تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الخميس 5 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
ثقافة

الصهيونية المسيحية في شرق أفريقيا: بين المقدس والهوية المستعارة

31 أغسطس, 2025
الصورة
الصهيونية المسيحية في شرق أفريقيا:  بين المقدس والهوية المستعارة
Share

"لأَنَّ هذِهِ أَيَّامُ انْتِقَامٍ، لِيَتِمَّ كُلُّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ" (لوقا- 22)

ثار مؤخرًا جدل هام حول تعليقات القاضية الأوغندية ونائبة رئيس محكمة العدل الدولية جوليا سيبوتيندي ، والتي تعرف نفسها باعتناق أفكار الصهيونية المسيحية، خلال مقابلة 10 أغسطس/آب بأنها تدافع عن الإبادة الإسرائيلية الجارية في غزة، لأن هذه الحرب علامة على "نهاية الزمان" التي وردت في الكتاب المقدس، وأن الله يعتمد عليها في الوقوف إلى جانب إسرائيل.

جاءت التعليقات استكمالًا لمواقف سيبوتيندي الداعمة لإسرائيل، والتي زادت وضوحًا بعد انتخابها في المحكمة الدولية نائبة لرئيسها في فبراير/شباط 2024، لفترة ثلاثة أعوام تنتهي مطلع عام 2027. تثير هذه التعليقات تساؤلات حول أصالة أفكار الصهيونية المسيحية في التجربة الأوغندية والشرق الأفريقي، وارتباطها بالمشروع الاستعماري الإنجليزي في هذا الإقليم، منذ بدايات القرن التاسع عشر، ودلالات استمرارية هذا التأثير حتى الوقت الحالي.   

الصهيونية المسيحية في شرق أفريقيا: هوية مستعارة؟

كشفت لحظة إعلان سيبوتيندي عن تحيزها لإسرائيل على أسس أيديولوجية دينية عن مدى تغلغل أفكار الصهيونية المسيحية في عقول قطاعات من النخب في أوغندا وفي شرق أفريقيا؛ لاسيما أن انتشار المسيحية هناك ارتبط (باستثناء الهضبة الحبشية) بالتوسع الاستعماري البريطاني، والذي كانت أفكار الصهيونية المسيحية جزءًا أصيلًا من جذوره وأدواته، الواعية وغير الواعية.

لقد تملك البروتستانت، منذ القرن السابع عشر على أقل تقدير قناعة بوجوب عودة اليهود إلى فلسطين وصهيون، وطوروا فكرة وجوب مساعدة المسيحيين لليهود في تنفيذ هذا المشروع. وفي مطلع القرن التاسع عشر، ومع صعود حركة التبشير الإنجليزية في "الدول الناطقة بالإنجليزية" تجدد اهتمام المبشرين الإنجيلكان بالشعب اليهودي ومصيره، ووجهوا في بعض الأحيان طاقاتهم لإنجاح مبادرات لعودة اليهود إلى فلسطين.

صحيح أن هذه الدعوات لم تحقق نتائج فورية وملموسة وقتها، لكنها أدت لتطور الصهيونية، وخلق تعاطف معها في المجتمعات المسيحية، وكذلك في مواجهة التوجهات المناهضة للصهيونية، وكان واضحًا تمامًا عام 1917 أن "الانفتاح الإنجيلكاني على الأفكار الصهيونية قد أثر على سياسات الحكومة البريطانية الفعلية".

تكشف بدايات انتقال أفكار الصهيونية المسيحية في شرق أفريقيا على يد المستعمر، وبتوظيف واضح للهيمنة على "الشعوب الزنجية"، ثم استيعاب نخب شرق أفريقية لها وتوظيفها سياسيًا إلى حد تبرير الإبادة والتعاطف معها، يكشف كل ذلك عن تكون هوية مستعارة تتخفى خلف قناع الفكر الاستعماري في القرن التاسع عشر، وتبلور سياسات عنصرية واستعلائية "أفريقية" (ضد الفلسطينيين في الحالة الراهنة).

