الأحد 18 يناير 2026
مثّلت القوة الناعمة في الحالة الكينية مصدر نفوذ لها على جميع الأصعدة: الوطنية والإقليمية والعالمية. تم لها ذلك مقابل القوة الصلبة، التي لا تتميز بها، والتي تلجأ إليها الدول غالبا لتحقيق نفوذها. وقد دعم هذا التوجه عدد من "العُمُلات" المهمة. لعل أهمها يتمثل في فلسفة محلية تسمى بـ "الهارامبي". على الرغم من توافر البيئة، التي ساعدت على تشكيل قوة ناعمة لكينيا من مصادر مختلفة، إلا أن هذه القوة- تواجه بعدد من الكوابح العصية، التي قد تقف حجر عثرة في استثمار هذه القوة لمصلحة الدولة.
نستعرض في سياق القوة الناعمة في كينيا كتاب "القوة الناعمة في أفريقيا، الفلسفات والقيم السياسية والسياسات الخارجية والصادرات الثقافية" (Africa’s Soft Power, Philosophies, Political Values, Foreign Policies and Cultural Exports)، لمؤلفه أولواسون تيلا (Oluwaseun Tella)، الذي يعمل مدير مستقبل الدبلوماسية، بمعهد مستقبل المعرفة، في جامعة جوهانسبرغ، بجنوب إفريقيا. وقد تولت نشره ضمن سلسلة "أفريقيا العالمية" عام 2021.
يستكشف هذا الكتاب كيفية استخدام الدول الأفريقية للقوة الناعمة لتعزيز نفوذها العالمي. ويختار أربعًا من أكثر الدول ارتباطًا بالقوة الناعمة في القارة، ويتعمق في رصد عملات Currencies القوة الناعمة في المنطقة، من دستور جنوب أفريقيا التقدمي، وتوسع الشركات متعددة الجنسيات فيها؛ إلى صناعة السينما النيجيرية (نوليوود) وبرنامج فيلق المساعدة التقنية (TAC)؛ ودبلوماسية الرياضة، وصناعة الأزياء والسياحة في كينيا؛ وأخيرًا الفرعونية في مصر. ويتساءل عن كيفية استخدام هذه الدول للقوة الناعمة، وما القيود والتناقضات، التي تواجهها. يهدف الكتاب إلى إضفاء طابع أفريقي على فهمنا للقوة الناعمة، مستعينا ببعض الفلسفات الأفريقية البارزة.
خصّ الكتاب، الذي يتشكل من سبعة فصول، تولى الحديث في السادس عن كينيا تحت عنوان "كينيا: جاذبية هارامبي" (Kenya: Harambee attraction). وتناول فيه عددا من المحاور: مقدمة؛ وعملات القوة الناعمة في كينيا: صناعة الأزياء، والدبلوماسية الرياضية، والسياحة؛ و"الهارامبي"، والسياسة الخارجية الحذرة، والدبلوماسية الاقتصادية؛ ودبلوماسية السلام والقومية (الوحدة) الأفريقية؛ وقيود القوة الناعمة في كينيا (المحكمة الجنائية الدولية؛ والعنف الانتخابي؛ وقيود العرق؛ والفساد السياسي).
يظهر أن كينيا عند قياسها من حيث الناتج المحلي الإجمالي والقدرة العسكرية أنها تفتقر إلى القدرة على استخدام القوة الصلبة لمنافسة القوى الإقليمية، مثل: نيجيريا وجنوب أفريقيا ومصر والجزائر وأنغولا والمغرب. وأن هذه الدولة التي تُعد سابع أكبر اقتصاد في أفريقيا، متقدمةً بمركز واحد عن نظيرتها إثيوبيا في شرق أفريقيا. وتحتل المرتبة الثانية عشرة من حيث القوة العسكرية. علاوة على ذلك، غالبًا ما تجنبت كينيا المواجهة العسكرية في منطقتها الفرعية، مما دفع المراقبين إلى وصفها بالقوة المترددة.
تشير وزارة الخارجية والتجارة الدولية الكينية إلى أن فلسفة الهارامبي تُعدّ إحدى القيم الأساسية، التي تُوجّه السياسة الخارجية لنيروبي. وتُطبّق كينيا فلسفة الهارامبي في علاقاتها الدبلوماسية في أفريقيا وخارجها
ومع ذلك، إلى جانب إثيوبيا وتنزانيا ما تزال كينيا واحدة من القوى المتنافسة على الهيمنة في شرق أفريقيا، وتتمتع بنفوذ كبير على القارة ككل. وهذا، وفقا لتيلا يطرح تساؤلًا حول مصادر قوة كينيا، نظرا لأن ضعف قاعدتها المادية لا يتوافق مع نفوذها في أفريقيا.
