السبت 14 مارس 2026
أعلن الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، في مبادرة أثارت آمالا بقرب انفراجة في الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد، بتاريخ 29 مارس/آذار الماضي، خلال خطابه بمناسبة عيد الفطر، عن استعداده لفتح حوار مع المعارضة ومختلف المكونات المجتمعية، بهدف توحيد الجهود والرؤى في الحرب ضد الإرهاب، وبناء دولة حديثة تقوم على النظام الفيدرالي والديمقراطية، وتلتزم بالدستور والقوانين السارية.
حظي الإعلان بترحيب حذر من المعارضة والشارع الصومالي، كونه أحد المطالب الرئيسية التي رفعتها المعارضة طيلة الأشهر الماضية. كما أثار العديد من التساؤلات حول طبيعة الحوار، وهوية المشاركين فيه، والمواضيع التي يعتزم الرئيس طرحها للنقاش، إضافة إلى مكان انعقاده، لا سيما في ظل الخلافات القائمة بينه وبين بعض حكام الولايات الإقليمية، مثل رئيسي ولايتي جوبالاند وبونتلاند، اللذين يُرجَّح رفضهما الحضور إلى مقديشو.
مع ذلك، جاء الإعلان في وقت مناسب لعدة اعتبارات، أبرزها تخفيف حدة الضغوط الداخلية والخارجية، ونفي قائمة من التهم عن الرئيس محمود، مثل الانفراد بالسلطة، وتجاهل حكام الولايات الإقليمية والشركاء السياسيين. فضلا عن ذلك، سوف يساهم الإعلان في تعزيز الجهود العسكرية ضد حركة الشباب، من خلال تقليص الانشغالات السياسية التي استنزفت طاقة الحكومة خلال الأشهر الماضية.
حظي إعلان الرئيس حسن شيخ محمود بترحيب حذر من مختلف السياسيين المعارضين، حيث أصدرت عدة جهات بيانات منفصلة أعربت فيها عن التأييد المبدئي لمبادرة الحوار، معتبرة أن التهديد الذي تشكله حركة الشباب، إلى جانب موجات التغيرات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة والعالم، يفرضان على جميع الأطراف – حكومة ومعارضة – تقديم تنازلات متبادلة، والتعامل بمزيد من العقلانية والمسؤولية بغية الحفاظ على استقرار البلاد وصون سيادتها.
لكن في المقابل، أعادت المعارضة الكرة إلى ملعب الرئيس حسن شيخ محمود، مطالبةً بتقديم مزيد من التفاصيل بشأن أجندة الحوار، ومكان انعقاده، وتحديد هوية المشاركين فيه، لضمان فاعلية جلساته على تحقيق نتائج ملموسة، تسهم في توحيد الصف الوطني في مواجهة التنظيمات الإرهابية التي تهدد أمن البلاد واستقرارها، ومعالجة الأزمة السياسية والقضايا الخلافية الراهنة. عكس هذا الترحيب الحذر حالة الغموض التي أحاطت بإعلان الرئيس، في ظل غياب التفاصيل الجوهرية المتعلقة بأجندة الحوار وآلياته، فالكثير من احتمالات نجاح المبادرة أو فشلها كامنة في هذه التفاصيل التي يترقبها الجميع، فمستقبل هذا الإعلان رهين بما ستكشفه الأيام القادمة.
أعربت ولاية جوبالاند، التي تُعد الخصم الأشد للحكومة الفيدرالية، من جهتها عن الترحيب بأي إعلان يُفضي إلى التفاوض بشأن القضايا الخلافية الراهنة في البلاد، بما يسهم في تسوية النزاعات بين الأطراف الصومالية دون الحاجة إلى وساطة خارجية. بخلاف ولاية بونتلاند التي بدا موقفا أميل إلى الرفض، مبررة ذلك بأن انشغالها في معارك ضد تنظيم داعش تمثل أولوية لها في الوقت الراهن.
أعادت المعارضة الكرة إلى ملعب الرئيس حسن شيخ محمود، مطالبةً بتقديم مزيد من التفاصيل بشأن أجندة الحوار، ومكان انعقاده، وتحديد هوية المشاركين فيه، لضمان فاعلية جلساته على تحقيق نتائج ملموسة
تزداد مخاوف المراقبين في ظل المعلومات المتداولة عبر بعض وسائل الإعلام المحلية، والتي تفيد عزم الرئيس حصر أجندة الحوار في جهود محاربة الإرهاب فقط، مع توسيع دائرة المشاركة، لتشمل مختلف فئات المجتمع والسياسيين، دون التطرق إلى القضايا الخلافية الملحة التي تعصف بالبلاد، وعلى رأسها آلية إجراء الانتخابات الفيدرالية، وكيفية إدارة المرحلة الانتقالية المرتقبة، إلى جانب الخلافات الناجمة عن التعديلات الدستورية التي أقرها البرلمان الفيدرالي، وشملت أربعة فصول من مواد الدستور الانتقالي، ووقع عليها الرئيس محمود العام الماضي.
