السبت 14 مارس 2026
صعّد الرئيس السابق لصوماليلاند، موسى بيحي عبدي، ضغوطه على الإدارة الحالية برئاسة عبدالرحمن محمد عبدالله "عِرّو"، مطالباً بإعلان تفاصيل أي تفاهمات أو اتفاقات قادت إلى الاعتراف الإسرائيلي، ومعتبراً أن استمرار الغموض يفتح الباب أمام الشائعات ويضع الحكومة أمام اختبار شفافية داخلي في قضية شديدة الحساسية.
وفي رسالة مصوّرة جرى تداولها على نطاق واسع في الاعلام المحلي، قال بيحي إن السلطات مطالَبة بتوضيح ما تم الاتفاق عليه مع إسرائيل، مشيراً إلى أن الرأي العام والقوى السياسية لم تتلقَّ حتى الآن إحاطة واضحة حول مضمون الترتيبات التي سبقت الاعتراف، أو ما إذا كانت هناك تفاهمات إضافية تتجاوز الإطار الدبلوماسي المُعلن. وذهب بيحي أبعد من ذلك حين ربط مطلبه بمسألة دستورية، مؤكداً أن دستور صوماليلاند لا يجيز أي إجراء يتعارض مع المبادئ الإسلامية أو يترتب عليه ضرر على المسلمين، في إشارة إلى وضع الفلسطينيين أمام الاحتلال الإسرائيلي.
يأتي هذا السجال في وقت تحاول فيه هرجيسا تحويل الاعتراف الإسرائيلي، الذي أُعلن أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025، إلى مكاسب سياسية واقتصادية بعد عقود من السعي للحصول على اعتراف دولي واسع منذ إعلان الانفصال عن الصومال عام 1991. وبينما ترى القيادة الحالية أن الاعتراف قد يفتح الباب أمام استثمارات وشراكات، فإن خصومها يطرحون سؤالاً حول ما الذي قُدّم في المقابل، ولماذا لم يُعرض على المجتمع أو المؤسسات السياسية بما يكفي من التفاصيل؟
وقد مثّل الاعتراف الإسرائيلي نقطة تحوّل في ملف صوماليلاند، إذ تبعته تحركات دبلوماسية متسارعة، من بينها زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إلى هرجيسا مطلع يناير/كانون الثاني 2026، في أول زيارة من نوعها لمسؤول إسرائيلي بهذا المستوى منذ إعلان الاعتراف. ووفقاً للمعلومات المتداولة، تركزت مباحثات الزيارة على مجمل العلاقات بين الطرفين، مع حديث عن تطوير التعاون في مجالات مختلفة، وتأكيد أن رئيس صوماليلاند تلقى دعوة لزيارة إسرائيل.
غير أن خطوة الاعتراف وما تلاها من زيارات واتصالات، واجهت ردود فعل إقليمية ودولية حادة، إذ عدّتها الحكومة الفيدرالية في مقديشو انتهاكاً للسيادة ووحدة الأراضي، وأعلنت أنها ستتحرك دبلوماسياً وقانونياً ضد أي مسار يمس الحدود المعترف بها دولياً للصومال. كما صدرت مواقف رافضة من دول ومنظمات إقليمية، معتبرة أن الاعتراف سابقة قد تزعزع الاستقرار في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
في المقابل، تحاول هرجيسا تقديم الاعتراف باعتباره بداية شراكة لا مجرد إعلان سياسي. فقد تحدثت القيادة الحالية عن توقعات بالتوصل إلى اتفاق شراكة تجارية مع إسرائيل، مع استعدادها لطرح فرص استثمارية تشمل المعادن والطاقة والموارد البحرية والثروة الحيوانية، مقابل الاستفادة من التكنولوجيا والخبرات. ومع ذلك، أكدت تصريحات رسمية—في أكثر من مناسبة—أن إنشاء قواعد عسكرية إسرائيلية لم يُطرح ضمن النقاشات، وأن الحديث عن ترتيبات لتوطين فلسطينيين من غزة جرى نفيه سابقاً.
لكن، وحتى مع وجود نفي رسمي لبعض السيناريوهات الأكثر إثارة للجدل، فإن غياب الوثائق المُعلنة أو الإحاطة التفصيلية، بحسب قوله، يبقي المجال مفتوحاً لتفسيرات متضاربة، ويحوّل الاعتراف إلى مادة انقسام داخلي. ويبدو أن بيحي يتعمد أيضاً وضع الملف في إطار أوسع من السياسة الخارجية، عبر التحذير من أن التصعيد حول صوماليلاند قد يدفع البلد إلى اصطفافات جديدة ويزيد الاحتقان بين الأطراف المتنافسة في القرن الأفريقي.
ويكتسب موقف بيحي وزناً إضافياً لأنه لا يُنظر إليه كرئيس سابق فحسب، بل كشخصية ما تزال مؤثرة في المشهد السياسي بفعل اعتبارات وتوازنات محلية معقدة، ما يجعل خطابه موجهاً للحكومة والشارع معاً. وفي الوقت نفسه، يقرأ مراقبون هذا الضغط باعتباره جزءاً من صراع سياسي داخلي على إدارة "لحظة الاعتراف" المنشود لصوماليلاند منذ اكثر من ثلاثة عقود، وكيفية استثمارها دون خسارة التأييد الشعبي أو الدخول في تكلفة إقليمية لا تملك صوماليلاند أدواتها كاملة.
حتى الآن، لم تُقدَّم للرأي العام رواية واحدة جامعة حول مضامين وحدود التفاهم مع إسرائيل، وهل هو إعلان اعتراف متبادل فحسب، أم أنه يتضمن تفاهمات اقتصادية وأمنية غير معلنة؟ هذا السؤال قد يفرض على الحكومة الحالية خيارين أحلاهما مر، مزيد من الشفافية لتخفيف الجدل، أو استمرار سياسة الحد الأدنى من المعلومات، مع ما يعنيه ذلك من استمرار السجال وارتفاع كلفة الشكوك في مرحلة تبحث فيها هرجيسا عن توسيع دائرة الاعتراف الدولي.