تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الثلاثاء 10 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي.. كيف تُختَبر منطق القوة والهيمنة؟

2 فبراير, 2026
الصورة
الشرق الأوسط والقرن الأفريقي.. كيف تُختَبر منطق القوة والهيمنة؟
Share

لا يمكن قراءة التحشيد العسكري الأمريكي الأخير في الخليج، ولا تصاعد الخطاب المتبادل مع إيران، بوصفه مقدمة مباشرة لحرب شاملة. فالمشهد الراهن يتجاوز ثنائية "الضربة أو التراجع"، ويتجه نحو مرحلة أكثر تعقيدًا: مرحلة اختبار قابلية الأنظمة الإقليمية والدولية لتحمّل الصدمة المؤجلة. ما يجري هو أقرب إلى غرفة ضغط جيوسياسية، تُرفع فيها الحرارة تدريجيًا لا لاختبار قدرة الخصم على الصمود فحسب، إنما لاختبار قدرة الحلفاء والأسواق وسلاسل الإمداد والنظام الدولي ذاته على الاستمرار، بأدنى مستوى صمود ومقاومة دون انهيار كامل. وفي الأثناء، لا تُقاس القوة بعدد حاملات الطائرات، ولا بحجم التصريحات النارية، إنما بقدرة الفاعلين على إدارة ما بعد الضربة اقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا. فهنا المنتصر عسكريًا قد يكون الخاسر استراتيجيًا.

التحشيد الأمريكي ومنطق تعطيل اللعبة

الأسطول الأمريكي المتجه نحو الخليج، كما يروّج له ترامب، والذي جرى تسويقه إعلاميًا بوصفه أداة ردع قصوى، لا يعمل في الواقع كأداة حرب تقليدية بحتة. فإسقاط النظام الإيراني بالقوة العسكرية لم يعد خيارًا واقعيًا ولا مرغوبًا حتى داخل المؤسسات الأمريكية نفسها، نظرًا لكلفته الاستراتيجية الهائلة. وعليه، يبدو أن الهدف الحقيقي للتحشيد هو رفع سقف التوتر إلى الحد الأقصى الممكن دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، ودفع إيران إلى التهوّر خطابيًا، والرد ضمن هوامش أمنية واقتصادية محسوبة، بما يسمح لواشنطن بجمع بيانات دقيقة حول أنماط الرد الإيراني المحتملة، ونقاط الاختناق في النظام الإقليمي (مضيق هرمز، القواعد العسكرية في الإقليم، إسرائيل، البنية النفطية)، وتفاعل الأسواق العالمية مع سيناريوهات التصعيد المحدود. بهذا المعنى، تصبح أي ضربة عسكرية، إن حدثت، مقياس ضغط لا غاية بحد ذاتها، وتتحوّل القيمة الاستخباراتية للمشهد إلى مكسب يفوق أي "نصر" إعلامي قصير الأجل.

تبدو إسرائيل في المشهد الحالي الطرف الأكثر قلقًا، ليس بسبب ضعف عسكري مباشر خاصة بعد ما اختبرته حرب الاثنا عشر يوما ضد إيران، إنما بسبب ضيق الزمن الاستراتيجي لفطرة التطورات السياسية والأمنية على مستوى العالم

تتعامل إيران، كما يبدو واضحاً من ردة فعلها، مع لحظة التصعيد الحالية بعقل بارد نسبيًا، يقوم على إدراك عميق لتحولات النظام الدولي، وحدود القوة الأمريكية، وتآكل قدرة الغرب على تحمّل الصدمات الاقتصادية الكبرى، كما استجلت في صراخ الاتحاد الأوروبي مؤخرا، واختيار الإصرار الواسع لإدارة ترامب للاستلاء عليها بالقوة، إن رفضت الدانمارك بيعها لها. لهذا، لا تسعى طهران إلى "الانتصار" بالمعنى العسكري التقليدي، ولا إلى كسر التوازن دفعة واحدة، بل إلى تعطيل قابلية اللعبة نفسها للاستمرار أطول فترة ذات تداعيات هائلة.

