الأحد 7 يونيو 2026
في إقليم دارفور حيث يشكل الإسلام جزءاً أصيلا من الهوية الاجتماعية والثقافية، ظلّ التحول الديني إلى المسيحية موضوعا نادرا ومحاطا بقدر كبير من الحساسية، غير أن السنوات الأخيرة، بما حملته من حروب ونزوح واضطرابات اجتماعية عميقة، فتحت الباب أمام بروز مجموعات صغيرة من أبناء الإقليم الذين أعلنوا اعتناقهم المسيحية أو يعيشون هذا التحول في الخفاء.
لا يمكن فهم هذه الظاهرة بمعزل عن السياق السياسي والاجتماعي الذي شهدته دارفور والسودان عموماً خلال العقود الماضية، فقد تراكمت عوامل الحرب والنزوح والاحتكاك بثقافات مختلفة في المعسكرات ودول الجوار، إلى جانب التحولات القانونية التي شهدها السودان بعد سقوط نظام الرئيس عمر البشير عام 2019، لتخلق واقعا أكثر تعقيدا لمسألة الإيمان والتحول الديني، في ظل ضغوط مجتمعية قاسية قد تصل إلى النبذ أو الاتهام بالردة.
يتميز وجود المسيحية في إقليم دارفور بخلفية تاريخية مرتبطة بتنوع ديني وثقافي قديم في المنطقة؛ فقد تأثرت بعض مناطق الإقليم تاريخيا بامتداد نفوذ الممالك النوبية المسيحية، مثل: مملكة علوة ومملكة المقرة، هذا ما ذكرته المدافعة عن الحقوق الدينية سوزان حسين لـموقع جسيكا بالعربي.
تضيف بأن طريق التجارة المعروف بـ "درب الأربعين" لعب دوراً مهماً في ربط مصر والنوبة ودارفور وبقية مناطق أفريقيا، ما ساهم في انتقال الأفكار والديانات المختلفة عبر القرون. لاحقاً، ومع صعود سلطنة الفور، استمر التنوع الثقافي والديني في الإقليم رغم الطابع المحافظ للمجتمع.
وتؤكد حسين أنه، وخلال فترة الاستعمار البريطاني (1899 – 1956)، دخلت أيضاً بعض الإرساليات التبشيرية، لكن المجتمع ظل محافظا إلى حد كبير، وظلت التحولات الدينية في معظمها فردية أو محدودة داخل بعض الأسر.
إن الحرب يمكن أن تكون قد أثرت على بعض الأشخاص، لكن ذلك ليس تفسيراً وحيداً أو رئيس لاعتناق المسيحية بين بعض أبناء دارفور
على مستوى السودان عموماً، تقول المدافعة عن الحقوق الدينية إن المسيحيين واجهوا خلال حكم عمر البشير (1989 – 2019) تضييقاً كبيراً على الحريات الدينية، شمل الاعتقالات، وترحيل القساوسة الأجانب، وإغلاق بعض المنظمات التي كانت تُتهم بممارسة التبشير بين المسلمين، إضافة إلى وجود حدة الردة ضمن مواد القانون الجنائي السوداني، وقد انعكست هذه السياسات أيضا على مناطق دارفور.
كثيرا ما تمّ توجيه اتهامات إلى منظمات غربية باستغلال الأوضاع الهشة الناتجة عن الانتهاكات والاضطهاد جراء الحرب التي اندلعت في إقليم دارفور عام 2003، واستخدام العمل الإنساني والطوعي كغطاء للتبشير، واستقطاب العديد من النازحين واللاجئين الذين شردتهم الحرب إلى الديانة المسيحية، بما في ذلك تقارير صحفية وتصريحات حكومية.
تشير سوزان حسين، إلى أن الحرب التي اندلعت في الإقليم عام 2003 كانت قاسية جداً، وتركت آثاراً نفسية وإنسانية عميقة على الناس بسبب حجم العنف والانتهاكات التي حدثت لأهل دارفور عامة، وأن الحرب كانت أحد العوامل التي أثرت على التجربة الروحية لبعض الأفراد، لكنها لم تكن السبب الرئيسي لاعتناق المسيحية، حسب تجارب شخصية قابلتها.
