الأربعاء 15 يوليو 2026
شهد العالم في 26 ديسمبر/كانون الأول 2025، مشهدا غير مألوف في الأعراف الدبلوماسية: اعتراف إسرائيل من جانب واحد بصوماليلاند عبر مكالمة فيديو جرت على هاتف آيفون. لم ترافق الإعلان أي مراسم بروتوكولية أو خطاب رسمي، وإنما جرى تداول المقطع عبر قنوات إعلامية إسرائيلية وحسابات رسمية لصوماليلاند على وسائل التواصل الاجتماعي. ومع ذلك، فإن هذا المشهد الذي بدا في ظاهريا حدثا هامشيا سرعان ما تحول إلى لحظة سياسية كاشفة لمستقبل القومية في صوماليلاند، فضلا عن التوازنات الجيوسياسة في القرن الأفريقي.
في المقطع، أعلن بنيامين نتنياهو التزام إسرائيل بدعم حق تقرير المصير لشعب صوماليلاند. غير أن هذا الخطاب لم يكن بريئا سياسيا. فإسرائيل، التي ترفض الاعتراف بالسيادة الوطنية الفلسطينية، تقدم نفسها هنا بوصفها حكما دوليا يحدد الحالات المشروعة لتقرير المصير. وفي هذا التناقض تكمن إحدى المفارقات الأساسية في هذه الخطوة: استخدام مبدأ تقرير المصير في سياق يخدم استراتيجية سياسية تهدف في جزء منها إلى إعادة تشكيل النقاش الدولي حول القضية الفلسطينية.
كما لم يكن توقيت الاعتراف مصادفة. فقد جاء بعد أشهر قليلة من اعتراف عدة دول غربية بالدولة الفلسطينية، وهي خطوة فسرت على نطاق واسع باعتبارها محاولة رمزية للضغط على إسرائيل من أجل وقف إطلاق النار في غزة. وهكذا تحول الاعتراف بالدولة في هذه اللحظة إلى أداة سياسية متعددة الاستخدامات: إسرائيل تستخدمه لتوسيع نفوذها، والدول الغربية توظفه للتعبير عن استيائها من الحرب، بينما ترى فيه صوماليلاند فرصة لتعزيز مشروعها في بناء دولة مستقلة.
أبلغ نتنياهو خلال المكالمة نفسها، رئيس صوماليلاند عبد الرحمن عبد الله عيرو بأنه سينقل إلى دونالد ترامب رغبة بلاده في الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام. وانتهى اللقاء بدعوة رسمية لزيارة القدس، قبلها عيرو بوضوح، في خطوة اعتبرها نصرا سياسيا بعد عام واحد فقط من توليه الرئاسة. لكن داخل صوماليلاند نفسها لم يكن رد الفعل موحدا؛ إذ عبّر جزء من السكان عن الترحيب، بينما استقبل كثيرون القرار بصدمة وغضب، معتبرين أن حكومتهم قد تورطت في تحالف مثير للجدل أخلاقيا وسياسيا.
لفهم هذا التحول لا بد من العودة إلى نشأة القومية في صوماليلاند. فالرواية الرسمية السائدة تقدم المشروع القومي بوصفه استمرارا لقومية نشأت في فترة الحماية البريطانية. وبحسب هذه السردية، فإن الاتحاد الذي جرى عام 1960 بين صوماليلاند البريطانية وصوماليلاند الإيطالية لم يكن سوى تجربة فاشلة، انتهت بكارثة سياسية.
غير أن هذه الرواية تغفل حقيقة أن القومية الصومالية في منتصف القرن العشرين كانت مشروعا مشتركا واسع النطاق، نشأ في سياق مقاومة الاستعمار. فقد كانت الأراضي الصومالية موزعة بين أربع قوى استعمارية مختلفة: بريطانيا وإيطاليا وفرنسا وإثيوبيا. وكانت الحركات القومية في تلك المرحلة تسعى إلى بناء هوية صومالية جامعة تتجاوز الانقسامات المحلية.
كلما اشتدت المنافسة الجيوسياسية حول البحر الأحمر، ازدادت أهمية الكيانات الصغيرة الواقعة على تخومه
لكن هذا المشروع الوحدوي واجه منذ البداية تحديات جسيمة. فالمجتمع الصومالي، رغم وحدته اللغوية والثقافية الواسعة، يتسم بتعقيدات اجتماعية عميقة تتعلق بالبنية العشائرية والطبقية. وقد جعلت هذه الانقسامات بناء هوية وطنية متماسكة مهمة أكثر صعوبة مما توحي به الروايات المبسطة عن التجانس الصومالي.
وتكتسب الحرب الأهلية في ثمانينيات القرن العشرين أهمية مركزية في تشكيل القومية الصوماليلاندية المعاصرة. ففي الذاكرة الجماعية في الشمال يُنظر إلى حملة القمع التي شنها نظام سياد بري ضد التمرد المسلح باعتبارها لحظة تأسيسية، وغالبا ما توصف تلك الأحداث بلغة الإبادة الجماعية أو التطهير العرقي. من خلال هذه الذاكرة تشكل ما يسميه بعض الباحثين قومية الضحية، حيث تتحول تجربة العنف إلى عنصر مركزي في بناء الهوية السياسية.
