الأحد 12 يوليو 2026
إذا كان لا بد من البحث عن نظير تاريخي مقنع لدونالد ترامب، فالأرجح أنه ليس أمريكيًا، وليس أيضًا واحدًا من أشباح أوروبا في القرن العشرين التي يهرع إليها النقاش الأمريكي كلما أراد أن يصف زعيمًا شعبويًا متغطرسًا. فثمة سلف آخر، أقرب من جهة الأسلوب وبنية الخطاب وآلية الحكم، يأتي من أفريقيا التي نظر إليها ترامب نفسه باحتقار. ذلك السلف هو الجنرال عيدي أمين، حاكم أوغندا بين عامي 1971 و1979.
ليست المسألة في حب الزي العسكري أو الميل إلى التباهي فقط، بل في شيء أعمق: في تحويل السياسة إلى عرض دائم، وفي إتقان السخرية القاسية، وفي شيطنة الغرباء والمهاجرين والخصوم، وفي القدرة على إنتاج الفوضى ثم تقديم الذات باعتبارها الحل الوحيد لها. هذا التشابه لا يعني التطابق، ولا يلغي اختلاف السياقات. لكنه يضيء شيئًا مهمًا هو أن الاستبداد الشعبوي لا يحتاج دائمًا إلى جهاز أيديولوجي محكم حتى يترسخ؛ بل يكفي أحيانًا أن يجد زعيمًا يجيد الكلام باسم "الشعب"، وباسم "الحرية"، فيما هو يوسّع أدوات الإخضاع يومًا بعد يوم.
تزداد هذه الفكرة أهمية إذا وُضعت إلى جانب كتابين صدرا أخيرًا عن عيدي أمين، لاثنين من أبرز دارسي أفريقيا في الولايات المتحدة: ديريك آر. بيترسون في كتابه "تاريخ شعبي لأوغندا عيدي أمين"، ومحمود ممداني في "سمّ بطيء: عيدي أمين، يوري موسيفيني، وصناعة الدولة الأوغندية". لا يسعى أي من الكتابين إلى إعادة تأهيل أمين أو تبرئته سياسيًا وأخلاقيًا؛ فكلاهما واضح في الإقرار بعنفه ووحشيته. لكنهما معًا يرفضان تلك الصورة الكسولة التي اختزلته طويلًا في هيئة مهرج دموي أو دكتاتور كاريكاتوري أكبر من الحياة بقليل وأقل من السياسة بكثير.
ما يقترحانه، كلٌّ من زاويته وطريقته، هو أن أمين كان لاعبًا سياسيًا أكثر دهاءً مما اعتادت الذاكرة العامة الاعتراف به، وأنه فهم، بحدس حاد، ما الذي يريده الناس وما الذي يخيفهم، وكيف يمكن ربط الأمرين بخطاب السيادة والاستقلال والكرامة.
في هذا المعنى، لا تعود عبارة "هتلر أفريقيا" مفيدة إلا بقدر ما تكشف ضيق الخيال السياسي الذي ينتجها. لقد استُخدمت هذه العبارة مرارًا في الثقافة الشعبية الغربية، حتى في وثائقيات رائجة حديثة، وكأن كل شرّ سياسي في العالم لا بد أن يُقاس على المعيار الأوروبي نفسه. لكن ممداني يرفض هذا الاختزال من الأساس. فأمين، برأيه، قد يكون أطلق تصريحات على طريقة هتلر، وقد يكون استثمر في المبالغة والاستعداء والإقصاء، لكنه لم يكن نسخة أفريقية من النموذج النازي، ولا يمكن فهمه داخل هذا القالب الجاهز.
إن خطورة أمين لا تكمن فقط في جرائمه، بل في أنه قدّم نفسه بصفته من سيمنح الاستقلال معنًى ملموسًا، من دون أن يدرك كثيرون أن هذا المعنى نفسه يمكن أن يتحول إلى أداة قمع
في الواقع، ما يجعل أمين جديرًا بالدراسة ليس أنه يشبه طغاة آخرين، بل أنه يكشف شكلًا مختلفًا من الشر السياسي، شرّ يتغذّى من فكرة تبدو، في ظاهرها، مشروعة بل ومطلوبة، هي الاستقلال.
