السبت 18 أبريل 2026
في منعطف دبلوماسي مفاجئ، يحمل دلالات استراتيجية عميقة على مستقبل الأمن والاستقرار في الصومال والقرن الأفريقي، أخفقت مفوضية الاتحاد الأفريقي في الحصول على الدعم المالي المنتظر من الإدارة الأمريكية، لصالح بعثتها الجديدة لدعم الاستقرار في الصومال (AUSSOM). يأتي هذا الإخفاق في توقيت حساس يتسم بتصاعد التهديدات من الجماعات المسلحة، وتزايد الحاجة إلى مقاربة أمنية أكثر فاعلية، ما يعيد أزمة التمويل الدولي إلى الواجهة، بوصفها أحد أبرز العوائق التي تواجه جهود إحلال السلام في الصومال.
بدأت فكرة نشر قوات أفريقية في الصومال عام 2005، عندما اقترحت الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) "بعثة حفظ سلام سُميت “إيغادصوم" (IGADSOM)، بهدف دعم الاستقرار قبل سيطرة المحاكم الإسلامية على مقديشو. مع دخول عام 2006 وسيطرة المحاكم على العاصمة، سارع الاتحاد الأفريقي إلى تشكيل بعثة جديدة باسم "أميصوم" (AMISOM)، التي أصبحت لاحقًا البعثة الإقليمية الرسمية بإشراف الاتحاد الأفريقي، وبتفويض من مجلس الأمن الدولي بموجب القرار رقم 1744.
تشكلت "أميصوم" من أربع ركائز أساسية: القوات العسكرية والشرطة والشؤون المدنية والشؤون الإنسانية، إلا أن العنصر العسكري كان العمود الفقري للبعثة، بقيادة الجنرال الأوغندي جيم بيسيجي، وبمشاركة قوات من أوغندا وجيبوتي وكينيا وإثيوبيا وبوروندي وسيراليون، بلغ قوامها أكثر من 22 ألف جندي.
تنوعت المهام الموكلة للبعثة، وشملت طرد حركة الشباب من العاصمة، ودعم الحكومة الفدرالية الانتقالية في تنفيذ إستراتيجيات الأمن، وتدريب القوات الصومالية، وتهيئة بيئة آمنة لإيصال المساعدات.
خضعت البعثة لمرحلة انتقالية، في أبريل/ نيسان 2022، تحولت فيها إلى "أتميس" (ATMIS)، وفق قرار مجلس السلم والأمن رقم 1068، لتكون أكثر مرونة، وأفضل استجابة للتهديدات الجديدة، ولتمهّد الطريق أمام القوات الصومالية لتولي كامل المسؤوليات الأمنية.
تراهن البعثة الجديدة على دعم أمريكي لتأمين انطلاقة قوية، تؤسس لمرحلة أمنية جديدة في البلاد. غير أن غياب التمويل من واشنطن يضع المهمة أمام تحديات تشغيلية خطيرة، قد تعيق قدرتها على تنفيذ أولوياتها الميدانية
تمثّل بعثة "أوسوم" – وهي اختصار لـ"بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن والاستقرار في الصومال" – الخطة الأحدث التي أقرّها الاتحاد الأفريقي مطلع عام 2025، لتحل محل بعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية في الصومال، المعروفة اختصارا بـ"أتميس" (ATMIS)، التي تُختتم مهامها نهاية هذا العام.
يجمع الخبراء على أن مهمة بعثة "أوسوم" تعكس تحوّلًا استراتيجيًا في منهجية عمليات حفظ السلام، بالانتقال من النهج العسكري الثقيل إلى مقاربة أكثر مرونة وديناميكية.