تجسيدًا لهذه الفكرة، أو الانطباع، روى الصحفي البريطاني الشهير هنري وود نيفنسون (1856-1941) ملاحظاته خلال زيارته لأوغندا في نهاية القرن التاسع عشر أن التعليم الكتابي (biblical) الصارم قد خلق تصورًا بأن وعود الأنبياء والمشرعين اليهود وتهديداتهم، كانت منطبقة تمامًا علينا (نحن البريطانيون) من قبل قوة (إلهية) عليمة. ولم نشك للحظة أننا، الإنجيلكيون الإنجليز، كنا شعب الله المختار... وأننا من سيضيئ الضوء للأغيار... وأن جمعيات التبشير ستهدي الزنوج لنور الإنجيل، بينما سيحظى شعب الله الإنجليزي بالمجد".

وصف تودور بارفيت في مؤلفه الهام "اليهود السود في أفريقيا والأمريكيتين" (2013) هذه المرحلة الانتقالية، والمفصلية في واقع الأمر، وصفًا مزيدًا ومتعمقًا؛ فقد أطلق على ظاهرة تمثل نموذج الشعب اليهودي مفهوم "المجاز الإسرائيلي" (Israelite Trope) الذي نشط بقوة في القرن التاسع عشر في بريطانيا، وفي أجزاء متفرقة من أوروبا ثم الولايات المتحدة، وساهم في تكوين "هوية دينية متطرفة/ راديكالية جديدة" لدى البيض وغير البيض.

يمكن القول إن أفكار الصهيونية المسيحية ذات جذور عميقة في المسيحية التي تم التبشير بها في أغلب مناطق أوغندا

أما الإسرائيلية البريطانية ونظيرتها الأمريكية فإنهما خلقا فكرة وجود "قبائل إسرائيلية مفقودة" تتجلى إثنيًا وثقافيًا في مجتمعات أفريقية متنوعة، مثل: الإيبو في نيجيريا، والفالاشا في الهضبة الحبشية، وفي بعض مناطق الساحل وغيرها، وهي الفكرة التي طورها جون ويلسون ثم إدوارد هاي، وطورا معها أفكار إبادة الشعوب المستعمرة (في شرق أفريقيا تحديدًا) تنفيذًا لرسالة إسرائيل، وطرد السكان الأصليين في مستعمراتنا إلى أطراف بلدانهم. ورأى هاين أن إبادة غير الإسرائيليين تقوم دليلًا على أن الأنجلوساكسون هم ورثة الميعاد الوارد في الكتاب المقدس.

وحسب سرد بارفيت، فقد قدم سير هاري جونستون، وهو أول حاكم بريطاني لمحمية أوغندا وكاتب بارز، رأيًا مثيرًا للاهتمام، حتى في سياقنا الراهن، وهو أن الفينيقيين أو الكنعانيين قد توغلوا في أفريقيا في وقت ما، وتزاوجوا مع الإثيوبيين، ثم انتشروا في شرق أفريقيا وكونوا هناك مجتمعات أكثر تطورًا مع انتشارهم هذا. المر الذي يضيف أبعادًا تاريخية، مستعارة في الغالب، لانتشار أفكار الصهيونية المسيحية وتبنيها من قبل القاضية الأوغندية، وترحيب قطاع من النخبة الأوغندية بمواقفها بشكل عام.