تقوم الاستراتيجية الإيرانية الراهنة على ثلاث ركائز مترابطة: أولاً؛ نزع قيمة الضربة الأولى؛ حيث تدرك إيران أن الضربة الأولى، مهما كانت مؤلمة، لم تعد تُسقط أنظمة، ولا تحسم صراعات. تجربة العراق وليبيا وحتى أوكرانيا، أظهرت أن الصدمة العسكرية السريعة لم تعد تنتج نتائج سياسية مستقرة. لذا، جاء تفويض الصلاحيات للأقاليم والمؤسسات، وتوسيع اللامركزية الأمنية والإدارية، بوصفه تحصينًا استباقيًا ضد أي محاولة لشلّ القرار المركزي.

ثانيًأ؛ تحويل الرد من عسكري إلى بنيوي بدل الرد الصاروخي المباشر، فإيران تُلوّح بأدوات قادرة على إحداث خلل بنيوي في النظام العالمي: مضيق هرمز ليس سلاحًا عسكريًا بقدر ما هو زر فوضى اقتصادية كفيل بإرباك أسواق الطاقة، وأنظمة التأمين البحري، وسلاسل الإمداد الصناعية في آسيا وأوروبا. ولا يستهدف هذا النوع من الرد واشنطن وحدها، بل يوسّع دائرة الكلفة لتشمل حلفاءها وخصومها على حد سواء، ما يجعل احتواء الأزمة أكثر تعقيدًا، وأكثر خسارة، وأشدّ أثرًا استراتيجيًا.

ثالثًا؛ رفع السقف دون كسره؛ حيث تحاول إيران أن ترفع لغة التهديد، وتخزّن الألغام، وتُحرّك الوكلاء، لكنها تمتنع عن الاستخدام الشامل. وهدفها بالطبع ليس إغلاق اللعبة، إنما جعلها غير قابلة للعب دون خسائر عالمية جسيمة. وهذه الاستراتيجية تضع الخصم أمام معادلة مستحيلة. الضربة تؤدي إلى فوضى عالمية، وعدم الضربة لا يُسقط الردع.

مأزق "النصر" الأمريكي في زمن الهشاشة

إن المعضلة الأمريكية اليوم لا تتعلق بقدرتها على توجيه ضربة، إنما بالاحتمالية الكبيرة لعجزها عن إدارة ما بعدها. لأن الولايات المتحدة تدخل هذه اللحظة، وهي مثقلة بثلاث أزمات بنيوية. أولها؛ هشاشة اقتصادية داخلية وتتمثل في ديون تاريخية، تضخم مزمن، انقسام سياسي داخلي حتى وسط الجمهوريين، وانتخابات حاسمة قادمة. أي صدمة نفطية كبرى أو دبلوماسية هائلة ستتحول فورًا إلى أزمة سياسية داخلية، مثل حادثة القبض على الرئيس الفنزويلي من مقر إقامته الرئاسية في بلاده، لا يمكن احتواؤها عبر الأدوات التقليدية.

يبدو أن الهدف الحقيقي للتحشيد هو رفع سقف التوتر إلى الحد الأقصى الممكن دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، ودفع إيران إلى التهوّر خطابيًا والرد ضمن هوامش أمنية واقتصادية محسوبة، بما يسمح لواشنطن بجمع بيانات دقيقة حول أنماط الرد الإيراني المحتملة، ونقاط الاختناق في النظام الإقليمي

ثانيها؛ نظام دولي بلا هوامش أمان؛ إذ بات العالم اليوم يعمل عند حدود التحمّل القصوى: سلاسل الإمداد لم تتعافَ بالكامل، وأسواق الطاقة بلا مخزون استراتيجي مريح، وأوروبا بلا بدائل سريعة للغاز والنفط. هذا ما يجعل أي حرب قادمة واسعة لا تُقاس بنتائجها العسكرية فحسب، إنما بقدرتها على تفجير النظام الاقتصادي العالمي.

