الأحد 19 أبريل 2026
تحفل مجموعات القراءة على منصات وتطبيقات التواصل الاجتماعي بمئات الروايات السودانية التسلسلية الرقمية، ويلاحظ، عند تصفحها، أنها حكايات كتبت معظمها بلغة هجين بين اللغة العربية الفصحى وعامية أم درمان (لغة وسط السودان)، وأنّ متنها مترهل وسيئ التحرير، وأنها تعالج موضوعات الحب التقليدية؛ الغيرة والخيانة والحب من طرف واحد، وموضوعات تقلب الأحوال من الغنى إلى الفقر وعكس ذلك، والقليل منها حكايات بورنوغرافية.
تحظى هذه الروايات بتداول عالٍ، فنجد أن قنوات التلغرام التي تنشرها نشراً متسلسلاً تتجاوز عضويتها العشرة آلاف متابع، ومنها مثلاً قناة "مكتبة الروايات السودانية"، كما سبق أن حظيت رواية "وخز الدبابيس" لكاتبتها إيناس آدم المنشورة على تطبيق واتباد (Wattpad)، وهو منصة وتطبيق لقراءة القصص يتيح للكتاب الصاعدين مشاركة نصوصهم مع القراء، بقراءة أكثر من 210 ألف شخص، وهو انتشار ربما لم تحظى به رواية سودانية من قبل، باستثناء "موسم الهجرة للشمال" التي أصبحت من كلاسيكيات الأدب العالمي. ورغم الانتشار الكثيف لهذا النوع من الرواية السودانية، إلا أن النقد الأدبي يتجاهله، مما يطرح تساؤلا حول سبب هذا التجاهل، وحول إمكانية مقاربة هذا النوع نقدياً.
مع تطور الوسائط الرقمية وتوسع استخدام الإنترنت، برزت مفاهيم جديدة في عالم الكتابة والنشر، من بينها "الأدب الإلكتروني" أو "الرقمي" و"الأدب المنشور إلكترونيًا". ورغم التقارب الظاهري بين المصطلحين، إلا أن الفرق بينهما جوهري، ويعكس تحولًا عميقًا في طبيعة الإبداع الأدبي ووسائل تلقيه. يُقصد بالأدب الرقمي ذلك النوع من النصوص الإبداعية التي تنشأ خصيصًا ضمن بيئة رقمية، وتستفيد من الإمكانات التكنولوجية التي تتيحها الحواسيب والإنترنت. فالأدب الرقمي ليس مجرد "نص على شاشة"، بل عمل أدبي مركّب يستخدم عناصر مثل: التفاعل مع القارئ والروابط التشعبية والصوت والصورة والفيديو وحتى الذكاء الاصطناعي أحيانًا. لكن هذا النوع من الأدب يفقد عند طباعته جزءًا كبيرًا من بنيته ومعناه، لأنه قائم على التفاعل المستمر وتعدد الوسائط. وتبقى القصص التفاعلية والشعر الإلكتروني والروايات المتفرعة والألعاب السردية من أبرز أشكاله.
الأدب الرقمي يعيد تعريف العلاقة بين الكاتب والقارئ، ويفتح أفقًا جديدًا للخيال والابتكار باستخدام أدوات العصر، بينما يظل الأدب الإلكتروني امتدادًا للنشر الورقي في شكل رقمي فقط
أما الأدب المنشور إلكترونيًا (ومنه الروايات التسلسلية الرقمية)، فهو الأدب الورقي التقليدي الذي يتم تحويله إلى صيغة رقمية للقراءة على أجهزة رقمية، مثل الحواسيب والحواسيب اللوحية والهواتف الذكية والقارئات الإلكترونية مثل كندل. قد يكون رواية أو ديوان شعر أو مقالًا أدبيًا، لكنه يحتفظ ببنيته الخطية، ولا يتضمن عناصر تفاعلية أو وسائط متعددة. وبالتالي، يمكن طباعة هذا النص دون أن يتغير مضمونه أو يفقد خصوصيته.