من "مشروع أوغندا" إلى جدل سيبوتيندي وما بعدها

يمكن القول إن أفكار الصهيونية المسيحية ذات جذور عميقة في المسيحية التي تم التبشير بها في أغلب مناطق أوغندا (وربما باستثناء مناطق محددة مثل الأشولي شمالي أوغندا الحالي والذين اعتنق كثير منهم المسيحية على يد مبشرون كاثوليك)؛ ويبدو لنا من نص وجيز وهام للمفكر والروائي الأوغندي أوكوت بابيتك بعنوان "Decolonizing African Religions" ملمحًا من هذه الصلة العضوية؛ إذ يلاحظ، في سياق عرضه لتفكيك الدين والفلسفة الأفريقيين: "أن المسيحيين أكدوا أن المسيح هو يسوع التاريخي؛ وأن المسيحية كانت دعوة يهود وسط يهود كشكل من اليهودية المستصلحة. وكانت المسيحية اليهودية متشابكة بعمق في المسيحياني (بمعنى المنتظر عودته هنا). وكانت تتوقع بيقين تام عودة المسيح إلى الأرض بعد فترة وجيزة، وإسقاط الإمبراطورية الرومانية وإقامة حكم إلهي في القدس". ما يهمنا في هذا النص تبين إلى أي مدى كانت أفكار الصهيونية المسيحية متعمقة في صلب الإيمان المسيحي في أوغندا، وتصور تحذر هذه المسألة في عقول نخبة أوغندية فاعلة ومؤثرة في الوقت الراهن.

كما يعزز هذا الجانب الفكري حقيقة أن أوغندا قد حضرت بالفعل في قلب سياسات لندن الاستعمارية وتصوراتها لحل "المشكلة اليهودية" حينذاك، إذ وضعت لندن ما يسمى بمشروع أوغندا "Uganda Scheme" لتوطين اليهود في هذه المنطقة الأفريقية عند بداية القرن الماضي تقريبًا حلًا "للمشكلة اليهودية".

لاحظ بول ميركلي في كتابه "سياسة الصهيونية المسيحية 1891-1948"، أنه فيما كان تيودور هرتزل متيقنًا من محورية دور إنجلترا في "البرنامج الصهيوني" ومولعًا بالنظام السياسي الإنجليزي وخياراته الاستعمارية (ومن بينها مشروع أوغندا، مرحليًا على الأقل حينذاك)، فإن حاييم وايزمان، الزعيم الصهيوني الشاب حينذاك، كان أكثر براغماتية (في هذه المسألة تحديدًا)، ورأى أن مشروع أوغندا، رغم معارضته المريرة له، يمثل خطوة للأمام كونه أكد الدعم الشعبي الإنجليزي لفكرة التوصل لحل للمشكلة اليهودية؛ وعندما زار وايزمان إنجلترا للمرة الأولى في حياته عام 1903 كانت معارضته لمشروع أوغندا تكتسب مساحات جديدة لدى "المؤتمر الصهيوني".

وضعت لندن ما يسمى بمشروع أوغندا "Uganda Scheme" لتوطين اليهود في هذه المنطقة الأفريقية عند بداية القرن الماضي تقريبًا حلًا "للمشكلة اليهودية"

لم تتغير مواقف وايزمان لتقترب من نفس رؤية هرتزل لإنجليترا إلا بعد عمل الأول أستاذًا للكيمياء في جامعة مانشستر، وانخراطه في العمل عن كثب مع جمعية مانشستر الصهيونية في الأعوام التالية لوصوله هناك، لاسيما أنه كان قد التقى بآرثر بلفور (رئيس الوزراء السابق) عام 1903، أو قبل الانتخابات العامة التي خاضها الأخير 1905-1906 عن حزب المحافظين، وتمكن وايزمان من إقناع بلفور بصرف النظر عن مشروع أوغندا لتجرده من الوازع الديني حسبما سرد بلفور عن رأي وايزمان.

بغض النظر عن التطورات التاريخية التالية لتمدد الصهيونية المسيحية في أوغندا قبل الاستقلال وبعده، وارتباط هذا التمدد بالصلة المميزة التي ربطت البلاد بإسرائيل في مراحل مفصلية، فقد حظي موقف القاضية سيبوتيندي بتحليلات مفصلة حول دوافعها وحيثياتها ووضعه ضمن السياق السياسي الأكبر في بلدها أوغندا؛ ومن من هذه التحليلات دراسة ليوتام جيدرون بعنوان "الصهيونية المسيحية والشرعية السياسية في أوغندا"، وتضمنه إشارات مهمة لحصول القاضية على دعم كنسي ملفت داخل أوغندا، لاسيما من قبل Covenant Nations Church التي امتدحت زعيمتها بيشنس موسيفني روابووجو (ابنة الرئيس يوري موسيفني) موقف سيبوتيندي ووصفتها بأنها بطلة قومية، داعية الله أن يتذكرها برحمته وأن تظل أوغندا دائمًا - كأمة- في جانب الرب.

