الثلاثاء 15 سبتمبر 2026
حين اجتمع الرعاة والباحثون وصنّاع السياسات والعاملون في مجال التنمية بمدينة مارسابيت هذا العام، بمناسبة السنة الدولية للمراعي والرعاة 2026، لم تقتصر نقاشاتهم على الثروة الحيوانية والجفاف والمساعدات الإنسانية، بل امتدت إلى سؤال أعمق يتعلق بمستقبل الرعي ومكانته في سياسات التنمية. فقد وضع الحوار، الذي نظّمه مركز البحوث والتنمية في المناطق الجافة، موضع المساءلة افتراضًا راسخًا وجّه تلك السياسات لعقود، ومفاده أن الرعي نمط عيش متقادم ستزيحه الحداثة تدريجيًا، رغم تزايد الأدلة التي تثبت عكس ذلك.
فعلى مدى أجيال، جرى التعامل مع الرعي بوصفه مرحلة مؤقتة في مسار التنمية، وطريقة حياة يُفترض أن تتراجع لصالح الزراعة المستقرة والعمل في المدن والاقتصادات الصناعية. وانعكس هذا التصور على أولويات الإنفاق العام، إذ اتجهت معظم الاستثمارات إلى الزراعة المحصولية والتعدين والبنية التحتية، في حين لم تحظَ المناطق الرعوية بالاهتمام إلا عند وقوع الجفاف أو تفشي أمراض الماشية أو اندلاع النزاعات.
لكن تغير المناخ يدفع العالم اليوم إلى إعادة النظر في هذا التصور، وفي المعنى الحقيقي للقدرة على الصمود. فمع ازدياد اضطراب أنماط هطول الأمطار وتواتر الظواهر المناخية المتطرفة، بات العلماء ووكالات التنمية يشددون على أهمية المرونة والتنقل واستعادة النظم البيئية والإدارة التكيفية للموارد، باعتبارها وسائل أساسية لمواجهة عالم آخذ في الاحترار. والمفارقة أن هذه المبادئ، التي تُطرح اليوم بوصفها حلولًا حديثة لأزمة المناخ، هي نفسها التي قامت عليها المجتمعات الرعوية وحافظت بها على استمراريتها طوال قرون.
في هذا السياق، أكدت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «فاو»، في إطار السنة الدولية للمراعي والرعاة، أن المراعي السليمة تؤدي دورًا أساسيًا في حماية التنوع البيولوجي، وتخزين الكربون، وتعزيز الأمن الغذائي، فضلًا عن توفير سبل العيش لمئات الملايين من البشر حول العالم. ومن هذا المنطلق، تدعو المبادرة إلى تجاوز النظرة التقليدية إلى المناطق الجافة بوصفها أراضي خالية أو محدودة الإنتاج، وإلى تجديد الاستثمار في النظم الرعوية باعتبارها جزءًا من الاستجابة العالمية لتغير المناخ.
تكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في كينيا، حيث تشكل الأراضي القاحلة وشبه القاحلة نحو 80٪ من مساحة البلاد، ويظل إنتاج الثروة الحيوانية فيها النشاط الاقتصادي الأكثر جدوى. فالقطاع يسهم بقدر مهم في الدخل الوطني، ويوفر مصادر رزق للملايين، ويشكّل ركيزة أساسية للتجارة الإقليمية في مختلف أنحاء القرن الأفريقي. ومع ذلك، لا يزال الرعي يُتناول في الخطاب العام بوصفه مشكلة إنسانية تستدعي التدخل في أوقات الأزمات، أكثر من كونه قطاعًا اقتصاديًا استراتيجيًا يستحق استثمارًا عامًا منتظمًا وطويل الأمد.