فعلى خلاف بعثة "أتميس"، التي اعتمدت بشكل أساسي على انتشار واسع للقوات القتالية لمواجهة التحديات الأمنية، ترتكز "أوسوم" على دعم القدرات الوطنية الصومالية، من خلال تقديم التدريب والمساندة الفنية واللوجستية للقوات الأمنية، وتعزيز جاهزية مؤسسات الدولة. كما تهدف البعثة إلى تمهيد الطريق لتسليم تدريجي وشامل للمسؤوليات الأمنية إلى الحكومة الصومالية، بما يعزز الاستقلالية، ويكرّس السيادة الوطنية.
يُنظر إلى "أوسوم" على أنها أكثر من مجرد بعثة حفظ سلام؛ فهي رؤية متكاملة تهدف إلى تمكين الدولة الصومالية من إدارة أمنها بفاعلية، في مواجهة تهديدات متصاعدة، وعلى رأسها خطر حركة الشباب. كما تعبّر عن رغبة أفريقية واضحة في ترسيخ نموذج جديد للتدخل الإقليمي، يعتمد على الشراكة والدعم المؤسسي، بدلاً من الاعتماد المفرط على الحلول العسكرية التقليدية.
تراهن البعثة الجديدة على دعم أمريكي لتأمين انطلاقة قوية، تؤسس لمرحلة أمنية جديدة في البلاد. غير أن غياب التمويل من واشنطن يضع المهمة أمام تحديات تشغيلية خطيرة، قد تعيق قدرتها على تنفيذ أولوياتها الميدانية. وفي ظل هذا الواقع الضاغط، يتحرك الاتحاد الأفريقي لتوسيع دائرة شركائه الماليين، بالتزامن مع تحضيرات جارية لعقد مؤتمر دولي في الدوحة أواخر الشهر الجاري، بهدف حشد الدعم اللازم لإنقاذ المهمة. ومع تفاقم المؤشرات الأمنية، تُطرح تساؤلات ملحّة حول قدرة المجتمع الدولي على احتواء التدهور، ومنع انزلاق البلاد نحو فراغ أمني قد يصعب تداركه.
كشفت مصادر مطلعة أن الإدارة الأمريكية، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، أبلغت رسميًا وفد الاتحاد الأفريقي بعدم نيتها تقديم أي تمويل لبعثة "أوسوم"، سواء عبر مساهمات مباشرة أو من خلال قنوات الأمم المتحدة. وجاء هذا الإخطار خلال زيارة رسمية أجراها وفد الاتحاد إلى واشنطن في 5 مايو/ آيار الجاري، ضمن مساعٍ لحشد دعم دولي لمهمة حفظ السلام الجديدة في الصومال.
تشير المعلومات إلى أن الرفض الأمريكي لم يكن مفاجئًا تمامًا، إذ سبقته خطوة تشريعية قام بها السيناتور الجمهوري تيد كروز، الذي قدّم في 2 مايو/آيار مشروع قانون إلى الكونغرس ينصّ على منع أي تمويل أمريكي للبعثة، في رسالة واضحة تعكس توجّهًا داخل المؤسسة السياسية الأمريكية نحو تقليص الإنفاق الخارجي في ملفات لا تمثّل "أولوية استراتيجية مباشرة" للولايات المتحدة، بحسب تعبير بعض المسؤولين الأمريكيين.
يمثل المؤتمر محطة مفصلية في مسار دعم الاستقرار في الصومال، ويُنتظر أن يشارك فيه ممثلون رفيعو المستوى من دول مجلس التعاون الخليجي، والاتحاد الأوروبي، وعدد من الدول الأوروبية الفاعلة
يُشكّل انسحاب التمويل الأمريكي من بعثة "أوسوم" تحديًا بالغ الخطورة على صعيد استمراريتها وفعاليتها. فقد جاء قرار مجلس الأمن رقم 2719 الصادر في ديسمبر/كانون الأول 2023 ليمنح بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال، غطاءً تمويليًا يصل إلى 75٪ من تكاليفها عبر آلية التمويل الأممي، نسبة كانت الولايات المتحدة تساهم فيها بشكل محوري. ومع غياب هذا الدعم، تواجه البعثة الجديدة "أوسوم" فجوة مالية حرجة تهدد قدرتها على أداء مهامها الميدانية الأساسية.
