الأحد 18 يناير 2026
يُعدّ كتاب المؤرّخ الصومالي محمد عيسى تُرونجي المعنون «الرئيس آدم عبد الله: حياته وإرثه» سيرةً وافية لأول رئيس للجمهورية الصومالية، آدم عبد الله عثمان «آدم عدي»، يقدّمه المؤلف بوصفه قائدًا نادرًا في المشهد الأفريقي؛ ناصرَ الديمقراطية ورفض الفساد وتنازل عن السلطة سلمًا. يروي الكتاب تفاصيل الطفولة والتعليم والمكابدة ومسار التكوين السياسي، ويبيّن كيف شقّ آدم طريقه في ظروف قاسية، ليترك أثرًا باقيًا في تشكّل الدولة الصومالية الحديثة. كما يذكّر ترنجي بعمله السابق «الصومال: التاريخ غير المروي 1941–1969»، مواصلًا مشروع التوثيق عبر سيرة متماسكة دقيقة تستند إلى الاستقصاء.
يستعيد الكتاب جذور الحكاية؛ فقد وُلد آدم عبد الله عام 1908/1909 في عيل قرن قرب بلدوين في الصومال الإيطالي. افترق والداه وهو رضيع، وتُوفّيت أمّه في عامه الأول فغدا يتيمًا. كان والده مقاتلًا في حركة الدراويش بقيادة السيد محمد عبد الله حسن، متمركزًا في تاليح، ثم عاد بعد هزيمة الدراويش إلى أسرة فقدت مصدر عيشها، قبل أن يُصاب بإعاقة دائمة إثر هجوم أسد. هكذا اضطُرّ الفتى آدم إلى الاعتماد على نفسه مبكرًا؛ عمل نادلًا وغسّال صحون لساعات طويلة حتى أصيب بعلل جلدية، وكان ذلك مورد عيشه الوحيد تقريبًا. وعلى صرامة العيش، ظل التعليم بوصلته؛ في بيدوا التحق بمدرسة أنشأها الإيطاليون وعدّها فرصة مفصلية، لكنه عجز عن التوفيق بين الدراسة والعمل. عندئذٍ تدخّل أستاذه الإيطالي جوزيبي تُسّو ومنحه عملًا كمساعد طاهٍ بأجر بسيط، مكّنه من مواصلة الدراسة، وظل آدم ممتنًا له حتى أواخر حياته واصفًا إيّاه بـ«الرجل الشهم الذي لا يُنسى».
هذا المسار الخشن، الممهور أيضًا بتمييز المستعمِر الفاشي، لم يغوِه حين بلغ السلطة بما أغرى كثيرين من قادة القارة: الاستحواذ على الحكم وتكديس الثروة. على العكس، يلحّ الكتاب على أن حياته السياسية كانت أشبه ببيانٍ عملي في الحوكمة: الشفافية ومكافحة الفساد، وتشبّث بمبادئ الديمقراطية والصالح العام. لهذا يرى عبدي إسماعيل سمتر أن آدم عبد الله، مع عبد الرزاق حاج حسين، يجسّدان «أول ديمقراطيَّين في أفريقيا» في وجه نمط «الحكم الشخصي» الذي أفقد الدولة ملكيتها ومعناها.
"لا نستطيع في الصومال أن نتباهى بأننا أنجزنا الكثير لتحسين نوعية حياة الناس، لكن يكفينا أنّه ليس للناس سيد، وأنّ من في السلطة قد انتُخبوا ديمقراطيًا من الشعب نفسه"
ينتقل تُرونجي إلى اللحظة الوطنية الكبرى: تأسيس نادي الشباب الصومالي عام 1943 الذي أصبح لاحقًا رابطة الشباب الصومالي، الحزب القومي الساعي للاستقلال وتوحيد الأقاليم الممزّقة. انضم آدم إلى الرابطة في بيدوا عام 1944، وتحالف سياسيًا مع رموز مناهضة الاستعمار مثل: الشيخ علي جماله وعبد الله عيسى (الذي سيصبح لاحقًا رئيسًا للوزراء للإدارة الداخلية 1956–1960). شغل آدم مناصب مؤثرة: رئاسة الرابطة مرتين، نيابة رئاسة المجلس الإقليمي، ورئاسة المجلس التشريعي الداخلي (1956–1959). وقد صقلت هذه المواقع رؤيته ومهاراته القيادية ورسّخت نزاهته. وتبرز صفحات الكتاب ولعَه بالقراءة والنقاش، وسفره لاقتناء الكتب والصحف والدوريات، واطلاعه الواسع على الشؤون العالمية الذي كان حاضرًا في مناظراته السياسية.
مع توحيد الصومالين البريطاني والإيطالي عام 1960 وقيام الجمهورية الصومالية، انتُخب آدم رئيسًا مؤقتًا في 5 يوليو/تموز 1960، وعيّن عبد الرشيد علي شرماركي رئيسًا للوزراء، ثم انتُخب بعد عام رئيسًا لفترة ست سنوات. خلال رئاسته (1960–1967) يثبّت الكتاب صورة قائدٍ يُحكِّم الدستور، يرفض التدخل في الإدارة لتمديد حكمه، ويقاوم شراء الأصوات والتزوير والرشوة.