يلقى هذا النشر رواجاً كبيراً مع توفر خدمات الإنترنت، وسهولة الحصول على الأجهزة الرقمية، ويتميز بإتاحته النص الأدبي وقتياً في جميع أنحاء العالم، مزيلاً بذلك عوائق الجغرافيا التي تقيد انتقال الكتاب الورقي، وبخفة وزنه المادي إذ يمكنك أن تحمل آلاف الكتب على جهاز إلكتروني تضعه في جيب قميصك الأعلى، وبسعره المنخفض مقارنةً بالكتاب الورقي لقلة تكلفة إنتاجه، فهو لا يحتاج ورق طباعة أو تكلفة ترحيل، أو تكاليف إضافية تقتضيها عملية البيع في المكتبات التقليدية. رغم كل هذه المزايا إلا أن بعض القراء، الذين اعتادوا ملمس الورق وروائح حبر الطباعة ومتعة تقليب الصفحات لا يفضلونه، ويرون أنه مرهق للعين.
يكمن الفرق الأساسي بين النوعين في أن الأدب الرقمي لا يمكن أن يوجد خارج البيئة الرقمية، بينما الأدب المنشور إلكترونيًا (بما فيه الروايات التسلسلية الرقمية) يمكن أن يعود بسهولة إلى الورق. فالأدب الرقمي يعيد تعريف العلاقة بين الكاتب والقارئ، ويفتح أفقًا جديدًا للخيال والابتكار باستخدام أدوات العصر، بينما يظل الأدب الإلكتروني امتدادًا للنشر الورقي في شكل رقمي فقط.
ثمة نوعان من النشر الإلكتروني؛ الأول تقوم به دار نشر متخصصة تراعي فيه الالتزام بكل معايير جودة النشر المتبعة في الكتاب الورقي، من تدقيق لغوي وتحرير للنص وتصميم للغلاف وتسجيل الكتاب في النظام القياسي الدولي لترقيم الكتب (ردمك)، ومن تسويق للكتاب في المواقع الإلكترونية المتخصصة ببيع الكتاب الإلكتروني، ما يضمن حماية حقوق الملكية بحصر حق الاستفادة منه فقط على الجهاز الرقمي للمشتري، ومثال لذلك رواية "الجنرال والضفادع" لميرغني حسن الذي كتبها بالإنجليزية (The General and the Frogs)، ونشرها عام 2014 عبر ناشر متخصص في النشر الإلكتروني هو "iUniverse".
النوع الثاني من النشر، وهو الذي يتجاهله النقد الأدبي، يقوم به الكاتب بنفسه عبر طرح روايته مثلاً في مواقع تحميل الكتب، مثلما فعل الروائي السوداني محمد الأمين مصطفى مع روايته "العِنْتيل" (2023)، أو بنشرها في حلقات متسلسلة على قنوات التلغرام ومجموعات الواتساب وغيرها من التطبيقات الرقمية دون منحها رقم (ISBN)، فتصبح بذلك غير مسجلة ضمن الأرشيف العالمي للكتب؛ أي تصبح بلا هوية، فمعلوماتها الببليوغرافية لا تتضمن اسم ناشر، ولا مكان النشر ولا تاريخه، وهو ما يقود في آخر الأمر لأن تصبح ملكيتها الفكرية غير مُثْبَتة؛ فربما تجد ذات الرواية في أكثر من منصة بأسماء مؤلفَين مختلفَين، يضاف إلى ذلك أن نصها غير نهائي، فهو قابل للتعديل بالإضافة أو الحذف من قبل أي مستخدم عند إعادة النشر عبر وسيط إلكتروني جديد أو منصة أخرى.
كُتبت أغلب الروايات السودانية التسلسلية الرقمية المنشورة على الوسائط الاجتماعية من قبل نساء حاولن عبر القص التعبير عن رؤيتهن للعالم، ولقضاياهنّ الشخصية في بلاد لا يتسع مجالها العام لهنّ بما يكفي، وهو ما يتضح من أسماء هذه الروايات: "زوج صديقتي أصبح زوجي" لكاتبتها أم رغد، و"أحببته بعد الزواج" لمريم الشيخ، و"بنات الليل" لنهى محمد، و"لأنني أنثى" و"محبوبي" لشهد عبد الله، و"فض بكارة" لفاطمة قسم الله، و"اغتصاب معلن" لسحر سمير، و"ثانوية المراهقين" للينا عامر، و"تزوجته وأنا قاصر" لميساء محمد، و"أنا ضحية ولست بعاهرة" لفلاولس، و"نسيبتي مصيبتي" لنمارق دفع الله، "زوجات ولكن..." لسارة أزهري، "اغتصاب معلن" لسحر سمير.
