الثلاثاء 21 أبريل 2026
عادت إلى الواجهة في الآونة الأخيرة سجالات متجددة وقديمة من حيث الطرح داخل الأوساط السلفية الصومالية، التي برزت كجماعات متمايزة منذ بداية الألفية الثالثة. تصاعدت حدة السجالات بين السلفية الدعوية وجماعة الاعتصام، وهي فصيل من السلفية الجهادية التي اتخذت منحي أكثر اعتدالا في الآونة الأخيرة، عبر تبادل الاتهامات حول قضايا ذات ابعاد أيديولوجية ومنهجية. وعلى الرغم انتقاد البعض تلك السجالات باعتبارها موغلة في العبثية وانعدام الجدوى، إلا أن المناظرات والتجاذب حول قضايا فكرية، مها كانت مستواها، تندرج ضمن المجال الفكري الذي يمكن اعتباره أكثر تقدما من السجالات المثارة دوما حول القضايا الجهوية والمتعلقة بالأفكار السياسية التي تغذيها التحيزات العشائرية.
تحاول هذه المقالة وضع القارئ في سياق تطور الجماعات السلفية في القرن الأفريقي، وخلفية الخلافات بين السلفيين الصوماليين، ليتمكن من فهم الحيثيات وجذور التباين بين الجماعات السلفية الفاعلة في الساحة حول قضايا عدة تفرقت حولها الجماعة. ورغم ادّعاء بعض المشاركين في هذا الجدل أنهم لا ينتمون إلى تنظيمات منظمة، إلا أن انتماءهم الفكري لأحد هذين التيارين أو لغيرهما من التفرعات السلفية يظل أمرًا بيّنًا.
لا يمكن الجزم بتاريخ دقيق لدخول الفكر السلفي إلى القرن الأفريقي والمجتمع الصومالي بالتحديد، إلا أن بعض المؤرخين المهتمين بتاريخ الفكر الإسلامي يشيرون إلى أن أولى بوادر التيار السلفي تعود إلى القرن الثامن عشر، باستدعاء شخصيات بارزة مرت في المجتمع الصومالي، مثل الشيخ علي مجيرتين (1787–1852)، الذي تلقى التعليم الديني في مكة، ويذكر أنه مر بمنطقة نجد التي انتشرت فيها الدعوة الوهابية السفلية في تلك الفترة. وقد عُرف الشيخ علي مجيرتين بمواقفه المتشددة تجاه بعض الممارسات الدينية أو الاجتماعية ذات الأبعاد الدينية في المجتمع الصومالي، ودعوته الصريحة لتصحيح العقيدة، والابتعاد عن بعض الطقوس الصوفية المنتشرة حينها.
لم يكن خلاف السلفيين الصوماليين إلا انعكاسًا لخلافات سياسية أوسع، عابرة للحدود، ومتشابكة مع خرائط السلطة والشرعية والولاء الإقليمي
لكن ما بدا "مشروع الشيخ علي مجيرتين السلفي" ظل محدودًا في حالة فردية، لم تترجم إلى حركة دعوية منظمة أو تيار عريض، وظلت الساحة الفكرية الدينية في المجتمع الصومالي، من تفكك السلطنات الإسلامية في شرق أفريقيا وحتى القرن العشرين، مسيطرة من قبل الطرق الصوفية التي تتبنى الخط الفكري والعقدي للأشاعرة، وذلك قبل أن تبدأ بوادر تحول عميق سيغير مسار الفكر الديني في المجتمع الصومالي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
يعتبر الشيخ نور علي عولو الذي عاد من مصر في منتصف الخمسينات متأثرا بجماعة "أنصار السنة المحمدية" ذات التوجه السلفي، والتي تأسست في مصر عام 1926. كان الشيخ نور علي عولو أول من نظّر للفكر السلفي في الصومال، بشكل صريح ومصادم مع الطرق الصوفية، وأثار حينها جدلًا واسعًا، خصوصًا لدى أوساط لم تألف هذا النوع من الخطاب النقدي الجذري لكثير من الأفكار والعادات الدينية المهيمنة في تلك الفترة. وتخرّج على يدي هذا الداعية السلفي عدد من الدعاة الذين لعبوا دورا محوريا في نشر الفكر السلفي وتبلور الحركات الإسلامية فيما بعد، ومن بينهم الداعية بقولصون والقيادي في الاتحاد الإسلامي عبد القادر نور فارح.
