تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 15 فبراير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
حوارات

الروائي السوداني أمير تاج السر: أحيانًا أحس بالتعب وأقرر الاعتزال

18 يناير, 2026
الصورة
 الروائي السوداني د. أمير تاج السر: أحيانًا أحس بالتعب وأقرر الاعتزال
Share

انغمس الطبيب والروائي السوداني الدكتور أمير تاج السر 1960 في البدايات بكتابة الشعر ثم الولوج إلى عالم السرد. تمتاز أعماله بالمزج بين الواقع السوداني والغرائبية. نصوصه مكتوبة بلغة فريدة ومكثفة. حكاياته تتناسل في عمارة سردية رصينة. برز ذلك في روايته الأولى "كرمكول" التي نشرت 1988 أثناء دراسته للطب في القاهرة. فأصبح في مصاف الروائيين الكبار. ليس على مستوى السودان فحسب، بل على مستوى الوطن العربي.

حَظِيت أعماله باهتمامٍ كبيرٍ في الأوساط الأدبية والنقدية، إذ وصلت رواية "صائد اليرقات" إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية 2011 جائزة البوكر. كذلك وصلت روايته "360" إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية 2014. كما حصلت رواية "العطر الفرنسي" على الجائزة العالمية لأفضل الكتب المترجمة للإنجليزية. علاوة على ذلك، فازت رواية "366" بجائزة كتارا للرواية العربية لعام 2015. كما وصلت رواية "زهور تأكلها النار" للقائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية 2018.

أعماله تفوق الخامسة والعشرين كتابًا. ثم تتابعت رواياته ومنها، روايته الثانية "سماء بلون الياقوت" و"نار الزغاريد" و"مرايا ساحلية" و"سيرة الوجع" و"تعاطف" و"عيون المهاجر" و"مهر الصياح" و"زحف النمل" و"توترات القبطي" و"أرض السودان-الحلو والمر" و"إيبولا 76" و"طقس" و"اشتهاء".. وغيرها.

يرى د. أمير تاج السر أنه عثر على ضالته من خلال كتابة الرواية، وأحيانا يشعر بالتعب ويقرر الاعتزال، لكنه لم يستطع ذلك. فيما يلي حوار خاص لمنصة جيسكا بالعربي مع الروائي السوداني الدكتور أمير تاج السر.

لطيفة محمد حسيب القاضي: في ظل الحرب والنزوح والأزمة الإنسانية اليوم في السودان، نجد أن السودان في رواياتك ليس مجرد مكان جغرافي، بل حالة وجودية، فهي بعيدة عن النمط التقليدي للرواية السودانية التي تنطلق من نقد معطيات ونتائج مرحلة ما بعد الكولونيالية. برأيك كيف يحافظ الإنسان السوداني على جوهره الإنساني؟

أمير تاج السر: السودان بلد كبير وعظيم ولديه حضارة ضاربة في القدم، وثقافة معروفة وثرية، وغني بالميثولوجيا، والطقوس الشعبية، والذي يولد في السودان وينشأ فيه، يتشرب كل ذلك، وبالتالي مهما حدث للبلد الجغرافي، يظل البلد المعنوي موجودًا داخل الإنسان، وحتى من دون حروب وتشرد، لا ينسى المغترب بلده. لذلك تجدين أغنياتنا مشربة بالحنين، كتابتنا عن الأيام الطيبة والسيئة معا، أو الحلو والمر كما عبرت في رواية "أرض السودان"، الآن يوجد تغير في بعض الأشياء، ربما كانت قسوة الزمن أطول يدا من المعتقدات الراسخة، وقد نجد تغيرا في الشخصية السودانية قليلا، الكل هنا يبحث عن حياة، يبحث عن أمل، ومع ذلك الأمر في مجمله ليس خطيرًا، فما زال السودان المعنوي موجودًا ويبحث عن السودان الجغرافي، لتعود الحياة إلى سابق عهدها.