ثالثها؛ أزمة ثقة في القيادة؛ حيث أن أي ضربة عسكرية أو مقاومة دبلوماسية أمنية لا تنتج استقرارًا ستُفسَّر عالميًا بوصفها فشلًا في القيادة لا استعراض قوة، خصوصا بعد تجارب التدخل في ليبيا واليمن والعراق وأفغانستان. وهنا تكمن المفارقة، أي نصر بلا استقرار ليس سوى هزيمة استراتيجية. وقد يكون أخطر ما في هذا السيناريو هو بدء العديد من القوى الكبرى مثل: "البريكس BRICS"، تسريع البحث الدولي عن بدائل للنظام المالي والسياسي الذي تقوده واشنطن.

دولة تعيش على حافة الاستنزاف

تبدو إسرائيل في المشهد الحالي الطرف الأكثر قلقًا، ليس بسبب ضعف عسكري مباشر خاصة بعد ما اختبرته حرب الاثنا عشر يوما ضد إيران، إنما بسبب ضيق الزمن الاستراتيجي لفطرة التطورات السياسية والأمنية على مستوى العالم. فالدولة التي بُنيت على منطق الردع السريع والحسم الخاطف والصراع الاستنزافي تجد نفسها أمام بيئة إقليمية لم تعد تستجيب لهذا النموذج.

يمكن حصر وتفكيك المعضلة الإسرائيلية إلى ثلاثة مستويات مترابطة. أولاً؛ الردع لم يعد حاسمًا؛ فرغم أن امتلاك إسرائيل تفوقًا عسكريًا نوعيًا، لكنها تواجه خصومًا لا يسعون إلى الانتصار العسكري المباشر، إنما إلى إطالة أمد الصراع، ورفع كلفته، ولاسيما إيران وحركة حماس والمقاومة الفلسطينية. هذا النمط من الصراع قد يعمل على استنزاف إسرائيل على المدى المتوسط، لأنه يضرب نقاط ضعفها البنيوية لا قدراتها القتالية فحسب.

ثانيًا؛ الاقتصاد كخاصرة رخوة؛ إذ يعتمد الاقتصاد الإسرائيلي على الاستثمار الأجنبي، والابتكار التكنولوجي، والثقة طويلة الأمد في الاستقرار. لذا، فإن أي اضطراب ممتد في الملاحة، أو تصعيد إقليمي طويل، سيؤدي إلى هروب رؤوس الأموال، وتراجع التصنيف الائتماني، وتحوّل إسرائيل من أصل استثماري إلى عبء عالي المخاطر. وهنا تكمن المفارقة في أن إسرائيل قوية عسكريًا، لكنها هشّة اقتصاديًا في زمن الحروب الطويلة، كما تجلت مظاهرها في حربها الأخيرة ضد إيران.

ثالثاً؛ القلق من العزلة الاستراتيجية؛ حيث تخشى تل أبيب أن تجد نفسها في حرب لا تحظى بدعم دولي كامل، ولاسيما من الولايات المتحدة، خصوصا إذا فُسّرت الضربة على إيران مجددًا بوصفها سببًا في تفجير النظام الاقتصادي العالمي. وقد تتحوّل إسرائيل في هذا السيناريو، من "حليف استراتيجي" إلى "مشكلة يجب احتواؤها". لهذا تضغط إسرائيل باتجاه الحسم السريع، لكنها في الوقت نفسه لا تريد تحمّل فاتورته، ما يجعلها عنصر تسريع للتصعيد دون امتلاك أدوات السيطرة عليه.

من ساحة اشتباك إلى غرفة تحكّم

بعكس إسرائيل، يعمل الخليج، خصوصا السعودية، من موقع مختلف تمامًا. لم يعدّ الخليج ساحة تُدار فيها الحروب بالوكالة، إنما غرفة تحكّم تُدار فيها توازنات التصعيد والاحتواء. والتنسيق السعودي – القطري – العُماني الذي ظهر مؤخرًا لا يمكن فهمه خارج هذا الإطار. فهو ليس تحالفًا دفاعيًا، ولا اصطفافًا سياسيًا مع إيران، إنما آلية إدارة مخاطر إقليمية.