لم تثن تلك المخاوف والغموض حيال بالإعلان، السلطات الصومالية من إلقاء القبض، في 4 أبريل/نيسان الجاري، على عبد الرحمن سليمان؛ السياسي المعارض ورئيس جمعية الشعب السياسية، على خلفية تصريحات يتهم فيها الحكومة الفيدرالية بالفشل في أداء مهامها، حيث أكد أن الدفاعات في مواجهة حركة الشباب تراجعت إلى مناطق محدودة، لا تتجاوز أطراف مدينتي أفجوي وبلعد، اللتين تبعدان نحو 30 كلم عن العاصمة مقديشو، مما يزيد من الشكوك حول نوايا الرئيس حسن شيخ محمود وجديته في هذا الإعلان.
توشك ولاية الرئيس حسن شيخ محمود الممتدة أربع سنوات على إتمام عامها الثالث، فيما تشهد البلاد مأزقًا سياسيًا متصاعدًا بين الحكومة الفيدرالية من جهة، والمعارضة بما في ولايتي بونتلاند وجوبالاند من جهة أخرى، نتيجة خلافات حول عدد من الملفات، أبرزها آلية إجراء الانتخابات الفيدرالية المقبلة، التي لم يتبقَ على موعدها سوى 13 شهرًا، إضافة إلى التعديلات الدستورية التي أقرها البرلمان الفيدرالي العام الماضي بإيعاز من الرئيس، فضلاً عن الخلافات السياسية مع حكام بونتلاند وجوبالاند المرتبطة بالصراع على النفوذ والسلطة.
في ظل هذا المأزق وحالة الشد والجذب بين الطرفين، تعلق المعارضة آمالًا عريضة على الحوار المرتقب، تبدأ بإدراج القضايا السياسية الخلافية في أجندة الحوار، مرورًا بالدعوة إلى مشاركة كافة الشركاء السياسيين والأطراف المعنية، بما في ذلك حكام بونتلاند وجوبالاند، وانتهاءً بتراجع الرئيس عن خطته الانتخابية القائمة على نظام "شخص واحد، صوت واحد"، والتعديلات الدستورية التي أقرها البرلمان ووقع عليها لاحقا، والتي شملت أربعة فصول من مواد الدستور الانتقالي.
إن تجاهل القضايا المتعلقة بآلية إجراء الانتخابات الفيدرالية، والخلافات الناتجة عن التعديلات الدستورية التي أجرتها إدارة الرئيس، والتي قوبلت برفض واسع من شأنه أن يعمق حالة الانقسام، ويقوض فرص التوصل إلى توافق وطني حقيقي
كما تأمل المعارضة أن يسفر الحوار عن مصالحة حقيقية بين ولايتي جوبالاند وبونتلاند والحكومة الفيدرالية، وعودتهما إلى مجلس التشاور الوطني، الذي يضم القيادة الفيدرالية وحكام الولايات الإقليمية وعمدة بلدية مقديشو، حيث لم تعدا في الآونة الأخيرة تشاركان في اجتماعاته.
لكن تحقيق هذه الآمال يبدو مهمة صعبة نظرا للتطورات التي أعقبت إعلان الرئيس، ففي 4 أبريل/نيسان الجاري، عقد الرئيس محمود اجتماعًا تشاوريًا مع رؤساء ولايات جنوب الغرب، هيرشبيلي، وغلمدغ. وأكد بيان صادر عقب الاجتماع أن القادة بحثوا سبل الاستعداد للحوار الذي أعلنه الرئيس حسن شيخ محمود مؤخرًا، مشيرا إلى أنه يهدف لخلق حالة من الوحدة الوطنية لمواجهة حركة الشباب، تمهيدًا لتحقيق نصر حاسم عليها.
لقد جسد فحوى البيان نية الرئيس في حصر أجندة الحوار في جهود مكافحة حركة الشباب، متجاهلًا بذلك الملفات الساخنة الأخرى التي تعصف بالبلاد، حيث يبدو أن الطريق الوحيد للخروج من المأزق السياسي الراهن، وتحقيق توافق شامل حول آلية إجراء الانتخابات الفيدرالية المقررة في منتصف عام 2026 يكمن في إدراج هذه القضايا ضمن أجندة الحوار، والتوصل إلى تسوية شاملة بشأنها.