وترى أن بعضا ممن عاشوا سنوات طويلة من الألم والخوف وجدوا في المسيحية معانٍ مثل: الغفران والراحة الروحية؛ بجانب مفهوم المحبة الإلهية الشخصية، وأن هذا ساعدهم نفسياً بعد ما مروا به من تجارب صعبة، كلها لأسباب كانت شخصية جداً بالنسبة لهم.
لكنها تؤكد عدم تعميم هذا الأمر على الجميع، لأن قرار اعتناق دين جديد غالباً ما يكون قراراً شخصياً جداً، أحياناً يرتبط بتجربة الفرد وظروفه الخاصة في الأسرة، وأن الحرب يمكن أن تكون قد أثرت على بعض الأشخاص، لكن ذلك ليس تفسيراً وحيداً أو رئيس لاعتناق المسيحية بين بعض أبناء دارفور، وتستدرك بأنه لا شك أن الحرب قد زادت حجم الانتهاكات على معتنقي المسيحية من الدارفوريين.
دفعت التحديات الأمنية والاجتماعية المسيحيين المنحدرين من إقليم دارفور إلى البحث عن ملاذات أكثر أمناً خارج السودان، وكان من بين أبرز هذه الوجهات دولة جنوب السودان، حيث تشكلت تجمعات دينية واجتماعية تسعى إلى توفير بيئة أكثر أماناً لممارسة الشعائر الدينية والحياة اليومية.
في هذا السياق برز معسكر قروم للاجئين كأحد أماكن استقرار المسيحيين الدارفوريين، الذين يحاولون إعادة تنظيم حياتهم الدينية والاجتماعية في ظل ظروف اللجوء الصعبة، حيث يضم المعسكر الواقع غرب العاصمة جوبا أكبر تجمع للمسيحيين الدارفوريين خارج السودان، حيث تشير التقديرات إلى وجود أكثر من 10 آلاف لاجئ بالمعسكر.
وينشط المجلس المسيحي الدارفوري الذي تم تأسيسه عام 2021 كمؤسسة دينية وإجتماعية تقدم خدماتها حالياً من داخل المعسكر، وذلك عبر الكنيسة التي يدير أنشطتها، كما يسعى للدفاع عن حقوق المسيحيين الدارفوريين وتمثيلهم.
يقدّر مسؤول الإعلام ومكتب الشباب بالمجلس المسيحي الدارفوري مُبشر أحمد عبد الله، عدد معتنقي الديانة المسيحية في إقليم دارفور بمئات الآلاف، خلاف الذين لم يتمكنوا من الإنضمام للكنيسة بشكل نظامي، وأن جزءا منهم لا يزال داخل السودان.
أما بخصوص الانتماءات الطائفية والمذهبية يقول لـ«جسيكا بالعربي» إن لديهم انتماءات مختلفة، لكن معظمهم ينضوي تحت عدة كنائس منها: البروتستانتية والأنغليكانية والأسقفية والمعمدانية والخمسينية، فالكنيسة التابعة لهم تقدم خدمة مستقلة، وأنهم غير طائفيين لتعلمهم على أيدي قساوسة وأساتذة من طوائف مختلفة.
ويعتقد مُبشر أن المعسكر في الوقت الحالي أفضل كثيراً مما كان عليه في أوقات سابقة؛ لكنه يشير إلى منعهم من الإختلاط بالآخرين من خارجه بسبب المخاطر التي قد يتعرضون لها من جانب المسلمين، والتي تصل إلى التهديد بالقتل، كما حدث لهم في كنيسة المجلس في أبريل/نيسان من العام الماضي.
حيث تعرض أحد المُبشرين لمحاولة اغتيال داخل فناء الكنسية عبر إطلاق النار عليه من الخارج، لكن كل الرصاصات لم تخترق أجزاء مهمة من جسمه.