كان الاستقلال، لا العقيدة الشاملة ولا المشروع الفكري الكبير، هو المبدأ الذي نظّم خطاب أمين. ولم يكن يقصد به فقط خروج الاستعمار البريطاني رسميًا من أوغندا، بل كان يقدّمه باعتباره عملية لم تكتمل بعد، ووعدًا لم ينجز، وحقًا مؤجّلًا يحتاج إلى رجل قوي لكي يمنحه مضمونًا حقيقيًا. كان يتكلم كما لو أن الحرية لم تأتِ بعد، وأن كل ما جرى عند لحظة إنهاء الاستعمار لم يكن سوى تسوية ناقصة سلمت السلطة إلى نخب مدنية عاجزة، مشبعة بالتعليم الاستعماري، وغير قادرة على تخيّل مستقبل مختلف.
في هذا الخطاب شيء مفهوم وقابل للالتقاط جماهيريًا، خصوصًا في بلد خرج لتوه من السيطرة الإمبراطورية، وهو مثقل بالفقر البنيوي والتفاوت العرقي والاجتماعي. ولهذا فإن خطورة أمين لا تكمن فقط في جرائمه، بل في أنه قدّم نفسه بصفته من سيمنح الاستقلال معنًى ملموسًا، من دون أن يدرك كثيرون أن هذا المعنى نفسه يمكن أن يتحول إلى أداة قمع.
عند ممداني، لا تكتمل قراءة أمين من دون وضعه إلى جانب يوري موسيفيني، الحاكم الذي وصل إلى السلطة سنة 1986 وما يزال، في نظره، التعبير الأوضح عن الدولة الأوغندية التي أعادت إنتاج آليات الحكم الاستعماري بصيغ محلية. هنا يكشف الكتاب عن انشغال ممداني الأوسع، المعروف منذ عقود، بأن الاستعمار لم يخلّف حدودًا مصطنعة واقتصادات تابعة فحسب، بل صنع كذلك "القبائل" بوصفها وحدات حكم وإدارة، عبر التصنيف والتقسيم وإسناد الحقوق والامتيازات على أساس الانتماء الإثني.
إن "القبلية" في السياسة الأفريقية المعاصرة ليست، في هذا التصور، بقايا مجتمع تقليدي سابق على الحداثة، بل أثر من آثار الاستعمار نفسه. ومن هذا المنظور، يبدو موسيفيني، أكثر من أمين، حاكمًا يشتغل عبر الفروق الإثنية، ويعيد تشغيل البنية الاستعمارية. والمفارقة هنا أن ممداني، وهو يضع الرجلين جنبًا إلى جنب، يجعل أمين يبدو أحيانًا أكثر جرأة وخيالًا من خلفه الراديكالي الذي استقر أخيرًا في هيئة أوتوقراطي طويل العمر.
هذا لا يعني أن ممداني يعفي أمين من حسابه. على العكس، هو يجرّب أكثر من مدخل لفهم تكوينه، من طفولة مضطربة، وخبرة عسكرية تشكلت في أحشاء المؤسسة الاستعمارية، ثم عالم الانقلابات والمؤامرات الذي حمله إلى الحكم في عام 1971. لكن ما يلفت في الكتاب هو أن هذه المحاولة التفسيرية لا تنتهي إلى تحليل نفسي مغلق، ولا تجعل من شخصية الحاكم مفتاحًا وحيدًا لكل شيء. ومع ذلك، يظل في الكتاب ميلٌ إلى تليين بعض الحواف الأكثر إيلامًا في سيرة أمين، وفي مقدمتها قرار طرد الأقلية الآسيوية من أوغندا عام 1972. وهذه نقطة حساسة بشكل خاص، لأن ممداني نفسه كان من بين الذين طالتهم إجراءات الطرد. مع ذلك، فهو يضع الحدث داخل سياق أشمل يتعلق بالإرث الاستعماري الذي كرّس موقع الآسيويين بوصفهم وسطاء اقتصاديين وتجاريين بين السلطة البريطانية والسكان الأفارقة، ثم ترك وراءه تفاوتًا حادًا صيغ بلغة عرقية واقتصادية معًا.