في ظل الشكوك القائمة حول جدية الرئيس في التحاور مع المعارضة من خلال طرح الملفات الخلافية الراهنة، واستمرار الغموض الذي يكتنف أجندة الحوار المعلن، تبقى النتائج المتوقعة منه - إن انعقد - مرهونة بالكشف عن طبيعة الأجندة التي سيتم طرحه، إذ إن تجاهل القضايا المتعلقة بآلية إجراء الانتخابات الفيدرالية، والخلافات الناتجة عن التعديلات الدستورية التي أجرتها إدارة الرئيس محمود العام الماضي والتي قوبلت برفض واسع من ولاية بونتلاند، وكافة القوى السياسية المعارضة، من شأنه أن يعمق حالة الانقسام ويقوض فرص التوصل إلى توافق وطني حقيقي.
بعيدا عن الغموض الذي يكتنف أجندة الحوار والمواضيع التي ينوي الرئيس حسن شيخ محمود طرحها، فهناك إشكاليات قد تظهر فور الشروع في الأنشطة التحضيرية لعقده، وعلى رأسها مسألة مكان انعقاده، في ظل الصراع الحاد بين الرئيس محمود وحاكم ولاية جوبالاند أحمد محمد إسلام (مذوبي)، والذي وصل سابقا إلى حد المواجهات الدموية، وتبادل أوامر القبض بين الجانبين، وهو ما يجعل من الصعب تصور جلوس الطرفين معا بشكل مباشر دون تحقيق مصالحة أولية بوساطة طرف ثالث، وهي خطوة لم يُظهر أي من الجانبين حتى الآن استعدادا فعليا لها، رغم إعلان الرئيس عن مبادرة الحوار العام، وتصريحات مذوبي المرحبة بأي مصالحة داخلية.
وعلى سبيل الافتراض، في حال مضت الحكومة الفيدرالية قدمًا في تنفيذ مبادرة الحوار ووافق أحمد محمد إسلام (مذوبي) على المشاركة، فإن التحدي الأبرز قد يكون في تحديد مكان انعقاده، إذ من الواضح أن مذوبي لن يقبل الحضور إلى مقديشو دون تحقيق مصالحة مسبقة مع الحكومة الفيدرالية، تسبقها بالضرورة خطوة رسمية من الأخيرة بالاعتراف بشرعية رئاسته لولاية جوبالاند، وهي مسألة تبدو معقدة، ويصعب على الحكومة الفيدرالية القبول بها بسهولة، نظرا لسياق الخلافات السياسية والقانونية بين الطرفين.
في ظل هذا الوضع، يتطلب الحوار بأن تسبقها مصالحة بين الحكومة الفيدرالية وولايتي جوبالاند وبونتلاند، لتفادي من أن يشترطا انعقاده خارج البلاد، مع أن لتولي هذا الدور
ينطبق الأمر ذاته على ولاية بونتلاند، وإن كان خلافها مع الحكومة الفيدرالية أقل حدة مقارنة بجوبالاند، إلا أنه من شبه المؤكد أنها — حتى في حال موافقتها على المشاركة — لن تقبل بمقديشو مكانا محتمل لانعقاد الحوار، مما يهدد بفشل الحوار في مراحله الأولى، قبل أن يتجاوز حاجز التحضيرات الأولية، وهو ما قد يعيق الانتقال إلى مراحله الأخرى.
على عكس مقديشو، قد تكون مدينة بيدوا – العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب – خيارًا مقبولًا لدى الولايتين، نظرًا لأن حاكمها عبد العزيز لفتاجرين يُعتبر أكثر استقلالية عن الرئاسة الصومالية مقارنة بنظرائه في غلمدغ وهيرشبيلي، لكن لفتاجرين قد لا يبدو نفسه متحمسًا للعب هذا الدور. وفي ظل هذا الوضع، يتطلب الحوار بأن تسبقها مصالحة بين الحكومة الفيدرالية وولايتي جوبالاند وبونتلاند، لتفادي من أن يشترطا انعقاده خارج البلاد، مع أن لتولي هذا الدور.
أياً تكن الظروف، فإن الأيام والأسابيع المقبلة كفيلة بكشف كيفية تجاوز تلك الإشكاليات، ومسار التحضيرات التي ستباشرها الحكومة الفيدرالية للحوار المرتقب، حيث سيكون لهذه التحضيرات الكلمة الفصل في تحديد ما إذا كان الحوار سيقود إلى تسوية القضايا الخلافية الراهنة في البلاد المعقدة، بما في ذلك آلية الانتخابات الفيدرالية والتعديلات الدستورية المثيرة للجدل، أم أن أجندته ستنحصر على الحرب ضد حركة الشباب، مما سيعكس عدم استعداد الرئيس لتسوية القضايا الخلافية مع المعارضة، ويزيد من تعقيد المشهد السياسي.