من جهته، يؤكد المدافع عن حقوق الإنسان سيف الدين آدم، أنه لا توجد إحصائيات موثقة عن عدد المعتنقين الجُدد للمسيحية في دارفور، بينما يُشير إلى أن العدد كبير رغم فقدان جزء منهم بسبب الحرب، وأن الكثير منهم لا يعرفون أين هم؛ هل أحياء أم أموات؟ نتيجة لعدم توفر شبكات الاتصال في بعض المناطق.
وبحسب آدم، كان المؤمنون بالمسيحية في دارفور يعيشون حياة صعبة ومليئة بالتحديات قبل اندلاع حرب أبريل/نيسان 2023، ويرى أن تلك التحديات تشمل ما يتعلق بالحكومة، من كبت للحريات بالرغم من أنه بعد ثورة ديسمبر /كانون الأول 2019 حدثت بعض التعديلات في القوانين التي تتعلق بالحريات الدينية، إلا أن الواقع لم يتغير لأن المؤمنين بالديانة المسيحية لا يستطيعون أداء العبادات بالصورة المطلوبة.
ووفقاً لما ذكر آدم لـ«جسيكا بالعربي»، هنالك أيضاً التحديات الاجتماعية، والتي تتمثل في عدم قبول المجتمع للمؤمنين بالدين المسيحي، بسبب الاختلاف الديني، والنظر إليهم بأنهم أدنى درجة في المجتمع، بجانب عدم وجود فرص عمل للمؤمنين بالدين المسيحي رغم أن الكثير منهم يحملون شهادات أكاديمية ممتازة من مختلف التخصصات، ولكن بسبب الإيمان بالمسيحية لا تتوفر لهم فرص عمل.
كذلك يضيف التحديات الاقتصادية والتي قال إنها تمثل واحدة من الأدوات التي يستخدمها المجتمع كضغط على المؤمنين بالمسيحية، خاصة الذين يدرسون في الجامعات، حيث تحرمهم أسرهم من الدعم الاقتصادي فهم يظنون أنه عن طريق هذه الضغوط يمكنهم التحكم بهم للعودة إلى الإسلام.
إضافة إلى ما وصفها بالتحديات النفسية، وذلك من خلال سماع ألفاظ فظيعة، جعلت الكثير من المؤمنين بالمسيحية يعيشون في عزلة.
توجد في السودان مجموعات مسيحية أخرى تتجاوز نسبة 4٪ من مجموع السكان بحسب أعلى تقديرات؛ مثل الأقباط الذين يتوزعون في العديد من الكبرى، وكذلك المسيحيين في منطقة جبال النوبة بولاية جنوب كردفان. لكن مسؤول الإعلام ومكتب الشباب بالمجلس المسيحي الدارفوري، يرى أن الدولة لديها تفضيلات في التعامل مع المجموعات المسيحية في البلاد، وأن لديها وجهة نظر قمعية تجاه القضايا التي تتعلق بالمجموعات المسيحية المنحدرة من إقليم دارفور.
ويضيف بأن الدولة تهاجم المؤمنين بالمسيحية القادمين من دارفور بشكل فظيع، بينما تتغاضى الحديث عن القادمين من بقية الأقاليم والمؤمنين من الأقباط الأرثوذكس.
ويعتقد مُبشر أن موقف السلطات الحكومية نابع من نظرتها لإقليم دارفور بأنه السوق الوحيد الذي ظل "يصدّر المجاهدين وحفظة القرآن"، وأن المشروع الإسلامي ظل يحتكر دارفور لأنها بيئة خصبة لنمو الجهل والتخلف والفقر المعرفي والبؤس الروحي، بحسب تعبيره.
كذلك وفقاً للمحامي والقانوني محجوب عبد الله، لم يكن هنالك في السابق مسيحيين في دارفور ينحدرون من الإقليم، وأن المجموعات المسيحية التي كانت موجودة هم من الأقباط أو الجنوب سودانيين الذين فروا للإقليم بسبب الحروب، لكن هنالك مجموعات اعتنقت المسيحية بعد حروب دارفور ولجوئهم إلى المعسكرات.
ويضيف عبد الله لـ«جسيكا بالعربي» أن بعضهم لم يعتنق المسيحية عن قناعة، وإنما كمكايدة للمسلمين الذين يرون أنهم مسؤولين عن الإنتهاكات التي حدثت لهم، وأنه لا ينبغي أن يجمعهم دين واحد، وهذا الطرح جاء من بعض الشباب في الجامعات.