كان في استضافة كمبالا لأعمال قمة عدم الانحياز، والتي أدانت بقوة الإبادة الإسرائيلية في غزة، دليلًا على نهج أوغندا الرسمي المناهض للحرب، والذي قدم إدانات واضحة للأعمال الإسرائيلية في هذه الحرب

كما لاحظت الدراسة أن أودريك روابووجو، زوج الراعية الكنسية موسيفني، يعمل مستشارًا للرئيس الأوغندي في مجال الصادرات، إضافة إلى عمله كرجل أعمال بارز وعضو نشط في المجتمعات الكنسية الأوغندية. ولاحظ جيدرون أنه رغم عدم تضمين القاضية سيبوتيندي حيثياتها الرافضة لإدانة إسرائيل منذ يناير/كانون الثاني 2024 لأية "أسس دينية" فإن انتماءها للمؤسسة الخمسينية (البينتكوستال) في أوغندا يبدو واضحًا منذ عام 2014، وإعلانها الاعتناق الكامل لمبادئ كنيسة واتوتو (Watoto) (التي أقامها مبشرون كنديون في أوغندا عام 1984، وتعني الكلمة نفسها "أطفال" (الرب)).

لقد تماهت تصريحات سيبوتيندي مع الراعية موسيفني بشكل تام، فقد ذكرت الأخيرة أن "الوقوف في جانب إسرائيل، هو وقوف في جانب الرب"، وهي مقولات تقوم بالأساس على أفكار الصهيونية المسيحية التي جاءت مع دعوات المبشرين البروتستانت في أوغندا وغيرها من دول/ مستعمرات شرق أفريقيا.     

في المحصلة، تراهن أوغندا على تبني مواقف إنسانية تجاه الحرب في غزة، وقد كررت كمبالا إدانتها "للمذبحة" التي تقوم بها القوات الإسرائيلية في غزة، كما أدانت الخارجية الأوغندية في مرات عدة فشل المجتمع الدولي في وقف هذه المذبحة، وربما كان في استضافة كمبالا لأعمال قمة عدم الانحياز في يناير/كانون الثاني من العام الماضي، والتي أدانت بقوة الإبادة الإسرائيلية في غزة، دليلًا على نهج أوغندا الرسمي المناهض للحرب، والذي قدم إدانات واضحة للأعمال الإسرائيلية في هذه الحرب.

وكان ملفتًا تصريحات القاضية جوليا سيبوتيندي التي انتقدت فيها بلادها لعدم تبنيها وجهة نظرها في ضرورة الدفاع عن إسرائيل، من منطلق ديني "صهيوني مسيحي" بالأساس. لكن تظل لآثار الصهيونية المسيحية في أوغندا خطورتها في أنها تيار أيديولوجي له جذوره وسط نخبة ربما تكون أكثر هيمنة في الفترة المقبلة، وأكثر قدرة على تغيير المواقف الشعبية المناهضة للإبادة تدريجيًا؛ وهي حالة متكررة في دول أفريقية أخرى، لاسيما في شرق القارة وبعض دول الجنوب الأفريقي مثل زامبيا وغيرها، فيما تواصل إسرائيل حاليًا إعادة هيكلة استراتيجياتها في أفريقيا، بالتعاون مع مؤسسات عالمية مثل اللجنة اليهودية الأمريكية، واضعة نصب عينيها البناء على ما تسميه "القيم الدينية المشتركة"، وفي قلبها أفكار "الصهيونية المسيحية".