بدأ التيار الإسلامي الصومالي في التشكل مع حركة التحرر الوطني التي اجتاحت أفريقيا والعالم العربي خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين، حيث لعبت مصر الناصرية دورًا مركزيًا في تصدير الأفكار القومية التحررية. ولكن، في المقابل، دفعت سياسات عبد الناصر القمعية، والتوجه القومي فيها، نحو المواجهة مع تيارات إسلامية، تشكلت بعد انهيار السلطنة العثمانية التي تركت فراغا في مفهوم الخلافة عند كثير من المسلمين. وتأثر عدد من النخبة الصومالية والطلاب الصوماليين ممن درسوا في مصر بالحالة المصرية، وأخذوا نصيبا من هذا الحراك السياسي والديني.
تبنى بعض الصوماليين الأفكار القومية الناصرية، مثل السياسي الراحل حاجي محمد حسين والدبلوماسي عبد الله كونغو، فيما اختار آخرون مسار الفكر الإسلامي الذي ناهض الفكر القومي، متأثرين بجماعة الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية التي انبثقت من الإخوان المسلمين، وتبنت توجهات أكثر راديكالية مثل التيار القطبي وجماعة التكفير فيما بعد، كما تأثرت بعض الشخصيات بجماعة أنصار السنة المحمدية ذات التوجه السلفي.
ترفض الدعوة السلفية القتال تحت مسمي الجهاد، لكنها في المقابل دعمت تدخلات عسكرية سعودية، مثل حرب اليمن وحملة حفتر في ليبيا، ما يطرح تساؤلات حول اتساق مواقفها. في المقابل، يبدو أن جماعة الاعتصام تدرس الموقف حسب المعطيات، بينما تستمر حركة الشباب على نهجها الجهادي الصريح
كان التيار الإسلامي الناشئ حينها في الصومال متأثرا بخطاب الإخوان المسلمين، خصوصًا ما يتعلق بمسائل البعث الإسلامي واستعادة الخلافة الإسلامية، كما برزت أطروحات حول الحاكمية والدولة الإسلامية. تشكّلت في الصومال جماعات إسلامية، مثل: حركة "وحدة الشباب الإسلامي" في الشمال الصومالي، وفي الجنوب برزت جماعة "اتحاد الشباب المسلم" - والجماعة الإسلامية لاحقا، التي تشتت لاحقًا بين التيار القطبي وتيارات أكثر تشددًا مثل جماعة التكفير والهجرة.
بهذا، كانت كل الجماعات الإسلامية الصومالية في فترة الخمسينات والستينات مرتبطة بالتيارات المصرية، أما التأثير السعودي فقد بدأ يتصاعد في نهاية السبعينيات والثمانينات، ليجذب طلابا ودعاة صوماليين نحو المملكة العربية السعودية التي تنامى دورها لمواجهة التيارات القومية والأفكار الاشتراكية، وقامت السعودية بتمويل برامج لنشر الفكر السلفي الوهابي، كما طال هذا التأثير حتى خط الإخوان المسلمين الفكري والسياسي، حيث عاش في السعودية حينها كثير من رموز ومثقفي الحركة.
نتاجا لهذا التحول في التوجه، تشكلت عام 1983 حركة "الاتحاد الإسلامي" كتنظيم سلفي موحد في الصومال، وذلك باندماج الجماعة الإسلامية الناشطة في الجنوب مع تنظيم وحدة الشباب الإسلامي في الشمال، ليظهر اسم "الاتحاد الإسلامي" كمظلة وممثلا لعموم الخط السلفي في الصومال. وتبنّى هذا الكيان العقيدة السلفية بحذافيرها، وطرح نفسه بديلاً عن التنظيمات الصوفية والطرق التقليدية، وشرع في اختراق كل جوانب الحياة في المجتمع الصومالي من إنشاء لمراكز تعليمية وإعلامية ومعسكرات "للمجاهدين"، وكان له الدور الأكبر في تغيير أنماط التدين الاجتماعي في القرن الأفريقي، فضلًا عن نشر خطاب التكفير والعنف الديني بصورة غير مسبوقة.