لطيفة القاضي: هل يلتقي كل من مشرط الطبيب وقلم الروائي؟

تاج السر: أنا درست الطب، و آخيت بينه وبين الأدب الذي هو عشقي منذ كنت طفلا، في وقت عملي لا أتذكر الكتابة، وحين أشتغل بالكتابة، أنسى أنني طبيب، عموما هي حالة تشابك جميل ولا شيء سلبي في المسألة، وربما أتعلم من الطب ما يغني الأدب، وربما استخدم معرفتي في كتابة نصوص، مثلما حدث في الروايتين "إيبولا 76" (2012) و"سيرة الوجع" (2001) وغيرها.

لطيفة القاضي: برأيك ما أعظم ما تقدمه الكتابة الإبداعية للكاتب في المشهد الأدبي العربي والعالمي؟

تاج السر: أي روائي يتاح له الخروج بأعماله إلى المسار العربي والعالمي، سيضيف جديدا للمشهد، وأعتقد أن أعظم ما تقدمه الكتابة الإبداعية للكاتب، هي إيصاله لأماكن قد لا يستطيع الوصول إليها، أنا لدي قراء بولنديون وصينيون وأتراك، لم أكن أتخيل أن يكتبوا لي، وهذا حدث، هناك كتاب عديدون وصلوا للعالمية أيضا، ويحظون باحترام مثل: طارق الطيب وبركة ساكن وحمور زيادة، إنهم كتاب لديهم ما يقولونه، والعالم يصغي بكل هدوء.

لطيفة القاضي: مما لا شك فيه أن الأدب السوداني مظلوم في الساحة الأدبية والثقافية العربية، ولا يحظى بما يستحقه من اهتمام وتحليل. تقريبًا هو شبه هامشي في معظم أنحاء الوطن العربي. إلى أي مدى أثرت "السودانوية" بمزيجها العربي والأفريقي على ذائقة الناقد العربي التقليدي؟

تاج السر: الآن وفي الوقت الراهن، لم يعد الأدب السوداني هامشيا، وخافت الصوت مثل الماضي، ذلك ببساطة أن المبدعين السودانيين، وحتى الذين ما زالوا ينشرون في دور نشر سودانية، يستطيعون الوصول للقارئ أينما كان بواسطة وسائط التواصل الاجتماعي، ودور النشر أيضا نفضت غبار المحلية، وتشارك في كل معارض الكتب، لذلك لن نقول إن الأدب السوداني هامشي ومجهول، هذا المفهوم انتهى تماما.

لطيفة القاضي: في روايتك "عورة في الجوار" تعود إلى عالم الكتابة عن الريف السوداني الذي هجرت الكتابة عنه من زمن طويل. في شخصية (العورة) كيف كشف المجتمع المستور حتى يبدو عاريًا؟

تاج السر: إنها محاولة لتأصيل الخير والشر هناك، العورة ليست سعيد الوراق، كلب الحر، وإنما الصراع الكبير الذي رافق ظهوره، وساهم في إيقاده، المجتمع المستور أخلاقيًا لم يعد كذلك، لا أعرف حجم الدمار الذي حدث، لكن توصلت إلى صيغة، أظهرت المجتمع عاريا بلا كساء.

لطيفة القاضي: روايتك "إيبولا 76" الصادرة عن دار الساقي للنشر، تنبأت بمآل الموت الجماعي العبثي قبل سنوات من الجوائح الحديثة. هل كانت محاولة لعرض المرض والتوعية به أم مجرد إطار روائي للتشويق؟

تاج السر: الأوبئة موجودة في كل مكان، تنشط حينًا وتخمد حينا آخر، إنها جزء من الحياة التي نعيش كلنا دورتها الحتمية التي تنتهي بالموت، لا أحد ينجو من النهاية بالطبع، والفيروس حين ينهض يساهم في إيقاد النهايات بصورة حادة وشرسة، ووباء الحمى النزيفية ظهر بالفعل وقضى على الآلاف، وأيضا قضى على طموحات وآمال عريضة، وكلنا عاصرن كورونا وشهدنا ما فعله، وفقدنا الكثير من أحبابنا، هذا ليس احتاجا من الطبيعة، إنه حقيقة صادمة، وستظل موجودة، وستنشط فيروسات أخرى، طالما الحياة موجودة.