في هذا المنحى يرى تيلا أن جاذبية نفوذ كينيا الإقليمي تكمن في قوتها الناعمة، والتي تشمل: صادراتها الثقافية المتمثلة في صناعة الأزياء، والنجاح في الألعاب الرياضية، والسياحة؛ وفلسفة "الهارامبي"؛ ودبلوماسية السلام، والتعددية، والسياسة الخارجية غير العدوانية. غير أن هذه القوة تواجه بعدد من التحديات، التي ستتم الإشارة إليها لاحقا.
إذا بدأنا بصناعة الأزياء، فإن تيلا يورد ما مفاده أن كينيا تسعى جاهدة لإبراز نفسها في الساحة الدولية من خلال منتجاتها الثقافية الشعبية مثل: الكيوندو (Kiondo)، وهي حقيبة يد منسوجة يدويًا؛ والكانجا (Kanga)، وهو قماش تُلفّه النساء حول تنانيرهن؛ وقماش يُسمى الكيكو (kiko) للرجال. وبعض هذه المنتجات الثقافية محفور عليها أمثال كينية. وبالتالي، لا تقتصر كينيا على تحقيق مكاسب اقتصادية من بيع هذه المنتجات، بل تُروّج أيضًا لثقافتها بين مُحبّيها الدوليين.
أما في ما يخص الدبلوماسية الرياضية، فيُعدّ تأثير الرياضيين الكينيين في البطولات العالمية جديرًا بالملاحظة. فقد لفتت قصة النجاح هذه، بلا شك، انتباه العالم إلى هذه القوة في شرق أفريقيا. إن نجاح الرياضيين الكينيين، وما صاحبه من رفع علم البلاد، وغناء نشيدها الوطني في البطولات العالمية، يجذب انتباها عالميا فوريا إلى هذه الدولة الأفريقية.
تنبع ميزة القوة الناعمة الفورية من حقيقة أن كينيا- تُرى من منظور مختلف، كدولة نموذجية للنجاح في ألعاب القوى، بعيدًا عن التصورات السلبية المرتبطة بها، بما في ذلك الإرهاب والعنف الانتخابي والصراعات العرقية.
تُعد كينيا في مضمار السياحة بفضل وفرة الحياة البرية، وغنى مناظرها الطبيعية- واحدة من أبرز الوجهات السياحية في أفريقيا. توفر المتنزهات والمحميات الوطنية الستين في البلاد معالم ثقافية، وتاريخية قيّمة للسياح. ويستمد العديد من السياح الدوليين متعة جمالية من هذه المعالم البيئية، التي تُضفي عليهم طابعًا مميزًا. وعلى سبيل المثال- تجذب كلٌ من حديقة نيروبي الوطنية وماليندي وجبل كينيا وجزيرة لامو آلاف السياح إلى البلد سنويا. كما تُعدّ الأنشطة الثقافية الكينية، مثل مهرجان روسينجا الثقافي من أهم عوامل الجذب السياحي. وتُستمد فوائد القوة الناعمة لهذه المعالم من عاملين رئيسيين: الدبلوماسية الاقتصادية والثقافية.
إن الشعار الوطني الكيني "الهارامبي" يشير إلى المشاركة الجماعية للأفراد في المجتمع، لتحقيق أهداف محددة من خلال تجميع موارده. وبالتالي، يُبرز الهارامبي أهمية الاعتماد على الذات لدى المجتمع. وتشير وزارة الخارجية والتجارة الدولية الكينية إلى أن فلسفة الهارامبي تُعدّ إحدى القيم الأساسية، التي تُوجّه السياسة الخارجية لنيروبي. وتُطبّق كينيا فلسفة الهارامبي في علاقاتها الدبلوماسية في أفريقيا وخارجها. ويتجلى ذلك في علاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية. كما يتجلى في الأهمية، التي تُوليها لعضويتها، وأهمية المنظمات الإقليمية مثل جماعة شرق أفريقيا (EAC) في تعزيز الأهداف الجماعية.