إحدى مفارقات التحرر الوطني في أفريقيا. فالاستقلال لم يكن صندوقًا مملوءًا سلفًا بقيم ديمقراطية أو برؤية اجتماعية واضحة، بل كان وعاءً مفتوحًا يمكن ملؤه بأشياء متناقضة
لا يبرر هذا السياق ما فعله أمين، لكنه يمنع أيضًا التعامل مع القرار وكأنه مجرد انفعال عنصري منفصل عن تاريخ الاقتصاد الاستعماري. لقد كان الطرد نهبًا جماعيًا منظمًا، وقرارًا عنيفًا وعنصريًا ومدمرًا، لكنه لم يكن الجريمة الوحيدة في سجل أمين، ولا حتى بالضرورة الأكثر دموية أو الأوسع أثرًا في الداخل الأوغندي. وهنا يلتقي ممداني وبيترسون، على الرغم من اختلافهما الكبير، عند نقطة مهمة تتمثل بأن أهمية أمين التاريخية لا تُختزل في هذه الواقعة، وأن العنصرية وحدها لا تكفي لشرح حضوره السياسي. فالرجل لم يُفهم، في زمانه، فقط بوصفه طاغية، بل أيضًا بوصفه محررًا عند شريحة ليست صغيرة من الناس، وهذا ما ينبغي تفسيره بدل الاكتفاء بإدانته من موقع أخلاقي متأخر.
ليس صعبًا فهم بعض أسباب هذه الجاذبية. كان أمين معاديًا علنًا للبريطانيين، ورفض ذلك النمط من التذلل الدبلوماسي الذي مارسه كثير من حكام الدول الصغيرة في ذروة الحرب الباردة. كما أن الحكومة التي أطاح بها لم تكن محبوبة، وكان كثير من الأوغنديين قد ضاقوا ذرعًا بخليط الخيبة والجمود الذي أعقب الاستقلال الرسمي.
في هذا السياق، بدا الضابط الذي يتكلم بلغة قاطعة ضد الاستعمار وضد النخب المدنية التي ورثته وكأنه يقدّم "استقلالًا ثانيًا" أكثر واقعية، وأكثر وطنية، وأكثر اقترابًا من المظالم اليومية. حتى سياساته الاقتصادية الأصلانية، التي بدت للكثيرين فوضوية ومتطرفة، كانت تستجيب لشيء حقيقي في المجتمع تتعلق بالفقر المتجذر، والفوارق الصارخة بين الجماعات السكانية، والشعور الواسع بأن الاستقلال لم يعدل ميزان القوة داخل البلد. لهذا يمكن القول إن أمين كان، على نحو متناقض، جزءًا من تاريخ عالمي لمناهضة العنصرية، حتى وهو يمارس أشكالًا أخرى من القسوة والإقصاء والعنصرية الخاصة به.
هنا بالضبط تظهر إحدى مفارقات التحرر الوطني في أفريقيا. فالاستقلال لم يكن صندوقًا مملوءًا سلفًا بقيم ديمقراطية أو برؤية اجتماعية واضحة، بل كان وعاءً مفتوحًا يمكن ملؤه بأشياء متناقضة. لم يكن مسار إنهاء الاستعمار قصة مستقيمة عن ثوار مبدئيين من جهة، وخونة تابعين للاستعمار من جهة أخرى. فحتى الانقلابيون الذين استولوا على السلطة باسم الجيش، من مالي إلى النيجر وبوركينا فاسو في أزمنة أحدث، ومن أوغندا إلى غيرها في الستينيات والسبعينيات، قدموا أنفسهم بوصفهم منقذين للحرية لا أعداءها. وهذه مفارقة تكرر علي شكل ضباط يعلّقون الدستور ويصادرون السياسة، ثم يعلنون في اللحظة نفسها، أنهم يفتحون الطريق أمام استقلال أكثر صدقًا من ذلك الذي فاوضت عليه النخب المدنية. من السهل القول إنهم كانوا يسرقون لغة التحرر من مفكري مناهضة الاستعمار، من فرانز فانون إلى أميلكار كابرال، من دون أن يفهموا مضمونها. لكن هذا الحكم، على وجاهته الجزئية، قد يكون مريحًا أكثر مما ينبغي. فثمة قرابة حقيقية، وإن كانت مزعجة، بين بعض أفق التحرر الراديكالي وبين الحس العسكري الانقلابي؛ كلاهما يتحدث عن تفكيك التبعية، وعن تحرير الوعي لا الدولة فقط، وعن احتمال أن يكون العنف ضروريًا في لحظة تاريخية معينة. تلك قرابة لا تلغي الفارق الأخلاقي والسياسي، لكنها تفسّر لماذا لم تكن لغة أمين دخيلة تمامًا على عالم ما بعد الاستعمار.