لطيفة القاضي: تتميز لغتك بالغرائبية، فيها الشخصيات غير مألوفة تعتمد على معمار مختلف؟

تاج السر: أنا منذ بدأت أكتب، كتبت بهذه اللغة التي تستمد مفرداتها من مفردات الشعر، لم أتصنع الغرائبية أبدا، لكن أنا هكذا، هذا أسلوبي، لن تمر الجمل هادئة، وعادية، لن تكون الشخصيات مألوفة، اعتمد على معمار ربما مختلف، هناك من يتذوق هذه الطريقة، وهناك من لا يتذوقها، ويبحث عن العادي والمألوف. لكن في النهاية أقول ما أريده، وسعيد أن هذه الطريقة لم تكن عائقا أمام ترجمة أعمالي للغات كثيرة، أعتز بوجود نصوصي داخلها، وفي مقرراتها التعليمية.

لطيفة القاضي: في كتابك "ضغط الكتابة وسكرها" تحدثت عن معاناة الخلق الأدبي. إذا سألتك اليوم بعد أكثر من 25 عملاً، هل نجحت الكتابة في مداواة الطبيب أمير تاج السر؟

تاج السر: أنا أحب الكتابة، أحبها منذ كنت طفلا صغيرا في المرحلة الابتدائية، أحب الكتب وأقرأ حتى الآن بالشغف الذي كنت أقرأ به وأنا مراهق، وحين بدأت أكتب نصوصا إبداعية، كتبتها بما أظنه إتقانا أرضاني، حتى الأغنيات التي كتبتها، كنت أحاول أن أجعلها مميزة، ثم جاءت الرواية التي عثرت فيها على ضالتي، أحيانا أحس بالتعب وأقرر الاعتزال، لكن لم أستطع ذلك.

لطيفة القاضي: رواية "صائد اليرقات" (2010) وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية عام 2011. كانت شخصية عبد الله فرفور صائد اليرقات جاسوساً ثم أصبح كاتباً. كيف قمت بتوظيف الشخصية؟

تاج السر: الرواية مستوحاة من شخصية حقيقية، وحدث واقعي ذكرته كثيرا عن انقلاب السيارة الأمنية التي كانت تقل فرفار وإثنين من زملائه، وما حدث للجميع، لذلك كانت الرواية سهلة إلى حد ما، وجود الفكرة، ووجود بداية جيدة، تساعد على إنجاح النصوص، هنا جعل الأمر ساخرا إلى أبعد حد، خاصة حين ربطته بالكتابة، فالمجند الأمني الذي رقد معنا في عنبر الجراحة، لا يعرف شيئا عن الكتابة، أنا من ربطه بها داخل النص.

لطيفة القاضي: رواية "366" تمتزج قصة الحب بالجريمة. هل الحب والشر، وجهان لعملة، واحدة؟

تاج السر: ليس بالضرورة وجهان لعملة واحدة، في الغالب يظل الخير يسلك طريقه، والشر يسلك طريقه، هذه رواية متعبة جدا ومؤثرة، وكان لا بد أن تكتب هكذا، وذكرت مرة أنني ندمت على كتابتها. لكن تظل من أعمالي المضيئة التي أوصلتني لمحبة الكثيرين، وكانت ترجمتها للغة الصينية مبهجة لي، ووصلتني رسائل من صينيين قرأوها، وتحدثوا عنها بإيجابية.

لطيفة القاضي: في ملحمة "مهر الصياح" تمزج بين الفانتازيا وبين الأساطير والطقوس الشعبية؟

تاج السر: هذه رواية مهمة في مسيرتي، أنجزتها عام 2002، وما زالت مثلا الروايات التي تحدثت عن القهر بكل صوره، صحيح أنها امتلأت بالفنتازيا والأساطير، والطقوس الشعبية، لكنها نص واضح ومفهوم، وحين ترجمت للإنجليزية، قيل إنها المرادف العربي لرواية: مئة عام من العزلة لماركيز.