هذا الدور الخليجي يقوم على ثلاث وظائف مركزية. أولها؛ إدارة كلفة الصدمة الاقتصادية؛ حيث يدرك الخليج أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الضربة العسكرية، بل في توقف التأمين البحري، وشلل الشحن العالمي، وانهيار الثقة في أسواق الطاقة. وهذه العوامل إذا خرجت عن السيطرة، فلن تُصيب إيران أو أمريكا وحدهما، بل ستصيب دول الخليج في الصميم.

ثانيها؛ منع توسّع مسارح الصراع؛ حيث أن أي تصعيد في مضيق هرمز أو البحر الأحمر يعني فتح جبهات تلقائية في اليمن، والقرن الأفريقي، وشرق المتوسط. مما يؤدي إلى أن يصبح دور الخليج إبقاء الصراع ضمن حدود يمكن احتواؤها، ومنع تحوله إلى سلسلة تفاعلات لا يمكن إيقافها.

ثالثها؛ حماية الاستقرار الداخلي؛ فالدول الخليجية، رغم قوتها المالية، تعرف أن ارتفاع أسعار الوقود داخليًا، أو توقف الصادرات لفترة قصيرة، كفيلان بإحداث ارتدادات اجتماعية وسياسية لا يمكن تجاهلها. ولهذا، يعمل الخليج بمنطق "تقليل الخسائر" لا بمنطق تسجيل النقاط.

من منطق التكيّف إلى منطق هندسة النظام

ما يجري داخل الاستراتيجية السعودية لا يمكن اختزاله في رد فعل ظرفي على تصعيد أمريكي - إيراني، إنما يعكس انتقالًا نوعيًا في طريقة تموضع الدولة داخل النظام الإقليمي والدولي. الرياض لم تعد تتصرف بوصفها دولة تبحث عن مظلة حماية، بل بوصفها فاعلًا يعمل على إعادة تعريف شكل المظلة ذاتها.

لعقودٍ، بُني الأمن الخليجي على معادلة بسيطة: الثروة مقابل الحماية. إلا أن تصاعد عدم اليقين الدولي، وتراجع موثوقية الالتزامات الأمريكية المباشرة، دفع السعودية إلى تبنّي مفهوم مختلف للأمن، يقوم على القدرة الذاتية على الردع، وتنويع مصادر القوة، وتقليص الاعتماد على الضمانات الخارجية. فتوطين الصناعات العسكرية، الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وبناء مجمع صناعي - عسكري تنفيذي ليست مشاريع تقنية، إنما أدوات سيادة في عالم تتآكل فيه المظلات التقليدية.

لم يعدّ الخليج ساحة تُدار فيها الحروب بالوكالة، إنما غرفة تحكّم تُدار فيها توازنات التصعيد والاحتواء. والتنسيق السعودي – القطري – العُماني الذي ظهر مؤخرًا لا يمكن فهمه خارج هذا الإطار

إن الرهان السعودي لا يقوم على استغلال انهيار الآخرين، بل على إدارة الفراغ الناتج عن إنهاكهم. أي حرب أمريكية – إيرانية وإن كانت محدودة، ستؤدي إلى إنهاك إيران اقتصاديًا وبنيويًا، واستنزاف إسرائيل سياسيًا وماليًا، وتقليص قدرة واشنطن على الفرض المباشر طويل الأمد. تسعى السعودية إلى تقديم نفسها كقوة قادرة على فرض الاستقرار، ومقبولة إقليميًا، ومحمية دوليًا بضمانات غير مباشرة. وهذا ليس مشروع هيمنة، إنما مشروع وراثة نظام. وقد تبتعد الرياض عن منطق المحاور المغلقة، وتتجه نحو شبكة تحالفات مرنة. حيث التنسيق مع تركيا، وفتح قنوات مع إيران، عمل شراكات مع آسيا، وخلق توازن محسوب مع الغرب. وهذا النمط من العلاقات يمنح السعودية هامش مناورة أوسع في مرحلة تتسم بسيولة القوة وتداخل الأزمات.