هذا المسار الخشن، الممهور أيضًا بتمييز المستعمِر الفاشي، لم يغوِه حين بلغ السلطة بما أغرى كثيرين من قادة القارة: الاستحواذ على الحكم وتكديس الثروة
يسجّل تُرونجي، في سياق انتخابات 1964 البرلمانية، رغبة الرئيس الواضحة في انتخابات «حرّة» و«نزيهة»، وهي رغبة أقلقت بعض قيادات الرابطة خوفًا على مقاعدهم، في وقتٍ ظلّت فيه ثقة المعارضة والجمهور بقدرة الحكومة على إنجاز اقتراع نزيه محدودة. وفي مذكّرة مؤرّخة في فبراير/شباط 1963 كتب آدم: «لا نستطيع في الصومال أن نتباهى بأننا أنجزنا الكثير لتحسين نوعية حياة الناس، لكن يكفينا أنّه ليس للناس سيد، وأنّ من في السلطة قد انتُخبوا ديمقراطيًا من الشعب نفسه، وإن ثبت أنّ ذلك غير فعّال، فذلك يعود إلى قلة الخبرة وقلة الإمكانات».
أمام ضغوط لإعادة تكليف عبد الله عيسى أو إعادة تكليف عبد الرشيد علي شرماركي بدفع من لوبيات سياسية، اختار الرئيس التجديد وعيّن عام 1964 عبد الرزاق حاج حسين رئيسًا للوزراء (1964–1967)، وهو الذي رفع شعار «الكفاءة والنزاهة» وأثرى به الإدارة العامة، ونُظم التوظيف والترقية على أساس الجدارة. وينقل تُرونجي أن الرئيس لقّبه «Daahiriye» دلالة على سعيه لتطهير مؤسسات الدولة من الفساد والقبلية وانعدام الكفاءة.
يورد الكتاب شواهد على نزاهة الرئيس وتعاطفه مع الناس، منها معارضته مضاعفة البرلمان رواتب أعضائه 100٪ فيما كانت مقديشو ترزح تحت ظروف إنسانية قاسية، معتبرًا القرار غير معقول في زمن الأزمة. كذلك يلفت إلى نفوره من الرشوة؛ ففي انتخابات 1967 رفض عروض دعم مالي سخي من رجال أعمال – منهم الحاج أحمد عبد الله حشيش من هرجيسا/بورعو والحاج ناصر علي (يمني) – مؤكّدًا أنه لا يحتاج مالًا لشراء الأصوات.
انتهت انتخابات 1967 بهزيمته أمام عبد الرشيد علي شرماركي، فسلّم السلطة طوعًا وهنّأ خلفه، ليُسجَّل كأول رئيس أفريقي يتنازل عن الحكم سلمًا. ويرصد الكتاب ما شاب تلك الانتخابات من شراء للأصوات وتلاعب واسع، وما عجّل به من انقلاب عسكري أطاح بالجمهورية، ورسّخ مسار سوء الإدارة الذي أفضى لاحقًا إلى انهيار اجتماعي، لم تتعافَ منه الصومال بعد. على الضفة الأخرى، ترسّخت صورة «الأب الروحي للديمقراطية الأفريقية»؛ وهو الوصف الذي أطلقه موقع «هيران»، فيما أشارت «رويترز» في مقطع تشييع جنازته بمقديشو عام 2007 إلى أنه «يُعدّ لدى بعضهم أول زعيم أفريقي منتخب ديمقراطيًا».
يثبّت الكتاب صورة قائدٍ يُحكِّم الدستور، يرفض التدخل في الإدارة لتمديد حكمه، ويقاوم شراء الأصوات والتزوير والرشوة
لا يغفل تُرونجي طور القمع؛ فالنظام العسكري زجّ بمعظم مسؤولي الدولة السابقة في السجون، وبينهم آدم عبد الله ومحمد حاج إبراهيم عقال وعبد الرزاق حاج حسين وعبد الله عيسى، إذ رآهم منافسين محتملين، وأقصى المثقفين والطبقة الوسطى الناشئة، على نحو وثّقه د. بيتّس هاشم في «الدولة الساقطة: تنافر واستبداد وموت في الصومال».
أُفرج عن آدم عام 1973 فعاد إلى مزرعته في جنالي، وظل هناك حتى انهيار الدولة. في التسعينيات انضم إلى «مجموعة المانيفستو» مع مثقفين سعوا لإقناع سياد برّي بالتنحي سلميًا، غير أن المسعى أخفق، وانزلقت البلاد إلى الحرب الأهلية. بعد الانهيار شارك في مبادرات لطلب السلام إلى جانب مسؤولين سابقين. توفي في نيروبي في 6 أغسطس/آب 2007 عن 98 عامًا ودُفن في مقديشو، تاركًا سيرة رجل دولةٍ نظيف الكفّ كريم السيرة.
ينتهي الكتاب إلى ملاحظة نقدية لا تعفي جيل آدم عبد الله من المسؤولية عن عجزهم في كبح صعود العسكر وسوء الإدارة، وما وُصف بأنه تهاون تجاه تفكك الجمهورية. ومع ذلك يبقى آدم في التقييم العام نموذجًا نادرًا للأخلاق السياسية والالتزام العام وحسن المخرج من السلطة. في «الصومال: دولة تبحث عن قيادة استثنائية» يصف عبد الرحمن بادييو آدم بأنه يجسّد صفات نادرة في السياسة الصومالية: النزاهة والشمولية والرفض المبدئي للقبلية. وهي دروس يلحّ تُرونجي ومراجِعه على استذكارها: لقد كان آدم عبد الله بحقّ «أبًا للديمقراطية الأفريقية»، وأيّ ظهور لشخصية صومالية بمثل قامته سيكون مكسبًا عامًا لا يُقدَّر.