كما يتجلى ذلك أيضا في إحجام الدولة عن اتخاذ موقف أحادي الجانب في التزاماتها الدولية. وفي هذا الإطار، تلعب كينيا دورًا مهما في عمليات السلام في مناطق الصراع، مثل: جنوب السودان، ومنطقة البحيرات العظمى. كما أن كينيا طرف فاعل في مجلس السلام والأمن التابع للاتحاد الأفريقي.
تُعد العرقية أحد موروثات الاستعمار، التي لا تتجلى فقط في الهوية الجماعية، بل تتجلى أيضًا في السعي وراء المصالح الاقتصادية والسلطة السياسية. وقد أضر هذا السلوك بشكل كبير بجاذبية كينيا في جميع أنحاء العالم
أما في ما يخص السياسة الخارجية الحذرة التسامحية، فيلاحظ أن سلوك كينيا الدولي يختلف باختلاف مستوى التحليل. ففي منطقتها الفرعية بشرق أفريقيا تبنت كينيا موقفا حذرا ومحافظا ومؤيدا للشرعية. وفي القارة الأفريقية تولت البلاد دور لاعب محايد بين الدول الراديكالية والمعتدلة. وعلى المستوى العالمي، صيغت سياستها الخارجية بالأخلاق والمثالية.
بعد الاستقلال، تمحورت السياسة الخارجية الكينية حول ثلاث ركائز رئيسية: "عدم الانحياز؛ وتعزيز الوحدة الأفريقية؛ والقضاء على الاستعمار". كما اعتُبر دعم الأمم المتحدة ومبادئها أمرًا وثيق الصلة. ومثل معظم القوى الإقليمية الأفريقية، تجنبت كينيا في العصر الحديث الموقف العدواني والأحادي الجانب، وفضلت سيادة الدولة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، والتعايش السلمي. وفي ضوء ذلك، ينبع نفوذ كينيا في أفريقيا إلى حد كبير من مناوراتها بالقوة الناعمة.
تؤكد السياسة الخارجية لإدارة كيباكي، القائمة على الدبلوماسية الاقتصادية، على إعطاء الأولوية للتكامل الاقتصادي الإقليمي. ما يجعل كينيا طرفا فاعلا للغاية في مجموعة شرق أفريقيا (EAC)، وقد سرّع امتلاكها أكبر ميناء بحري في شرق أفريقيا؛ مومباسا الذي يعد موردًا مهمًا للقوة الناعمة، وموقعها الاستراتيجي الذي يُتيح لها الوصول إلى الدول المجاورة، مثل: بوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا وجنوب السودان وأوغندا، من سعي كينيا نحو التكامل الإقليمي. ومع ذلك، فإن الدبلوماسية الاقتصادية، التي انتهجها كيباكي ليست فكرة جديدة تمامًا. فبعد الاستقلال، وبينما كانت كينيا متشككة في حماس أوغندا وتنزانيا للتكامل السياسي، إلا أنها دافعت بقوة عن التكامل الاقتصادي للمنطقة.
مارست كينيا قوتها الناعمة في صنع وبناء السلام، وبينما يُمكن اعتبار إدارة جومو كينياتا بمثابة فترة شهر العسل في السياسة الخارجية الكينية، إلا أن نظام دانيال أراب موي ضخّ الديناميكية اللازمة، حيث صُنفت هذه الحقبة بالعصر الذهبي للسياسة الخارجية الكينية. ولعل أفضل مثال على ذلك هو دور إدارة موي في الوساطة في النزاعات الداخلية، والإقليمية في شرق أفريقيا، كما هو الحال في بوروندي وإريتريا/ إثيوبيا ورواندا وأوغندا والصومال وزائير (جمهورية الكونغو الديمقراطية حاليًا)، والعدد غير المسبوق من الرحلات، التي قام بها كرئيس لكينيا، والمبادرات المتبادلة من جانب قادة العالم، بما في ذلك زيارتي البابا يوحنا بولس الثاني، والملكة إليزابيث الثانية عام 1985.