الجبهة التي تختبر النظام القادم

لا يمكن فصل التحول السعودي عن إدراك عميق لأهمية البحر الأحمر بوصفه شريانًا استراتيجيًا لرؤية 2030، وللاقتصاد العالمي ككل. ما يجري في السودان ليس أزمة إنسانية فحسب، بل اختبارا حقيقيا لقدرة الإقليم على منع تفكك أحد أهم ممراته. وفي ظل التطورات الحاسمة والمتسارعة، لم يعدّ السودان ساحة نزاع داخلي، بل نقطة التقاء لممرات الطاقة، وبوابة واسعة ومواربة للقرن الأفريقي، ومساحة تنافس بين قوى إقليمية ودولية.

يعكس التحول السعودي في السودان إدراكًا بأن سقوط السودان قد يؤدي إلى فوضى بحرية، ويقود تلقائيًا إلى تهديد مباشر للأمن القومي السعودي. لهذا انتقلت الرياض من دور الوسيط المحايد إلى دور الفاعل الذي يضع خطوطًا حمراء غير معلنة، وهذا التحول لا يعني عسكرة السياسة، إنما منع عسكرة الإقليم من قبل أطراف تسعى لتحويل الفوضى إلى أداة نفوذ.

كما أن دخول إثيوبيا في السياق المتغير باستمرار، وربط النزاع بسد النهضة، لا يعني فتح جبهة جديدة فقط، إنما إعادة إحياء صراعات كامنة، واستفزاز مصر عند خطوطها الوجودية، وتحويل السودان إلى مسرح تصفية حسابات إقليمية كبرى. وهنا تكمن خطورة اللحظة؛ الحرب إذا خرجت من حدودها لا تعود إليها.

اتفاقيات إبراهام ونهاية الوهم الوظيفي

تكشف الأزمة الحالية المحتدمة في الشرق الأوسط، أن اتفاقيات إبراهام لم تُصمَّم بوصفها مشروع سلام متوازن، إنما كأداة لإعادة هندسة الإقليم بما يخدم أمن إسرائيل أولًا، حتى لو جاء ذلك على حساب استقرار الدول الشريكة. ففي الأثناء تحوّلت الاتفاقيات إلى ما يشبه شيك على بياض. حيث حماية غير مشروطة، وتجاهل للأدوار التخريبية، وإعادة تعريف أي معارضة بوصفها "تهديدًا للسلام".

لا ينتج هذا النموذج استقرارًا، إنما يراكم الغضب ويعمّق الانقسامات. وإن رفض الرياض الانخراط في هذه الصيغة ليس موقفًا أيديولوجيًا، بل حسابًا استراتيجيًا. فهي تدرك أن السلام الحقيقي لا يُبنى على ابتزاز، ووالتحالفات التي تقوم على الحصانة المطلقة تتحول إلى عبء. لهذا أصبحت السعودية العقبة الأساسية أمام تعميم نموذج إبراهام، لا لأنها ترفض السلام، بل لأنها ترفض سلامًا يُدار من مركز واحد.

القرن الأفريقي من الهامش إلى قلب الصراع

وسط هذه الحمي الوطيس للصراعات في الشرق الأوسط وامتدادته، لم يعدّ القرن الأفريقي ساحة جانبية في الصراع الإقليمي، إنما تحوّل تدريجيًا إلى مسرح مركزي لتصفية الحسابات الجيوسياسية المرتبطة بإعادة تشكيل النظام في الشرق الأوسط. فكلما ارتفعت احتمالات التصعيد في الخليج والبحر الأحمر، ازدادت أهمية القرن الأفريقي بوصفه عمقًا خلفيًا، ومساحة مناورة، وساحة ضغط غير مباشرة.