لطيفة القاضي: لقد قلت على صفحتك الفيس بوك: وبعد الكثير من الروايات والمقالات والابتسامات والتكشيرات والسفر والعودة، وما شابه ذلك، أحس بأنني ما زلت أريد أن أكتب. ما الذي تريد أن تكتبه ولم تكتبه بعد؟

تاج السر: لا أعرف صراحة، أنا دائما في حالة استعداد للكتابة، وكلما قرأت أردت أن أكتب عندي أفكار طبعا، عندي أبطال ما زالوا ينتظرون دورهم للظهور في النصوص، عند مدن زرتها وأعجبتني أجواؤها، عندي الكثير الذي قد أكتبه وقد أمحوه من ذاكرتي، انشغالاتي عديدة.

لطيفة القاضي: يبدو الإنسان في رواياتك دائماً في حالة الصمت الذي يخفي حكايات. ما الذي يمكن للصمت أن يقوله والكلمات تعجز عنه؟

تاج السر: نعم، هذا صحيح، ونحن حتى في حياتنا اليومية، نعثر أحيانا على جمل عريضة في الصمت، خاصة الصمت الذي نتوقع من خلفه حكاية ما، أنا أحيانا أكتب عن ذلك، وكتبت عن المخبر الذي كان يتابع سياسيا صامتا، واستنتج من صمته تقرير كاملا، سلمه لإدارته، في رواية "صائد اليرقات".

لطيفة القاضي: في الماضي كانت بورتسودان مدينة أنيقة وجذابة والآن أختلف الأمر. هل المدينة هي مرآة للذات أم الذات مرآة للمدينة؟

تاج السر: كلاهما مرآة للآخر، نحن نستوحي من المدينة، نراها بوضوح، والمدينة ترانا وتلهمنا، كتبت عن بورتسودان (سيرة مرايا ساحلية)، ثم أعدت كتابتها وسميتها (همسات البيوت والشوارع)، بورتسودان ملهمة لي في كل الأوقات.

لطيفة القاضي: ما الهاجس الروائي الذي يحركك ويجعلك غزير الإنتاج؟

تاج السر: أنا صاحب مشروع، وليس مجرد كاتب عابر، وقد تجدني أكتب سنويا رواية، وكل رواية لها فكرتها وطريقة حكيها، هذا ما أنا عليه، ولم أكتب أبدا خارج هذا المشروع، بمعنى أكتب كل عدة سنوات.

لطيفة القاضي: في رواية "سماء بلون الياقوت" نجد أن السرد مشبع بالصور البصرية الغنية. كيف ترى علاقة اللغة الشعرية والبنية الروائية في الرواية؟

تاج السر: بالنسبة لي علاقة وثيقة، الشعر يصلح أداة رائعة إذا استخدم بترو في الكتابة السردية، هو يشكل الصور ويرسم العوالم، ويضيف للنصوص بهارات عظيمة، في "كرمكول" و"سماء بلون الياقوت" و"نار الزغاريد"، كان ثمة استخدام عنيف للشعر، أفسد تلك النصوص، لكن بعد كثير من الجهد، توصلت لصيغة أسلوبية، هي ما أكتب بها الآن.

لطيفة القاضي: تناولت في رواية "نار الزغاريد" الطقوس الشعبية، هل أردت من خلال الرواية تسليط الضوء على التحولات الاجتماعية أم مجرد تصوير للواقع السوداني؟

تاج السر: نار الزغاريد، من روايات البدايات، صدقيني لم أعد أذكر ماذا كتبت فيها، وربما أعود إليها لأرى إمكانية إعادة كتابتها مثلما فعلت في عواء المهاجر، وصيد الحضرمية.

لطيفة القاضي: نلت جائزة كتارا للرواية في دورتها الأولى عام 2015 عن روايته "366". ماذا تعني لك الجوائز؟

تاج السر: الجائزة مهمة طبعا، إنها مكافأة لجهد مبذول لسنوات طويلة، وكلما كثرت الجوائز في الوطن العربي، ازداد عدد المبدعين المكرمين، لكن أيضا هنا من يكتب لنيل جائزة بلا تبصر ولا موهبة ولا دراية، وهذا معروف طبعًا.