في أعقاب سقوط النظام العسكري الصومالي بقيادة محمد سياد بري، عام 1991، حاول تنظيم الاتحاد الإسلامي أن يستغل الأوضاع المستجدة سياسيًا وعسكريًا، فسيطر على قاعدة كسمايو العسكرية مستوليا على العتاد العسكري فيها. كما عمل على نشر معسكرات للتدريب، ونشر فكرة الجهاد في مناطق مختلفة من الصومال.
كانت الأحداث متسارعة جدا في جنوب الصومال، مما أدخل الاتحاد الإسلامي في تكتيكات اضطرارية أرغمته أحيانا على القتال إلى جانب فلول النظام البائد الذي فر أنصاره إلى كسمايو التي سيطر عليها الاتحاد الإسلامي، وذلك لمواجهة حركة "المؤتمر الصومالي الموحد" (USC) التي تشكلت غالبية عناصرها من قبيلة "هويه". بهذا، ومن غير تخطيط، تورط الاتحاد الإسلامي في صراعات سياسية ذات أبعاد قبلية، مما أدى إلى انشقاقات داخلية، وبدء خلافات حول مشروعية عمل مكتب الجهاد التابع للتنظيم وأهداف القتال.
تعمقت هذه الخلافات لاحقًا بعد تكرار التجربة في معارك إقليم شمال شرق الصومال في 1992، لتبرز في الاتحاد الإسلامي ثلاثة توجهات: توجه يتحفظ من فكرة الجهاد، ويرفض عسكرة الدعوة، وتوجه يتحفظ من توقيت وتكتيكات الجهاد، لكنه متمسك بالفكرة، وتوجه متطرف يدفع نحو الاستمرار في المواجهة مع الفصائل الصومالية والتواجد الأجنبي في الصومال.
استمر الاتحاد الإسلامي في التماسك التنظيمي رغم هذه الانقسامات الداخلية حتى منتصف التسعينات، لكن الخلافات حول مسائل الجهاد أو العنف الديني وقضايا الحكم والتنظيم استمرت في التفاقم، مما أدى لتبلور تيارات ثلاثة؛ منها "الدعوة السلفية" المتأثرة بالتيار السلفي المدخلي الذي دعمته المملكة العربية السعودية بعد حرب الخليج، وذلك لمواجهة السلفية الجهادية والتيار الحركي السلفي. كما تشكل الجناح الجهادي للاتحاد الإسلامي في تيار، انتظم أخيرا إلى حركة الشباب المجاهدين التي تقاتل حاليا في جنوب الصومال. وبين الطرفين بقيت "جماعة الاعتصام"، تحت هذا الاسم الجديد، تمثل التيار الذي حافظ على الموقف الوسط من خلال الجمع بين العمل الدعوي والتنظيمي وفكرة الجهاد على مستوى التنظيم على الأقل، ويوازن بين المبدئية السياسية والتكيّف المحلي.
يمكن تلخيص أبرز مواضع الخلاف بين التيارات السلفية الثلاثة في أربع قضايا محورية:
مسألة التكفير: بينما تشدد "حركة الشباب" على تكفير الحكومات، وكل من لا يطبق الشريعة، تتبنى "الدعوة السلفية" موقفًا نقيضًا يرفض تكفير الحاكم مطلقًا. أما "الاعتصام" فتأرجح بين الموقفين، وفقًا للظرف السياسي.
طاعة الحاكم: ترفع الدعوة السلفية شعار الطاعة المطلقة للحكام، وتحذّر من الخروج عليهم تحت أي ذريعة، بينما ترى حركة الشباب والخط الذي تمثله أن الحكام طواغيت مرتدون يجب مقاتلهم لفرض الشريعة الإسلامية عبر الجهاد. وتحتفظ جماعة الاعتصام بموقف مرن يتغير بحسب المصلحة.