في ظل التطورات الحاسمة والمتسارعة، لم يعدّ السودان ساحة نزاع داخلي، بل نقطة التقاء لممرات الطاقة، وبوابة واسعة ومواربة للقرن الأفريقي، ومساحة تنافس بين قوى إقليمية ودولية

كشفت التطورات الأخيرة، أن ما يُطبخ في القرن الأفريقي ليس نتاج ديناميات داخلية فقط، بل امتداد مباشر لتوازنات الشرق الأوسط. السيطرة على الموانئ، القواعد البحرية، والممرات اللوجستية في جيبوتي وإريتريا والصومال والساحل السوداني، وبالتالي أصبحت المنطقة جزءًا من معادلة الردع والاحتواء بين القوى الكبرى والإقليمية. في لحظات التصعيد، تتحول هذه الجغرافيا إلى بدائل محتملة لمضيق هرمز، ومنصات ضغط على الملاحة الدولية، ونقاط ارتكاز لنفوذ عسكري - اقتصادي طويل الأمد.

فيما تمثّل إثيوبيا اليوم أخطر نقطة التقاء بين أزمات الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، أي انزلاق إثيوبي، سواء عبر تدويل أزمة سد النهضة، أو الانخراط غير المباشر في حرب السودان، أو فتح ممرات عسكرية ولوجستية لقوى إقليمية. مما سيؤدي إلى سلسلة تفاعلات يصعب احتواؤها: حيث استفزاز مباشر لمصر عند خطوطها الوجودية، وإعادة فتح الصراع الإثيوبي – الإريتري، وتحويل القرن الأفريقي إلى مسرح صدام إقليمي متعدد الأطراف. والخطر هنا لا يكمن في حرب تقليدية، إنما في تفكك الدولة الإثيوبية نفسها تحت ضغط الاستقطاب الخارجي، ما يفتح الباب أمام فوضى عابرة للحدود.

وبين الفراغ والتوظيف وسط هذا السياق الإقليمي العنيف، تصبح الدول الأضعف مؤسسيًا في القرن الأفريقي تصبح الأكثر عرضة للتوظيف في لحظات التحول الكبرى. فالصومال مثلًا من هشاشة أمنية مزمنة، وأي تصعيد إقليمي قد يدفع نحو عودة الجماعات المسلحة كأدوات ضغط، استخدام السواحل الصومالية كورقة ابتزاز للملاحة، وتحويل الدولة إلى ساحة تنافس استخباراتي وعسكري. بينما إريتريا، بموقعها الحساس على البحر الأحمر، قد تُستدرج مجددًا إلى لعبة المحاور، سواء عبر تقديم تسهيلات عسكرية، أو لعب دور الموازن بين القوى المتصارعة. وهذا التوظيف لا يخدم استقرار هذه الدول، بل يعمّق هشاشتها ويجعلها رهائن لصراعات أكبر منها.

ومع تصاعد التوتر في الخليج، يتضاعف الضغط على البحر الأحمر بوصفه الممر البديل الأكثر حساسية. أي اضطراب فيه، سواء عبر اليمن أو السودان أو القرن الأفريقي ككل يعني عمليًا شلّ التجارة بين آسيا وأوروبا. لهذا، تتحول دول القرن الأفريقي إلى عناصر في معادلة الأمن الطاقي العالمي، وأدوات ضغط متبادلة بين القوى الإقليمية، وساحات اختبار لقدرة النظام الدولي على حماية الممرات.

وفي هذا السياق، لا تنظر السعودية ودول الخليج إلى القرن الأفريقي كـ"فضاء نفوذ"، بل كـخط دفاع متقدم عن استقرار البحر الأحمر ورؤية 2030. وأي انفجار في القرن الأفريقي سيعني تهديد مباشر للملاحة، وتصاعد مخاطر الإرهاب والتهريب، وفتح جبهة استنزاف طويلة الأمد جنوب شبه الجزيرة العربية. ولهذا، يتقاطع الدور السعودي في السودان مع اهتمام متزايد باستقرار القرن الأفريقي ككل، ليس عبر التدخل المباشر، بل عبر كبح عسكرة الصراعات، ومنع تدويل الأزمات المحلية، ووقطع الطريق أمام تحويل المنطقة إلى ساحة حرب بالوكالة واسعة دون القدرة على السيطرة عليها في المنظور القريب.