نتبين من إشارة تيلا أن الوحدة الأفريقية كانت محورًا لسياستها الخارجية منذ الاستقلال. فقد كان أول رئيس لكينيا (جومو كينياتا) إلى جانب شخصيات أفريقية بارزة مندوبا في مؤتمر عموم أفريقيا، في مانشستر عام 1945. ويتضح التزام كينيا بالقومية الأفريقية جليًا في دورها المحوري في تسريع تطبيق منطقة التجارة الحرة الثلاثية (TFTA)، التي تسعى إلى تشكيل كتلة تجارية، تضم 26 دولة من دول الكوميسا وجماعة شرق أفريقيا والسادك، بهدف تعزيز التكامل الاقتصادي والتجارة القارية وتطوير البنية التحتية والصناعية.
حاول تيلا حصر أهم قيود القوة الناعمة في كينيا في أربعة قيود، هي: القضايا المتعلقة بالمحكمة الجنائية والعنف الانتخابي والعرقية والفساد السياسي. وعن القيد الأول يشير إلى أن القضايا المعروضة على المحكمة الجنائية الدولية، والمتعلقة بكينيا أثّرت بشكل كبير على السياسة الخارجية لها. وقد حدد تقرير لجنة التحقيق في أعمال العنف، التي أعقبت انتخابات 2007 مرتكبي أعمال العنف، وأوصى بإنشاء محكمة خاصة. وبعد تردد الحكومة الكينية في إنشاء المحكمة أحالت اللجنة الجناة الستة المزعومين إلى المحكمة الجنائية الدولية عام 2009. ومن المهم التأكيد على أن كينيا صادقت على نظام روما الأساسي، الذي أنشأ المحكمة الجنائية الدولية عام 2005، ما يعني وجوب الامتثال للقانون الدولي.
يُعدّ تأثير الرياضيين الكينيين في البطولات العالمية جديرًا بالملاحظة. فقد لفتت قصة النجاح هذه، بلا شك، انتباه العالم إلى هذه القوة في شرق أفريقيا. إن نجاح الرياضيين الكينيين، وما صاحبه من رفع علم البلاد، وغناء نشيدها الوطني في البطولات العالمية، يجذب انتباها عالميا فوريا إلى هذه الدولة الأفريقية
لقد أدى إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية الكينية في نهاية 2007 إلى عنف انتخابي، لم تشهده البلاد منذ بداية التعددية الحزبية عام 1992. وبلغ عدد القتلى أكثر من 1000 شخص، ونزوح 650 ألف شخص. وأدت المشكلات المرتبطة بهذه العملية الانتخابية إلى تعميق الانقسامات العرقية المعقدة أصلًا، وتفاقم أعمال العنف، التي أعقبت الانتخابات حتى عام 2008. وقد شوّه هذا صورة كينيا في نظر المراقبين الدوليين. كما كان للعنف الانتخابي تأثير كبير على الاستثمار الأجنبي المباشر، حيث يسعى المستثمرون إلى بيئة سياسية مستقرة، وسياسات اقتصادية مواتية.
ارتبطت هيمنة العرقية في كينيا ارتباطًا وثيقًا بالعنف الانتخابي، حيث يعاني عجز الحكم فيها من خلل. وحسب تيلا فأعمال العنف التي شهدتها انتخابات أعوام 1992 و1997 و2007، التي ارتبطت بالعرقية، وقد استغل السياسيون هذه النزعة لتحقيق مصالحهم الأنانية. وتُعد العرقية أحد موروثات الاستعمار، التي لا تتجلى فقط في الهوية الجماعية، بل تتجلى أيضًا في السعي وراء المصالح الاقتصادية والسلطة السياسية. وقد أضر هذا السلوك بشكل كبير بجاذبية كينيا في جميع أنحاء العالم.
تحدث الكتاب عن الفساد على الرغم التقدم الذي أحرزت كينيا في مجال التحول الديمقراطي منذ تسعينات القرن الماضي. ويتضح ذلك في الضوابط والتوازنات النسبية القائمة بين السلطات الثلاث (التشريعية والقضائية والتنفيذية) إلا أن الفساد السياسي قوّض هذا التقدم. وقد كان للفساد وإساءة استخدام السلطة في جميع مستويات الحكومة تأثيرهما السلبي على صورة كينيا، إذ يتزايد قلق الجهات المانحة الأجنبية، والمؤسسات المالية الدولية.
وعلى الرغم من المحاولات العديدة، التي بذلتها الجهات المانحة والمؤسسات المالية الدولية لوضع كينيا على مسار إصلاح القطاع العام، والتصدي للفساد من خلال دعم مبادرات مكافحة الفساد- ما يزال الفساد متفشيًا في البلاد بصورة يصعب تصورها.