قد لا يكون الجفاف وحده هو الخطر الأكبر الذي يهدد مستقبل الرعي، بل التلاشي التدريجي للمعارف والأيدي العاملة والمؤسسات الاجتماعية التي حافظت عليه طوال قرون
أعاد حوار مارسابيت صياغة هذا النقاش من منظور مختلف؛ إذ لم ينشغل المشاركون فقط بكيفية تجاوز موجة الجفاف المقبلة، بل بحثوا أيضًا في السبل التي يمكن بها جعل الرعي أكثر إنتاجية وقدرة على التكيف وجاذبية للأجيال الشابة، من دون التفريط في المعارف الأصلية التي حافظت على مجتمعات المناطق الجافة طوال أجيال.
من هنا، فإن التحدي الأكبر الذي يواجه الرعي اليوم لا يكمن في تغير المناخ وحده، بل في استمرار السياسات والتصورات العامة التي تتعامل مع أحد أقدم النظم الاقتصادية في أفريقيا وأكثرها تكيفًا مع المناخ كما لو أنه أصبح جزءًا من الماضي.
لا شك في أن تغير المناخ يعيد تشكيل حياة الرعاة في شمال كينيا. فقد جعلت موجات الجفاف الطويلة، وتقلص مساحات الرعي، وانتشار الأنواع النباتية الغازية، وتصاعد النزاعات على الموارد الطبيعية، وتذبذب هطول الأمطار، تربية الماشية أكثر صعوبة من أي وقت مضى. وهذه هي الوقائع التي تتصدر عناوين الأخبار، وتجتذب التمويل الإنساني، وتثير قلق الحكومات عن حق.
لكن إلى جانب هذه الأزمة الظاهرة، تتفاقم أزمة أخرى أقل صخبًا ولا تحظى بالقدر نفسه من الاهتمام. فعلى مدى قرون، لم يقم الرعي على حركة القطعان وحدها، بل على المعرفة التي كانت ترحل معها. وكان الأطفال يكتسبون هذه المعرفة بمرافقة آبائهم وكبار السن في المراعي؛ فيتعرفون إلى النباتات الصالحة للرعي، ويقرأون أنماط الطقس، ويميزون أمراض الماشية، ويحددون مواقع مصادر المياه، ويتعلمون كيفية التفاوض مع المجتمعات المجاورة بشأن الانتفاع بالمراعي.
لم يكن ذلك مجرد تعليم غير نظامي بالمعنى البسيط للكلمة، بل منظومة متكاملة من التعليم البيئي، بنتها الأجيال وصقلتها الخبرة اليومية. غير أن معالم ذلك الفصل المفتوح بدأت تتغير اليوم. وقد لا يكون الجفاف وحده هو الخطر الأكبر الذي يهدد مستقبل الرعي، بل التلاشي التدريجي للمعارف والأيدي العاملة والمؤسسات الاجتماعية التي حافظت عليه طوال قرون.
لا ينبغي أن يُقاس نجاح التعليم بعدد الشباب المنحدرين من المجتمعات الرعوية الذين يهجرون تربية الماشية بحثًا عن العمل في المدن، بل بعدد الذين يعودون إليها حاملين معارف ومهارات قادرة على تطوير الإنتاج الرعوي
يمثل انتشار التعليم النظامي في المناطق الكينية القاحلة وشبه القاحلة أحد أبرز الإنجازات التنموية في البلاد. فآلاف الأطفال المنحدرين من المجتمعات الرعوية يكملون اليوم مراحل التعليم الابتدائي والثانوي والجامعي، وتُفتح أمامهم مسارات مهنية لم تكن متاحة لأبناء الجيل السابق. وهذا تقدم يستحق الاحتفاء، ولا ينبغي التشكيك في أهميته.