من هنا تكتسب قراءة بيترسون أهميتها الخاصة، لأنه يزيح الضوء عن "الرجل الكبير" قليلًا، ليرينا من كانوا يحكمون فعليًا في التفاصيل اليومية؛ الموظفون، والجنود، ورجال الشرطة، والمثقفون، وكتّاب العرائض، والناس الذين لم يعتلوا المنصة لكنهم أمسكوا بأطراف الدولة من الأسفل. فالحاكم الاستعراضي، مهما بدا كليَّ الحضور، لا يدير البلاد بنفسه. ما يفعله في كثير من الأحيان هو أنه يحدد المزاج العام، ويوزع الإشارات، ويطلق التهديدات، بينما تتولى مؤسسات كاملة ترجمة ذلك إلى إجراءات وأوامر وأختام وملفات ومذكرات. وهذه نقطة شديدة الأهمية لفهم أي استبداد: الناس لا يعملون تحت سلطة طاغية لأنهم جميعًا مؤمنون به أو مفتونون به، ولا لأنهم قرروا ببساطة بيع ضمائرهم. كثيرون يبقون لأنهم يريدون حماية شيء ما؛ مؤسسة، أو مجتمعًا محليًا، أو مساحة عمل، أو فكرة ما عن النظام العام. يظنون أن وجودهم داخل الجهاز أقل سوءًا من تركه، وأن دفع العجلة من الداخل قد يمنع الانهيار الكامل. هكذا ينشأ الاستبداد بوصفه سلسلة لا تنتهي من التنازلات الصغيرة التي لا تبدو، كل واحدة على حدة، كارثية بما يكفي لإيقافها.
واحدة من أجمل القصص التي يستخرجها بيترسون من هذا العالم هي قصة مملكة روينزورورو، الحركة الانفصالية التي اشتغلت ببطء في الجبال القريبة من حدود زائير. لسنوات، عاش سكان تلك المنطقة على هامش الدولة أو خارجها جزئيًا، يراكمون أشكالًا متواضعة من العصيان، ويرسلون عرائض إلى منظمات وهيئات مختلفة، ويجربون إدارة حياتهم بعيدًا عن المركز. وحين وصل أمين إلى الحكم، تحولت عزلة المكان إلى مورد سياسي. ففي الوقت الذي كانت فيه أوغندا كلها تدخل طورًا من التصدع والعنف، استطاعت روينزورورو أن تنتزع لنفسها مساحة من الحكم الذاتي الفعلي، وكأنها بلد داخل بلد. لم يهزمها أمين تمامًا، ولم ينجح في استيعابها بالكامل. وحين أطاح الغزو التنزاني بنظامه سنة 1979، أعادت الحركة كتابة قصتها بوصفها انتصارًا على طغيانه. المهم هنا ليس نجاح الحركة أو فشلها بقدر ما هو شكل المقاومة الذي تكشفه. فالناس لا يواجهون الديكتاتورية دائمًا بمشهد بطولي كبير؛ أحيانًا يواجهونها بالانسحاب، أو بالالتفاف، أو بابتكار أنماط محلية من الحكم الذاتي حين تصبح الدولة المركزية، على شدتها، عاجزة عن الإمساك بكل شيء.
