بالكامل، وأن معارك بناء الدولة وإدارة التنوع وصياغة مواطنة جامعة ما تزال مفتوحة حتى اليوم. ومن هنا لا تنبع قيمة الكتاب من إعادة قراءته لتاريخ أوغندا فحسب، بل من قدرته على تحويل هذه التجربة إلى مدخل للتفكير في الأسئلة التي لا تزال تشكل حاضر أفريقيا ومستقبلها.