مفهوم الجهاد: ترفض الدعوة السلفية القتال تحت مسمى الجهاد، لكنها في المقابل دعمت تدخلات عسكرية سعودية، مثل حرب اليمن وحملة حفتر في ليبيا، ما يطرح تساؤلات حول اتساق مواقفها. في المقابل، يبدو أن جماعة الاعتصام تدرس الموقف حسب المعطيات، بينما تستمر حركة الشباب على نهجها الجهادي الصريح.
العمل التنظيمي: يعتبر تيار الدعوة السلفية أن تشكيل الجماعات الدينية دون الحكومات الرسمية أمر مخالف للشرع، وترى أن الجماعة الشرعية الوحيدة هي الدولة القائمة، بخلاف جماعة الاعتصام التي تحتفظ ببنية تنظيمية كاملة، وحركة الشباب التي تنشط كجماعة منظمة ومسلحة.
رغم المظهر العقدي الصارم لهذا الخلاف، فإن جذوره الحقيقية تعود إلى قضايا سياسية في الصميم. فجميع هذه التيارات تتغذى من نفس المصادر الفكرية، وهي السلفية الوهابية، وتعتمد على نفس العلماء في المدرسة الحنبلية الأثرية والتيار الوهابي، خاصة قبل نهاية التسعينيات من القرن الماضي، وقد يكون الشيخ السعودي صالح الفوزان، الذي لا يزال على قيد الحياة، آخر تمثيل حي لهذا المشترك المرجعي، مما يؤكد الخط الفكري المشترك في العقيدة والخلفيات المنهجية.
بينما تستمر هذه الجماعات في تبادل الاتهامات وتكريس الخلافات، فإن المراقب عن قرب يدرك أن هذه الخلافات لا تعكس فقط تباينًا في الرؤى والمواقف، بل تعبّر عن أزمة أوسع يعيشها المشروع الإسلامي السلفي في صورته المعاصرة
ساهمت الأحداث السياسية التي صاحبت عمليات الاتحاد الإسلامي والأحداث الإقليمية، مثل حرب الخليج الثاني والغزو الأمريكي على العراق، في تعزيز التباين الفكري في التيار السلفي، وفي تعميق الانقسامات، وظهور تيارات سلفية جديدة ترتبط بمواقف السلطة، وتنأى عن أي مشروع سياسي أو جهادي تماشيا مع توجه الحكومات. بينما ذهب الجناح الجهادي إلى مناحي أكثر راديكالية ودموية لمواجهة الحكومات وسلطات الأمر الواقع، في وقت حافظ تيار عريض على مواقف سياسية أقل عنفا، لكنها تتمسك بالطرح الأيديولوجي للإسلام السياسي السلفي. وهكذا، لم يكن خلاف السلفيين الصوماليين إلا انعكاسًا لخلافات سياسية أوسع، عابرة للحدود، ومتشابكة مع خرائط السلطة والشرعية والولاء الإقليمي.
يتّضح في ضوء هذا السرد التاريخي والتحليل الفكري أن الانقسامات داخل التيار السلفي الصومالي ليست مجرّد خلافات عقدية أو اجتهادات منهجية معزولة، بل هي انعكاسات لتحولات سياسية داخلية وإقليمية، وتقاطعات مع مشاريع دولية ذات أبعاد استراتيجية.
لقد نشأ التيار السلفي الصومالي في سياق تداخل فيه المحلي بالعابر للحدود والديني بالسياسي، والعقدي بالتنظيمي، ما جعله عرضة لانقسامات متكررة، في كل مرة تتغير فيها موازين القوى أو تصطدم المشاريع الفكرية بواقع اجتماعي أو سياسي متحوّل. وبينما تستمر هذه الجماعات في تبادل الاتهامات وتكريس الخلافات، فإن المراقب عن قرب يدرك أن هذه الخلافات لا تعكس فقط تباينًا في الرؤى والمواقف، بل تعبّر عن أزمة أوسع يعيشها المشروع الإسلامي السلفي في صورته المعاصرة، حيث لم ينجح حتى في الاختلاف في أطر فكرية بحتة، وإنما أصبح عرضة للانحيازيات القبلية والاملاءات الخارجية، ثم تقوم تلك التيارات السلفية بسرد نزاعاته السياسية على أنها صراع عقدي مرير.