إن "القبلية" في السياسة الأفريقية المعاصرة ليست، في هذا التصور، بقايا مجتمع تقليدي سابق على الحداثة، بل أثر من آثار الاستعمار نفسه
لكن الاستبداد لا يحيا بالخوف وحده، بل يحتاج إلى أفكار تمنحه صورة عن نفسه، وإلى مثقفين يزوّدونه باللغة التي يبرر بها سياساته. في هذا السياق، تبدو شخصية اللاهوتي جون مبيتي كاشفة على نحو خاص. فقد قدّم مبيتي تصورًا للدين الأفريقي باعتباره نسيجًا شاملًا ينظم الحياة العامة والخاصة معًا، وبوصفه، في جوهره العميق، واحدًا رغم تعدد الأرواح والمزارات والأشكال المحلية. هذا التصور، الذي قُرئ لاحقًا بوصفه احتفاءً بالمعرفة الأفريقية في وجه المركزية الغربية، كان يحمل أيضًا قابلية واضحة للتوظيف السلطوي. فإذا كانت التقاليد مصدرًا للنظام، وإذا كانت الديانة الأفريقية واحدة في جوهرها، فمن السهل عندئذ أن تُقدَّم الطوائف المخالفة أو الجماعات الدينية المختلفة باعتبارها أجسامًا شاذة تهدد التماسك العام.
على هذا النحو، أمكن لأفكار تبدو مناهضة للاستعمار أن تدخل في خدمة سياسات قمعية استهدفت بعض الكنائس وجماعات دينية أخرى. والمفارقة أن مبيتي نفسه لم ينجُ في النهاية من آلة السلطة، وانتهى به الأمر إلى المنفى. تلك واحدة من الحقائق التي يذكّر بها الكتابان، أن الفكرة لا تصبح بريئة لمجرد أنها تتكلم باسم الأصالة أو التحرر؛ فكثير من الأفكار الراديكالية المعلنة تحمل حدًا محافظًا وحادًا في آن.
كان أمين يدرك أيضًا قيمة المسرح الدولي. فقد وعد الأوغنديين، ضمنًا أو صراحة، بأن بلادهم لن تبقى هامشًا مذلولًا في السياسة العالمية. وربما لهذا كان يتصرف أحيانًا كما لو أن كمبالا ينبغي أن تكون مركزًا للعالم، أو على الأقل كأن أوغندا تملك حق الكلام بلا وجل أمام القوى الكبرى. لم يكن أحد يأخذ مطالبه الغريبة على محمل الجد دائمًا، لكن جرأتها نفسها كانت ذات أثر رمزي. لقد تبنى قضايا متباعدة، وأصغى إلى قوميين من أماكن غير متوقعة، وأربك سفراء دول نافذة، وخرق أعراف اللباقة الدبلوماسية بإشهار ما يفترض أن يبقى مكتومًا.
حتى انتقاله من التحالف مع إسرائيل إلى الانحياز الحاد للقضية الفلسطينية بعد زيارته مكة عام 1972 لم يكن مجرد تبدل في السياسة الخارجية، بل كان أيضًا جزءًا من إعادة إخراج نفسه بوصفه قائدًا متحررًا من الترتيبات السابقة. غير أن هذه المواقف جاءت كذلك مشبعة بخطاب معادٍ لليهود، وبمبالغات دعائية تكشف كيف يمكن لادعاء التحرر أن ينزلق بسهولة إلى أشكال أخرى من الكراهية.
المثير أن هذا النمط من الخطاب لم يضعف شعبيته بالضرورة، بل غذّى أسطورته. ففي أكثر لحظات حكمه عنفًا، ظل كثيرون يشعرون أنهم يشاركون في بناء شيء معه، لا مجرد الخضوع له. صنعوا له التماثيل، واحتفظوا بسجلات دقيقة عن خدماتهم للنظام، وكتب بعضهم قصائد مديح ركيكة تكاد تكون هجاءً من فرط ما فيها من تسطيح. لكن هذه التفاصيل، على هامشيتها الظاهرة، مهمة للغاية. فهي تذكّرنا بأن الأسطورة السياسية لا تتكون من كلام القائد وحده، بل من عمل جماعي مادي ورمزي، من الورق والأختام والخرسانة والاحتفالات والذاكرة الإدارية التي تثبت ما ينبغي أن يبقى.