في ظل تصاعد وتيرة التهديدات الأمنية من قبل حركة الشباب وغيرها من الجماعات المتطرفة، يمثل أي تراجع في قدرات "أوسوم" أو انسحاب غير منظم خطرًا حقيقيًا، قد يُفضي إلى فراغ أمني تستغله هذه الجماعات لتوسيع نفوذها. كما يُنذر ذلك بانتكاسة للجهود التي بُذلت خلال السنوات الأخيرة، لا سيما تلك التي تحققت تحت مظلة بعثة "أتميس"، في تعزيز قدرات القوات الصومالية، وتمكين الدولة من بسط سيطرتها على مناطق استراتيجية.
كان مفوض الاتحاد الأفريقي للشؤون السياسية والسلام والأمن، بانكول أديوي، قد وصل إلى العاصمة الأمريكية في مهمة دبلوماسية عاجلة، بهدف إقناع الإدارة الأمريكية بمراجعة موقفها. والتقى خلال الزيارة بعدد من المسؤولين في وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي، إلا أن جهوده لم تُثمر عن تغيير في الموقف. وأفادت مصادر مطلعة على فحوى اللقاءات أن الجانب الأمريكي أعرب عن تحفظه إزاء "فعالية وكفاءة" مهام حفظ السلام الحالية في أفريقيا، واعتبر أن الظرف الدولي لا يتيح مزيدًا من الالتزامات المالية، خصوصًا في ظل أولويات داخلية متصاعدة وتحديات جيوسياسية أخرى.
تضع هذه التطورات بعثة "أوسوم" أمام مأزق تمويلي حاد، قد ينعكس بشكل مباشر على قدرتها في الانتشار وتنفيذ المهام الحيوية الموكلة إليها، ويعيد طرح التساؤلات حول مدى التزام المجتمع الدولي بدعم استقرار الصومال في مرحلة دقيقة من تاريخه السياسي والأمني.
حذّر رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، من أن استمرار أزمة تمويل بعثة "أوسوم" يُشكّل تهديدًا مباشرًا لاستقرار الصومال والقرن الأفريقي ككل، مشددًا على أن تفاقم العجز المالي يعرّض المكاسب الأمنية والسياسية التي تحققت خلال السنوات الماضية للخطر. ودعا الدول الأعضاء والشركاء الدوليين إلى اتخاذ خطوات عاجلة ومنسقة لإنقاذ البعثة، وضمان استمراريتها.
في المقابل، أكد الأمين التنفيذي للهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) أن النقص الحاد في التمويل دفع القادة الميدانيين إلى مواجهة "خيارات مستحيلة"، تتعلق بتوفير المستلزمات التشغيلية الأساسية مثل الوقود والذخيرة، ما يهدد بعرقلة العمليات الأمنية، ويُعرض المناطق المحررة لخطر الانتكاس الأمني. هذا الإجماع الإقليمي يعكس حجم الأزمة وضرورة تحرك سريع لتدارك انهيار وشيك، قد تكون له تداعيات إقليمية واسعة.
مشروع قانون إلى الكونغرس ينصّ على منع أي تمويل أمريكي للبعثة، في رسالة واضحة تعكس توجّهًا داخل المؤسسة السياسية الأمريكية نحو تقليص الإنفاق الخارجي في ملفات لا تمثّل "أولوية استراتيجية مباشرة" للولايات المتحدة، بحسب تعبير بعض المسؤولين الأمريكيين
رغم غياب مواقف أوروبية حاسمة حتى الآن، تشير المعطيات إلى أن الاتحاد الأوروبي، إلى جانب فرنسا وألمانيا، يدرسون إمكانية رفع مستوى مساهماتهم في دعم بعثة "أوسوم"، في إطار التزامهم بالاستقرار الإقليمي ومكافحة الإرهاب في القرن الأفريقي. إلا أن هذه التوجهات لا تزال في طور الدراسة، ولم تُترجم بعد إلى تعهدات مالية ملموسة.