لكن هذا النجاح يطرح سؤالًا لا يمكن للسياسات التعليمية تجاهله: إذا كان مزيد من الأطفال يقضون معظم أيام العام في الفصول الدراسية والمدارس الداخلية، فمن سيرث المعارف البيئية والرعوية التي كانت تنتقل بصورة طبيعية من جيل إلى آخر؟
لقد صُممت الأنظمة التعليمية إلى حد بعيد لتناسب المجتمعات المستقرة، وغالبًا ما يُقاس نجاحها بعدد الشباب الذين يغادرون حياة الرعي، لا بعدد الذين يعودون إليها حاملين معارف ومهارات قادرة على تطويرها. وأدى ذلك إلى اتساع الفجوة بين التعليم النظامي والإنتاج الرعوي، حتى بدا الأمر كما لو أن النجاح في التعليم يقتضي بالضرورة الابتعاد عن الرعي.
لكن يمكن تصور مسار مختلف، يقوم على نظام تعليمي يؤهل الشباب ليصبحوا رواد أعمال في قطاع رعوي ذكي مناخيًا. فخريج الطب البيطري أو علوم البيانات أو الإدارة البيئية يستطيع الجمع بين المعرفة العلمية والخبرة الرعوية المتوارثة، بما يساعده على تحسين صحة القطعان، وقراءة التنبؤات الجوية المستندة إلى الأقمار الصناعية، ومراقبة أوضاع المراعي باستخدام نظم المعلومات الجغرافية، والوصول إلى أسواق الماشية الإقليمية عبر المنصات الرقمية.
تؤكد مؤسسات مثل: المعهد الدولي لبحوث الثروة الحيوانية ومنصة معارف الرعاة التابعة لمنظمة الأغذية والزراعة، بصورة متزايدة، أهمية الجمع بين المعارف التقليدية والعلوم الحديثة لتعزيز القدرة على التكيف مع تغير المناخ. وهو تحول في التفكير طال انتظاره؛ إذ لم يعد من المقبول النظر إلى الرعي بوصفه نمط حياة ينبغي للتعليم أن يحرر الشباب منه، بل بوصفه مهنة قائمة على المعرفة، تحتاج بصورة متزايدة إلى خبرات في علوم المناخ، ووراثة الثروة الحيوانية، والتكنولوجيا الرقمية، وريادة الأعمال، والإدارة المستدامة للمراعي.
تفرض هذه الرؤية أيضًا إعادة النظر في أولويات الاستثمار العام. فالحكومات تخصص بانتظام مليارات للزراعة المحصولية والصناعة والقطاعات الاستخراجية، لأنها تنظر إليها باعتبارها محركات للنمو الاقتصادي. أما الرعي، فعلى الرغم من إسهامه الكبير في توفير سبل العيش ودعم الاقتصادات الوطنية، فلا يحظى غالبًا بالاستثمار إلا بعد وقوع الكوارث.
يتجلى هذا الإهمال في ضعف الطرق المؤدية إلى أسواق الماشية، وتفاوت مستوى الخدمات البيطرية، ومحدودية انتشار التأمين على الثروة الحيوانية، فضلًا عن تأخر الصناعات ذات القيمة المضافة، مثل معالجة الجلود وتعبئة اللحوم وإنتاج حليب الإبل.
إذا كانت أفريقيا جادة في بناء اقتصادات قادرة على الصمود أمام تغير المناخ، فلم يعد من الممكن تبرير هذا الاختلال. فالسؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الرعي يستحق الاستثمار، بل لماذا لا يزال أحد أكثر نظم الإنتاج في القارة تكيفًا مع المناخ يحظى باهتمام استراتيجي أقل من قطاعات لا تنسجم بالقدر نفسه مع واقع المناطق الجافة.
لعل أحد أكثر التصورات شيوعًا وخطأً بشأن الرعي هو الاعتقاد بأنه ينتمي إلى الماضي. فالواقع أنه قد يكون واحدًا من نظم الإنتاج القليلة التي تكيفت بالفعل مع طبيعة العالم الذي يتوقع علماء المناخ أننا نتجه إليه. فعلى مدى قرون، واجه الرعاة حالة عدم اليقين بالتنقل والمرونة وتنويع القطعان والإدارة الجماعية للموارد الطبيعية؛ وهي المبادئ نفسها التي تتصدر اليوم النقاشات العالمية بشأن الصمود أمام تغير المناخ.