بهذا المعنى لم تنته الحرب الأهلية تماما في المخيال السياسي لصوماليلاند. فهي تظل حاضرة باعتبارها تهديدا كامنا، الأمر الذي يجعل الاعتراف الدولي بالدولة يبدو، بالنسبة لكثير من أنصار الاستقلال، الضمانة الوحيدة لأمنها.
ولم يمر الاعتراف الإسرائيلي دون رد فعل قوي. فقد اعتبرته الحكومة الصومالية انتهاكا مباشرا لسيادتها، ووصفه الرئيس حسن شيخ محمود بأنه غزو سافر. كما أدان الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية الخطوة، معتبرين أنها تهدد وحدة الأراضي الصومالية.
وقد دعا الصومال في مجلس الأمن الدولي، إلى جلسة طارئة أدان خلالها معظم الأعضاء الاتفاق، باستثناء الولايات المتحدة التي امتنعت عن الانضمام إلى الإدانة. وقد استغل القوميون الصوماليون هذه اللحظة لتعزيز موقفهم الرافض لأي اعتراف بصوماليلاند، معتبرين أن الخطوة تؤكد مخاوفهم من تفكيك الدولة الصومالية.
في المقابل، فسر بعض المحللين الحدث في سياق أوسع يتعلق بالصراع الإقليمي في البحر الأحمر. فموقع صوماليلاند القريب من مضيق باب المندب يمنحها أهمية استراتيجية كبيرة في ظل التوترات المرتبطة بالحرب في اليمن والعمليات العسكرية في البحر الأحمر. من هذا المنظور، قد يشكل الاعتراف الإسرائيلي محاولة لتعزيز موقع تل أبيب وحلفائها في هذه المنطقة الحيوية.
تكشف هذه التطورات عن مفارقة أساسية في السياسة الصومالية المعاصرة. فمن جهة، تخشى الحكومة الصومالية أن يؤدي الاعتراف بصوماليلاند إلى تقويض سيادتها الإقليمية. ومن جهة أخرى، فإن هذه السيادة نفسها ظلت طوال العقود الثلاثة الماضية عرضة لانتهاكات متكررة نتيجة التدخلات الخارجية.
القومية الصوماليلاندية تقف اليوم بين وعد الاعتراف الدولي وخطر التحول إلى ورقة في لعبة القوى العالمية
شهد الصومال، منذ انهيار نظام سياد بري عام 1991، سلسلة طويلة من التدخلات العسكرية الدولية، بدءاً بالعملية العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة تحت مظلة الأمم المتحدة عام 1993، مروراً بعمليات مكافحة الإرهاب، وصولاً إلى الضربات الجوية والطائرات المسيرة وتدريب القوات الصومالية ضمن برامج عسكرية دولية.
وقد أدى هذا الواقع إلى ترسيخ صورة الصومال في الخطاب الدولي باعتباره «دولة فاشلة»، وهو توصيف غالباً ما يغفل السياق التاريخي والسياسي الأوسع الذي ساهم في إنتاج هذه الحالة.
في هذا السياق، اختارت قيادة صوماليلاند اتباع استراتيجية براغماتية تقوم على استمالة النخب السياسية في بريطانيا والولايات المتحدة. ويعود ذلك جزئيا إلى الإرث الاستعماري البريطاني في صوماليلاند التاريخية، الذي جعل بعض السياسيين البريطانيين أكثر اهتماما بقضيته.
وفي الولايات المتحدة ركزت صوماليلاند بشكل خاص على التيار المحافظ، حيث ظهرت في السنوات الأخيرة عدة مبادرات داخل الكونغرس تدعو إلى الاعتراف بها. ويرى بعض الداعمين لهذا التوجه أن الاعتراف قد يعزز النفوذ الأمريكي في منطقة القرن الأفريقي في مواجهة الصين.
عندما تتحول فكرة تقرير المصير إلى أداة في لعبة القوة الدولية، فإنها تفقد براءتها الأخلاقية وتصبح جزءاً من استراتيجية النفوذ
بعد الاعتراف الإسرائيلي تحرك الطرفان بسرعة لترسيخ التحالف الجديد. فقد زار وزير الخارجية الإسرائيلي هرجيسا، كما جرى لقاء بين الرئيس عيرو والرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. ورغم نفي عيرو وجود اتفاق لاستقبال فلسطينيين مهجرين، فإنه أكد استعداد حكومته لتعزيز التعاون العسكري والاقتصادي مع إسرائيل.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحا: هل يمثل الاعتراف الإسرائيلي بداية مرحلة جديدة في مسار صوماليلاند نحو الدولة المستقلة، أم أنه خطوة قد تقود إلى مزيد من التعقيد في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية جيوسياسية؟
ما يبدو مؤكدا هو أن مستقبل هذه القضية لن يتحدد فقط عبر الحسابات الدبلوماسية أو التحالفات الدولية، بل أيضا عبر الخيارات السياسية التي يتخذها الصوماليون أنفسهم، في سعيهم إلى صياغة مشروع سياسي قادر على تحقيق الاستقرار في منطقة ظلت طويلاً ساحة لتنافس القوى الإقليمية والدولية.
ترجمة بتصرف المقال الأصلي