على الجانب الخليجي، تبرز كل من قطر والإمارات لاعبين نشطين في تمويل مبادرات الأمن الإقليمي، وتتوفر فرصة حقيقية لاستثمار حضورهما في مؤتمر الدوحة للمساهمة بشكل جزئي في تعويض الفجوة التمويلية التي خلفها الانسحاب الأمريكي. ويُرجّح أن يتوقف حجم الدعم الخليجي على ما يقدمه الاتحاد الأفريقي من ضمانات تتعلق بالحَوْكمة والشفافية، ما يعزز الثقة ويشجع على تقديم التزامات طويلة الأمد لدعم البعثة وجهود الاستقرار في الصومال.
يُعقد في العاصمة القطرية الدوحة نهاية مايو/آيار الجاري مؤتمر دولي للمانحين، بدعوة من الاتحاد الأفريقي وبشراكة استراتيجية مع دولة قطر، وذلك في ظل تحديات متصاعدة تواجه بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال "أوسوم". ويهدف المؤتمر إلى تعبئة الموارد المالية وسد فجوة التمويل الحادة التي خلفها انسحاب الدعم الأمريكي، والتي باتت تهدد استمرارية البعثة، وقدرتها على تنفيذ مهامها الأمنية والسياسية الحيوية.
يمثل المؤتمر محطة مفصلية في مسار دعم الاستقرار في الصومال، ويُنتظر أن يشارك فيه ممثلون رفيعو المستوى من دول مجلس التعاون الخليجي، والاتحاد الأوروبي، وعدد من الدول الأوروبية الفاعلة. ويُنظر إلى المؤتمر كفرصة حاسمة لإعادة إحياء الالتزام الدولي تجاه الصومال وتعزيز الشراكات الإقليمية والدولية، لضمان بقاء بعثة "أوسوم" فاعلة وقادرة على دعم المرحلة الانتقالية في البلاد، في ظل تصاعد التهديدات الأمنية، وتراجع قدرة الحكومة الصومالية على الاعتماد الذاتي.
في ظل الأزمة التمويلية الناتجة عن غياب الدعم الأمريكي، يواجه الاتحاد الأفريقي خيارات محدودة تفرض إعادة تقييم شاملة لمستقبل بعثة "أوسوم". من أبرز السيناريوهات المحتملة تقليص نطاق البعثة من خلال خفض عدد القوات، وتقليص المهام العملياتية، بما يتناسب مع الموارد المتاحة. كما قد يُعاد النظر في هيكل التمويل، عبر تفعيل شراكات خليجية-أوروبية لتشكيل آلية تمويل مشترك، تُخفف من الاعتماد التقليدي على واشنطن.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، قد يتجه الاتحاد الأفريقي إلى تصعيد تحركه في أروقة الأمم المتحدة، مستثمرًا علاقاته مع الحلفاء الغربيين للضغط على الإدارة الأمريكية لإعادة النظر في موقفها. وفي موازاة ذلك، يُطرح خيار تعزيز الدعم الثنائي مع الحكومة الصومالية، عبر نقل بعض المهام إلى اتفاقيات أمنية مباشرة بين مقديشو وشركائها الإقليميين والدوليين.
في المحصلة، بات مستقبل بعثة "أوسوم" مرهونًا بنتائج مؤتمر الدوحة، وبقدرة الاتحاد الأفريقي على بناء تحالف دعم بديل يسد الفجوة المالية. إذ أن الفشل في ذلك قد يُفضي إلى تدهور أمني كبير في الصومال، في مرحلة حساسة من جهود بناء الدولة ومكافحة الإرهاب.