هنا يظهر وجه آخر مهم في عمل بيترسون، وهو عنايته الاستثنائية بالأرشيف وبشروط بقائه. فلولا الجهد الذي بذله هو وشركاؤه في حفظ ملايين الصفحات المهددة بالتلف، لضاعت مواد كاملة كان يمكن أن تساعد على فهم كيف عاش الناس داخل هذا النظام، وكيف وصفوا أنفسهم وهم يشاركون فيه أو يناورونه أو يبررون وجودهم داخله.
أحد الإنجازات الحقيقية في كتاب بيترسون أنه يدفع القارئ، رغم كل شيء، إلى شيء من التعاطف مع أولئك البيروقراطيين الذين أبقوا دولة أمين تعمل. لا لأنهم أبرياء، بل لأنهم يظهرون في ملفاتهم وعرائضهم ومراسلاتهم بشرًا عاديين، ذوي نيات مختلطة، ووجوه قابلة للفهم، وليسوا شياطين جاهزة. وهو ينجذب كذلك إلى الشخصيات الغريبة والهامشية، على شكل صاحب عريضة مهووس، فنان منفرد، أو رجل كرّس نفسه لبناء نصب تذكاري لمعركة لم تقع أصلًا كما يرويها. وفي هذا كله تلوح حقيقة مزعجة، أن الجنون والهوس والوسواس لا يقفون خارج التاريخ، بل قد يكونون من أكثر ما يكشف منطقه الداخلي، خصوصًا في الأزمنة المضطربة. فالديكتاتورية تشوش الحدود بين المألوف والمنحرف، وبين الطبيعي والمَرَضي، وتجعل ما كان يبدو شاذًا بالأمس أقرب إلى القاعدة غدًا. ولهذا فإن أخذ غير "الممتثلين" و"المزعجين" على محمل الجد ليس مجرد فضول أرشيفي، بل ضرورة لفهم كيف تعيش المجتمعات حين تختلط السلطة بالهذيان.
في المحصلة، لا تعود المسألة متعلقة بعيدِي أمين وحده، ولا بأوغندا بوصفها حالة معزولة. ما يقدمه هذان الكتابان، كلٌّ على طريقته، هو درس أوسع عن الاستبداد في عالم ما بعد الاستعمار، وعن الطريقة التي يمكن أن تتحول بها لغة التحرر إلى مادة لبناء حكم تسلطي، وعن محدودية التفسيرات التي تردّ كل شيء إلى جنون الزعيم أو شرّه الشخصي.
صحيح أن "الرجل الكبير" مهم ويحتل الواجهة، لكن الطغيان لا يقوم به وحده. فبين قراراته وما تخلّفه على الأرض تقف طبقات كاملة من الناس العاديين؛ فثمة موظفون يوقّعون، ومثقفون يبررون، وجنود ينفذون، وقضاة يلوذون بالصمت، ومواطنون يقنعون أنفسهم بأن البقاء أقل كلفة من المواجهة، وآخرون ينسحبون إلى الهوامش، وبعضهم يقاوم بصمت ومن دون بطولة معلنة. هؤلاء، لا الزعيم وحده، هم الذين يمنحون السلطة قدرتها على الاستمرار، وهم الذين يحددون في النهاية ما إذا كانت الدولة ستعمل لصالح الناس أم ستتحول إلى جهاز يُحكم به عليهم.
وربما لهذا تبدو إعادة قراءة أمين مفيدة اليوم، لا من باب المقارنة السطحية، بل من باب سؤال أكثر إلحاحًا هو كيف تنزلق المجتمعات إلى تطبيع ما لم يكن قابلًا للتطبيع؟ كيف يتحول القائد الصاخب إلى حقيقة يومية تديرها المؤسسات وتعيد إنتاجها؟ وكيف يكتشف الناس، بعد فوات الأوان، أن ما ظنوه حمايةً للنظام أو للمجتمع أو لفكرة الاستقلال لم يكن إلا مساهمةً، صغيرة أو كبيرة، في تثبيت سلطة لا تشبه الحرية إلا في خطابها؟ عند تلك النقطة تحديدًا، يتراجع "الرجل الكبير" قليلًا، ليغدوا السؤال ماذا كان دور الناس الصغار، وماذا كان يمكن لهم أن يفعلوا على نحو مختلف؟ هنا يبدأ الفهم الحقيقي للاستبداد، وهنا أيضًا تبدأ مساءلة التاريخ.