كذلك يؤكد علمه بأن بعضهم اعتنق المسيحية لصناعة "حالات" تساعدهم على اللجوء إلى دول أخرى، وأن منهم من كان على تواصل مع منظمات كنسية للحصول على تمويل؛ لكن في الواقع هم لم يكونوا مسيحيين، ويقول بأن هذا الحديث سمعه أيضاً من مسيحيين أقباط وغيرهم، وقد أكدوا له أنه لا يوجد حتى تواصل بينهم كأصحاب ديانة واحدة.
من ناحيته، يرى سيف الدين آدم، أن حرب 15 أبريل/نسيان، ضاعفت التحديات التي تواجه المجموعات المعتنقة للمسيحية حديثاً في دارفور بسبب التوترات الأمنية، من خلال ظاهره وجود السلاح العشوائي، حيث أصبح السلاح منتشراً وسط المواطنين. فالأشخاص الذين امتلكوا السلاح أصبحوا يمثلون تهديدا حقيقيا، مما جعل الكثير منهم يقررون الخروج من السودان إلى دول الجوار من أجل الحفاظ على حياتهم خاصة الذين كانوا في المدن الكبرى في دارفور.
إن بعضهم لم يعتنق المسيحية عن قناعة، وإنما كمكايدة للمسلمين الذين يرون أنهم مسؤولين عن الانتهاكات التي حدثت لهم، وأنه لا ينبغي أن يجمعهم دين واحد، وهذا الطرح جاء من بعض الشباب في الجامعات
يشير المدافع عن حقوق الإنسان إلى أن جزء من المسيحيين في إقليم دارفور نزحوا إلى المناطق الخاضعة لسيطرة قوات حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور في جبل مرة، حيث وجدوا هنالك الأمن والحريات، ولكنهم يعانون من توفّر المأكل والمشرب والملبس والصحة.
ويضيف بأن التحديات أمامهم كثيرة، حتى أن أغلبهم لا يستطيع أن يوفر إعاشة إلى أسرهم، مع عدم وجود فرص عمل، علي الرغم من دعواتهم المستمرة من أجل المساعدة، لكن لم تكن هناك مساعدة حقيقية من أجل تلبية احتياجاتهم حتى يكونوا لديهم فرصة للقيام بالأنشطة اللازمة لتسديد الإحتياجات الاجتماعية.
يعتبر مجتمع إقليم دارفور من أكثر المجتمعات تمسكاً بديانتها الإسلامية على مستوى السودان، ورغم تصالحه مع وجود مجموعات مسيحية منحدرة من مناطق أخرى في البلاد، مثل جنوب السودان قبل إنفصاله عام 2011 ومنطقة جبال النوبة، إلا أنه ما زال يرفض قبول مجموعات مسيحية ينحدر أفرادها من الإقليم، وينظر لوجودها كمهدّد إجتماعي.
ترى سوزان حسين، أن الطبيعة المحافظة لمجتمع دارفور، أدت لتعرض المسيحيين إلى أشكال متعددة من الضغوط، غالباً تحت ذريعة التبشير أو إثارة الفتن. كما واجهت بعض المؤسسات الكنسية مضايقات أمنية ومراقبة مستمرة، ووجهت إليها اتهامات بالتبشير.
وتُشير إلى أنه في كثير من الحالات كان اعتناق المسيحية يتم بشكل فردي أو نتيجة تأثر أحد أفراد الأسرة. لكن هذا التحول كان يعرّض بعض الأفراد، خصوصاً الفتيات، لضغوط اجتماعية قاسية، وتوجد روايات متداولة بين الناجين تشير إلى تعرض بعضهن للعنف الأسري أو النبذ الاجتماعي، بل إن بعض الأسر كانت تتبرأ من بناتها أو تحاول ملاحقتهن لإجبارهن على التراجع.