القليل من هذه الروايات كتبها ذكور، فمن بين الـ 146 رواية المنشورة في قناة (مكتبة الروايات السودانية) على التلغرام، فقط نحو عشرين رواية كتبها ذكور منها "مخطوفة الجن" لمحمد يحيى، و"الاتهام الباطل" لعمرو محمد أحمد، و"قتيلة بحر الجريف" لعمر تبيدي، و"أحزان على ضفاف النيل" لخضر خيري... إلا أنه يمكن التشكيك في أن بعض أسماء هؤلاء الذكور مستعارة تختفي خلفها إناث. من المرجح، مثلاً، أن رواية "الكل يعشق جسدي" كتبتها أنثى، اختبأت خلف اسم معاذ عبد الله الذي يبرز على صفحتها الأولى بصفته كاتب النص.
من المرجح كذلك أن معظم كاتبات هذه الروايات التسلسلية يتسترن خلف أسماء غير حقيقية، فثمة سوابق في التاريخ الأدبي السوداني لكاتبات نشرن نصوصهن تحت أسماء مستعارة وتبرز من بينهن الكاتبة سميرة مصطفى التي نشرت روايتيها (الضفة الحزينة- 1969م) و (عدالة السماء- 1970م) تحت أسم (دُرر)المستعار، ولم تكشف عن اسمها الحقيقي إلا في العام 1986م في حوار أجرته معها جريدة الصحافة.
كُتبت أغلب الروايات السودانية التسلسلية الرقمية المنشورة على الوسائط الاجتماعية من قبل نساء حاولن عبر القص التعبير عن رؤيتهن للعالم، ولقضاياهنّ الشخصية في بلاد لا يتسع مجالها العام لهنّ بما يكفي
ربما تُفسر رغبة بعض النساء الكاتبات في إخفاء هوياتهن الحقيقة بذلك الخلط الكبير الذي يقع فيه بعض القراء بين كاتب الرواية وراوي الرواية؛ أي أن بعضهم لا يستقبل العمل الروائي بوصفه سردية تخييلية تحاكي الواقع، ولا تنقله نقلاً فوتوغرافياً، فتُمْحى نتيجةً لذلك الحدود بين الحياة الشخصية للكاتبة والعالم المتخيل الذي تنشئه في نصها، وترويه على لسان الراوي، فتصبح أحداث الرواية في حكم تجارب شخصية مرَت بها الكاتبة، وتصبح أراء وسلوك الشخصيات على مسؤوليتها. بالطبع لا يمكن نفي أن الكاتب يوجد بصورة ما داخل نصه، وهو ما أشار إليه الطيب صالح، في حوار أجرته معه إذاعة فرنسا الدولية باللغة الإنجليزية، بأنه لا ينكر وجوده هو شخصياً في رواياته بطريقة ما، إلا أنه لا يعتقد في وجود الكاتب في نصه على نحو مباشر، يمكن من خلاله اختيار شخصية في رواية والقول "هذا هو المؤلف".
من الممكن التمهيد لمقاربة هذا النوع من الروايات التسلسلية الرقمية نقدياً بالاستناد على تقسيم دور النشر الغربية للروايات إلى ثلاث فئات؛ الأولى منها تختص بالأدب الرفيع الذي يمتاز بجودة الكتابة وجماليات الأسلوب والعمق الفكري، ومعالجة مسائل فلسفية وجمالية وموضوعات إنسانية كبرى، وبأنه لا يولي أهمية كبيرة للحكاية في ذات نفسها، ولا للتتابع السريع للأحداث. ينظر النقد الأدبي لهذه الفئة بأنها ذات قيمة فنية عالية، وهي الفئة التي تستهدفها الجوائز الأدبية الكبرى بمسابقاتها.