من ثم، لا يكمن التحدي في الإبقاء على الرعي في صورته الحالية، ولا في التخلي عنه، بل في تحديثه من دون تجريده من المعارف التي ضمنت استمراره عبر الأجيال. ويتطلب ذلك، قبل كل شيء، تحولًا جوهريًا في السياسات العامة.
المفارقة أن هذه المبادئ، التي تُطرح اليوم بوصفها حلولًا حديثة لأزمة المناخ، هي نفسها التي قامت عليها المجتمعات الرعوية وحافظت بها على استمراريتها طوال قرون
فعلى الحكومات أن تحمي مسارات تنقل الماشية بالجدية نفسها التي تحمي بها ممرات النقل. كما ينبغي لحكومات المقاطعات والحكومة الوطنية الاستثمار في الخدمات البيطرية، ومنشآت المياه، وأسواق الماشية، وصناعات القيمة المضافة، والتأمين ضد الجفاف، فضلًا عن التقنيات الرقمية التي تتيح للرعاة الوصول الفوري إلى توقعات الطقس ومعلومات الأسواق وخدمات صحة الحيوان.
لم تعد تقنيات مثل المراقبة عبر الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي وأنظمة الهوية الإلكترونية للماشية والخدمات المالية عبر الهواتف المحمولة مجرد وعود مستقبلية، بل أصبحت أدوات عملية يمكنها إحداث تحول حقيقي في الاقتصادات الرعوية، إذا جرى دمجها بالمعارف الأصلية والخبرة المحلية.
غير أن تحديث الأدوات وحده لا يكفي ما لم تتغير نظرة المجتمع إلى الرعي نفسه. فقد ظلت المجتمعات الرعوية، طوال عقود، لا تدخل النقاشات الوطنية إلا من بوابة الجفاف أو النزاعات أو نداءات الإغاثة. ونادرًا ما يُنظر إلى الرعاة بوصفهم رواد أعمال، وحماة للبيئة، ومساهمين فاعلين في التنمية الوطنية.
الحال أن المراعي السليمة تحمي التنوع البيولوجي، وتخزن الكربون، وتحافظ على إنتاج الثروة الحيوانية، وتسهم بقدر كبير في تحقيق الأمن الغذائي. لذلك، ومع بحث العالم عن مسارات تنموية أكثر استجابة لتغير المناخ، ينبغي ألّا يُنظر إلى الرعاة باعتبارهم مجرد مستفيدين من المساعدات، بل شركاء أساسيين في بناء نظم بيئية واقتصادات قادرة على الصمود.
يمتد هذا التحول بالضرورة إلى التعليم. فلا ينبغي أن يُقاس نجاحه بعدد الشباب المنحدرين من المجتمعات الرعوية الذين يهجرون تربية الماشية بحثًا عن العمل في المدن، بل بعدد الذين يعودون إليها حاملين معارف ومهارات قادرة على تطوير الإنتاج الرعوي. ويتعين على الجامعات والمعاهد التقنية ومؤسسات البحوث دعم الابتكار في المناطق الجافة، وتطوير نظم الثروة الحيوانية الذكية مناخيًا، وتوثيق المعارف الرعوية الأصلية، وتشجيع ريادة الأعمال في هذا القطاع. فوظيفة التعليم ينبغي أن تكون تعزيز الرعي وتطويره، لا قطع صلة الأجيال المقبلة به من دون قصد.
وقد أعادت النقاشات التي استضافتها مارسابيت خلال السنة الدولية للمراعي والرعاة التذكير بحقيقة أساسية تمثل بأن مستقبل الرعي ليس مسؤولية الرعاة وحدهم، بل يتطلب قيادة سياسية، واستثمارًا طويل الأمد، وشجاعة في التخلي عن الافتراضات المتقادمة لمصلحة سياسات تستند إلى الأدلة.