وتؤكد حسين أن بعض الأفراد تعرضوا للاستجواب أو الاعتقال بسبب خلفياتهم الدينية، لذلك ظل الحذر سمة أساسية للحياة الدينية للمسيحيين في الإقليم، خاصة لأولئك الذين ينحدرون من خلفيات مسلمة، حيث إن الرفض الاجتماعي للاعتراف بالتحول الديني قد يكون شديداً.
حتى اليوم لا توجد أبحاث موثوقة حول عدد المسيحيين المنحدرين من دارفور، وتُرجع ذلك إلى صعوبة الوصول إلى المعتنقين الجُدد للمسيحية، إضافة إلى الخوف والحذر الكبيرين بسبب حساسية الموضوع والضغوط الاجتماعية المرتبطة به
وتذهب إلى أن هذه الظروف، دفعت أعدادا من المسيحيين الدارفوريين إلى مغادرة السودان، واللجوء إلى دول في شرق أفريقيا بحثاً عن الأمان وفرص التعليم، وأن هناك اليوم تجمعات كنسية دارفورية في بعض مناطق شرق أفريقيا تضم ناجين من الاضطهادات التي تعرضوا لها.
أما بعد اندلاع الحرب الأخيرة في السودان، تؤكد المدافعة عن الحقوق الدينية ازدياد حالة الخوف والهشاشة، فكون الشخص ينتمي إلى أقلية دينية يجعله أكثر عرضة للاستهداف في ظل الفوضى الأمنية، حيث اختار عدد كبير من المسيحيين مغادرة البلاد، بينما يعيش آخرون في حالة تنقل مستمر بين مناطق مختلفة بحثاً عن الأمان، وغالباً في ظل تكتم شديد حول هويتهم الدينية.
وبحسب ما ذكرت، فإن الأقليات المسيحية السودانية، بما في ذلك المسيحيون من دارفور، تواجه مجموعة من التحديات القانونية والاجتماعية والسياسية، فالقوانين المقيدة للحريات الدينية، إلى جانب الأعراف الاجتماعية المحافظة وخطاب الكراهية، تشكل جميعها بيئة صعبة لعيش هذه المجموعات بشكل آمن وعلني.
في المقابل، يؤكد سيف الدين آدم، أن هنالك تحديات تواجه المجتمعات المسيحية الجديدة في دارفور تتمثل في التفكير اليومي في الظروف المعيشية، وكيفية توفير الاحتياجات الأساسية لأسرهم، لا سيما أن لديهم الرغبة لمساعدة المجتمع، ولكنهم لا يمتلكون شيئا في أيديهم.
ويضيف لـ«جسيكا بالعربي» أن الكثير منهم لديهم أفكار سياسية لبناء وطن يحترم الإنسان بغض النظر عن دينه، وأنه إذا لم يتم تأهيل هؤلاء بالمهارات اللازمة لقيادة شعوبهم، وأن يكون لهم دور حقيقي في المشهد السياسي العام، ووضع القوانين التي تحمي الأقليات الدينية، سوف يتم فقدان الكثير منهم على أرض الواقع، وتكون النتيجة إما الهجرة إلى خارج البلاد بلا عودة أو تحفّظهم أو التراجع خوفاً من المجتمع.
محجوب عبد الله، يقول إنه بافتراض أن من اعتنقوا المسيحية فعلوا ذلك عن قناعة وإيمان، فإنه عوضاً عن التعقيدات القانونية، لن يستطيعوا إعلان مسيحيتهم لأن المجتمع سوف يعاملهم بشكل قاسٍ، فهو يراهم أشخاصاً تركوا دين الإسلام، وفي المجتمع الدارفور معروف أن المسيحية والإسلام مثل "البيضة والحجر"، على حد وصفه.
ويؤكد معرفته الشخصية ببعضهم ممن كانوا منبوذين وسط المجتمع واضطروا لمغادرة مناطقهم، بسبب نظرات الناس لهم والمضايقات التي يتعرضون لها، وأن بعضهم تم تكفيره في المساجد باعتبارهم مرتدين وخارجين عن الملة.