إن وصف الرواية التسلسلية الرقمية بأنها غير جديرة بالدرس النقدي، يشير إلى عجز أدوات النقد الأدبي التقليدي على مقاربة نصوصها، لأنها أدوات صممت لتشتغل على نوع معين من النصوص وتقف عاجزة أمام نصوص أخرى مغايرة
تختص الفئة الثانية بما يعرف بالأدب التجاري الذي يراهن على تحقيق المتعة للقارئ عبر التشويق الشديد، فهو يُعطي الأولوية للسرد السريع والأحداث المشوّقة والشخصيات الجذابة والنهايات المُرضية، ويركز على الحبكة وتصاعدها أكثر من التركيب اللغوي أو الرمزية العميقة، وتندرج روايات هذه الفئة ضمن تصنيفات فرعية مثل: روايات الجريمة، وروايات الخيال العلمي، والفانتازيا، والرومانسية، إلخ. غالباً ما تنتمي الروايات الأكثر شعبيةً والأكثر مبيعاً إلى هذه الفئة، التي رغم شعبيتها الكبيرة إلا أنها نادراً ما تحظى باهتمام النقد الأدبي أو الجوائز الأدبية الكبرى.
وتعرف الفئة الثالثة بالأدب المتوسط الذي يمزج بين عمق المعالجة الأدبية الرفيعة وجاذبية الأدب التجاري بحيله التشويقية.
ربما لم ينضج سوق النشر في المنطقة العربية بما يكفي ليتمثل الفئات الثلاثة آنفة الذكر، ويستوعبها ضمن خططه للنشر، لذا أجد أن تصنيف الناقد ممدوح النابي لنوعين من الأدب، من منظور التلقي الأدبي، هما: الأدب الرسمي، الذي يستقبله النقاد والمؤسسات الأكاديمية بالحفاوة والتقديم والتقييم، وأدب الظل، الذي يُعدّه الأكاديميون أدبًا خارج التصنيف، أي لا قيمة له، هو تصنيف أكثر واقعية في توصيف هذه المسألة ضمن السياق الثقافي السوداني والعربي. على الرغم من أن أدب الظل (وهنا الروايات التسلسلية الرقمية) يجابه بالعداء من المؤسسة الرسمية، إلا أنه يحظى بشعبية جارفة، مقارنةً بالأدب الرسمي.
يبدو تبرير النقاد إهمالهم لهذا النوع من الأدب بافتقاره للأدبية، وفقاً لأحكام ومقاييس النظرية النقدية، متناقضاً مع الوظيفية الأولية للنقد المتمثلة في تفسير وتقييم وتوجيه الأدب، ويرى النابي أنّ النقد تخلّي عن هذه الوظيفة، واكتفى بالرّفض والمقاطعة لما يجب أن يقيّمَهُ ويوجّهَهُ.
إن وصف الرواية التسلسلية الرقمية بأنها غير جديرة بالدرس النقدي، يشير إلى عجز أدوات النقد الأدبي التقليدي على مقاربة نصوصها، لأنها أدوات صممت لتشتغل على نوع معين من النصوص وتقف عاجزة أمام نصوص أخرى مغايرة، فيتَرفّع نتيجةَ لذلك النقد عنها ويقصيها بأن يصفها بأنها تقع خارج التصنيف. ولتدارك ذلك القصور، من الممكن إلقاء نظرة أكثر شمولاً على الروايات التسلسلية الرقمية عبر ابتداع أدوات جديدة ومطورة تأخذ في الاعتبار خصوصيات الوسيط الرقمي الذي تنشر فيه هذه الروايات، وشروط التلقي الأدبي في عصر الثورة المعلوماتية، وذلك عن طريق اجتراح مقاربة (عبر تخصصية) تدمج معارف وأدوات من تخصصات علمية مختلفة مثل النقد الأدبي، وعلم الاجتماع، وعلم الاجتماع الرقمي، وعلم النفس، وعلم اللغة، فستتيح هذه المقاربة (العبر تخصصية) معالجة شاملة تكسر الحواجز المعرفية بين الحقول الأكاديمية وتمنح أفقاً جديداً للرؤية.