تمثل التشريعات والقوانين التي تكفل حرية الدين والمعتقد وفي مقدمتها الدستور الانتقالي لعام 2005 حائط الصد الأول أمام الإنتهاكات التي قد تتعرض لها الأقليات الدينية، لكن الواقع في السودان ليس مثالياً على الدوام، حيث تصبح تلك التشريعات مجرد نصوص بعيدة عن التطبيق الفعلي، رغم اتخاذ الحكومة الإنتقالية التي أعقبت نظام عمر البشير، خطوة متقدمة بالغاء "حد الردة" الذي كان يعاقب كل مسلم يقرّر اعتناق معتقد آخر، لكن تلك الخطوة لم تغير واقع الممارسة القانونية بالنسبة للمسلمين الدارفوريين الذين قرّروا اعتناق المسيحية.
يعتقد محجوب عبد الله أن المسيحية موجودة في مدن دارفور، مثل الفاشر ونيالا رغم أنها ديانة أقليات عانت كثيراً خلال الحرب الحالية، لكن القوانين السودانية تنظر إلى السوداني باعتباره سودانيا، وأنه لا يوجد تمييز بغرض حماية أشخاص أو مجموعات. لكنها تحمي أماكن ممارسة الشعائر الدينية ودور العبادة من خلال نصوص واضحة، بل وتكفل الحق في التبشر والدعوة للأديان.
ويضيف بأنه من حيث التطبيق تجد أن من ينفذون القانون متأثرين بالمفاهيم الاجتماعية، من حيث النظر للمسيحي باعتباره مواطن من الدرجة الثانية، وأحياناً يغالون عليهم في أشياء كثيرة بما فيها عدم تطبيق للقانون بشكل سليم، وأن بعضهم تم القبض عليه لأنه يمارس شعائر دينية مسيحية، رغم أن القانون يكفل هذا الحق دون تمييز سواء كان في الفاشر أو الخرطوم أو غيرها، ليتم اتهامهم بالتبشير للمسيحية وغيرها. وهذا مخالف للقانون الذي يسمح بالتبشير لجميع الديانات في حدود مراعاة ديانات الآخرين".
لكن سوزان حسين، تحذّر من أن استمرار السلطات في إنكار حجم التنوع الديني في البلاد أو التقليل من وجود المسيحيين يعد مؤشراً خطيراً، لأنه يساهم في شرعنة التمييز الاجتماعي ويعزز السردية الرسمية التي تدّعي أن عدد المسيحيين محدود جداً وينحصر في مناطق جغرافية معينة.
ومن التحديات المهمة، بحسب حسين، غياب البيانات الدقيقة، لأنه حتى اليوم لا توجد أبحاث موثوقة حول عدد المسيحيين المنحدرين من دارفور، وتُرجع ذلك إلى صعوبة الوصول إلى المعتنقين الجُدد للمسيحية، إضافة إلى الخوف والحذر الكبيرين بسبب حساسية الموضوع والضغوط الاجتماعية المرتبطة به.
وتضيف بأنه في المستقبل، إذا لم تتم معالجة قضايا الحرية الدينية والاعتراف بالتنوع داخل المجتمع السوداني بشكل جاد، فقد تستمر هذه التحديات، وربما تتفاقم، خصوصاً في ظل الهشاشة السياسية والاجتماعية التي يعيشها السودان حالياً.
فيما يعزو مُبشر أحمد عبد الله، العقبات والتحديات التي تواجه المسيحيين في دارفور إلى أنهم يمثلون أقلية دينية مقارنة مع المسلمين، ومن ناحية أخرى فإن السياسات التي اتبعتها الحكومات السودانية المتعاقبة أسست لنظام مشوه منقسم في بنيته على حد وصفه.
يؤكد أن كل المسيحيين في إقليم دارفور عاشوا اضطهاداً ممنهجا من ناحية اجتماعية، بجانب تعرضهم للتمييز والعنف النفسي، أما من جانب الحكومة يرى أن القوانين التي أقرتها تمنع الإحتكاك بالمسيحيين كما تمنع حرية التعبير عن المعتقد، ويقول بأن الوضع الأمني كان صعب جداً، ونفسياً كان الوضع ضاغط، وأنه على مستوى الأسر يوجد من دفنوا إيمانهم المسيحي تحت شعار أسلم تسلم".