الأحد 19 أبريل 2026
أصبحت العقوبات الاقتصادية، بالنظر إلى العالم متعدد الأقطاب اليوم، أداة رئيسية في السياسة الخارجية الأمريكية. ورغم أنها غالبًا ما تُصوّر كآليات غير عنفية ومحدودة التأثير، تستهدف "الأنظمة المارقة"، إلا أن فحصًا أعمق يكشف أن العقوبات تُستخدم باعتبارها أدواتا لحرب حضارية – لا تسعى فقط إلى تغيير السياسات، بل إلى تفكيك التماسك الثقافي والشرعية السيادية للدول في الجنوب العالمي.
ما هي "الحرب الحضارية"؟ نعني بها حملة تستهدف هوية الأمة، ونسيجها الاجتماعي، ومكانتها في النظام العالمي. إنها أداة استراتيجية وأيديولوجية ضمن السياسة الخارجية الأمريكية، تُستخدم العقوبات فيها لتصنيف الدولة المستهدفة خارج حدود "المجتمع الدولي المتحضر"، وللإيحاء بأنه يجب إخضاعها – أو تحطيمها. على عكس الحرب العسكرية التقليدية، فإن هذه الطريقة تستخدم المصارف والحصار التجاري، والعزلة الدبلوماسية أسلحة لها. والهدف ليس فقط إضعاف قدرات الحكومة، بل زعزعة ثقة المجتمع بنفسه وتشويه ذاكرته، والنيل من كرامته بكونه حضارة مستقلة. هذا المنطق ليس جديدًا؛ فقد استخدمته القوى الاستعمارية سابقًا حين فرضت الحصارات، ومنعت الموارد لتأديب الشعوب التي اعتبرتها أدنى مرتبة. أما اليوم، فقد استُبدلت المدافع بالقوة المالية، لكن الهدف لم يتغير: إخضاع شعب ذي سيادة من خلال تقويض حضارته.
تُجسّد التجربة الإيرانية في ظل حملة "الضغط الأقصى" هذا النموذج، فمنذ انسحاب الولايات المتحدة أحاديًا من الاتفاق النووي عام 2018، توالت العقوبات التي لم تضر فقط بالاقتصاد الإيراني، بل عطّلت أيضًا التعاون العلمي والتبادل الثقافي، وحتى وصول الإيرانيين إلى الأدوية المنقذة للحياة. وكما كتب ريتشارد نيفيو، مهندس هذه العقوبات: "العقوبة الفعالة هي التي تُلحق الألم – بشكل استراتيجي ومستدام". الهدف هنا لا يقتصر على تغيير سلوك النظام، بل يمتد إلى تقويض التوازن الداخلي للدولة واستمرارية حضارتها. لقد أصبحت الحياة الثقافية والعلمية الغنية لإيران هدفًا بحد ذاته؛ فحين يُحرم الناس من أدوية السرطان، ومن الوصول إلى المجلات الأكاديمية، يبدو الأمر وكأنه هجوم على هوية إيران وصمودها كأمة.
ليست العقوبات أدوات محايدة، بل هي أدوات استعمارية جديدة، تستبدل الأساطيل العسكرية بجداول البيانات، وتستبدل الاحتلال بقطع العلاقات المالية والدبلوماسية
تُعد فنزويلا حالة موازية، فالعقوبات الأمريكية والأوروبية عمّقت الأزمة الإنسانية في البلاد، ومنعت استيراد الغذاء والدواء، وفاقمت التضخم المفرط. وقد أشارت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالتأثير السلبي للتدابير القسرية الانفرادية، ألينا دوهان، في تقريريها لعامي 2021 و2023، إلى أن هذه العقوبات "فاقمت الكوارث القائمة"، وانتهكت حق الفنزويليين في الصحة والتنمية. هذه ليست دبلوماسية، بل حصار اقتصادي. وقد أدى خنق اقتصاد فنزويلا، الغني بالنفط، إلى موجات هجرة، وانهيار البرامج الاجتماعية. بعبارة أخرى، يُخنق مجتمع كامل بهدف تقويض مشروع سياسي لا ترضى عنه واشنطن.
في سوريا، زاد "قانون قيصر" الأمريكي لعام 2019 من معاناة المدنيين من خلال استهداف قطاعات أساسية لإعادة الإعمار بعد الحرب. وفي عام 2023، أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية(OCHA) بأن العقوبات "تواصل تقويض البنية التحتية المدنية، وتعطيل العمليات الإنسانية". هذه العقوبات تُطيل أمد عدم الاستقرار والمعاناة، حتى بعد انتهاء النزاع المسلح. فإعادة بناء المدارس والمستشفيات والمنازل أمر يكاد يكون مستحيلًا حين تصبح كل معاملة مالية عرضة لانتهاك العقوبات. وبالنسبة للمدنيين السوريين، الذين عانوا بالفعل من عقدٍ من الحرب، فإن هذا الخنق الاقتصادي يضمن استمرار المشقة في زمن السلم. إنها امتداد قاتم للحرب، بوسائل أخرى، يمنع أمة فخورة من الشفاء، وإعادة بناء حياتها.
تُضيف تجربة زيمبابوي بعدًا آخر لهذا النمط العالمي، فبعد أن استعادت الحكومة الزيمبابوية الأراضي الزراعية المملوكة للبيض ضمن إصلاح زراعي جريء مطلع الألفية، فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات بحجة استهداف النخبة السياسية المرتبطة بالرئيس روبرت موغابي. لكن الواقع هو أن هذه الإجراءات أدخلت الاقتصاد الزيمبابوي في دوامة انهيار – إذ أُغلقت مصانع في مدن مثل بولاوايو، وواجهت المستشفيات والمدارس نقصًا حادًا في الإمدادات الأساسية، وانهارت العملة الوطنية. تحمّل المواطنون العاديون، لأكثر من عقدين، وطأة هذه العقوبات، والتي وصفها القادة الإقليميون في أفريقيا بأنها "غير قانونية"، وتنتهك الحقوق الأساسية للشعوب. لم تكن هذه عقوبة على خلاف سياسي فحسب، بل رسالة واضحة: تحدي المصالح الاقتصادية الغربية – خاصة فيما يتعلق بالإرث الاستعماري – سيقابَل بعزلة خانقة. كما في إيران وفنزويلا، قوضت العقوبات على زيمبابوي قدرة البلاد على الحفاظ على مكتسباتها الحضارية بعد الاستقلال، من التعليم إلى البنية التحتية، مما جعل منها شكلًا من أشكال الحرب الاقتصادية لنزع السيادة ما بعد الاستعمار.
في عالم اليوم المتعدد الأقطاب، أصبح من الضروري مساءلة شرعية العقوبات كأداة للهيمنة، لا كوسيلة للدبلوماسية
عند النظر إلى هذه الحالات مجتمعة، يتّضح منطق استراتيجي موحّد: العقوبات ليست أدوات محايدة. إنها تؤدي وظيفة استعمارية جديدة بنواياها ونتائجها. فبدلًا من إرسال الجنود، تلجأ الدول القوية إلى نشر الجداول الحسابية – مسلّحةً بالوصول إلى التمويل العالمي والتجارة والشرعية المؤسسية. والهدف ليس احتواء الدولة المستهدفة فقط، بل إعادة توجيه مسارها الوطني بما يتوافق مع التفضيلات الغربية. بهذا، فإن الدولة التي تفرض العقوبات تمنح نفسها الحق في تقرير كيف يجب أن تتطور هذه المجتمعات. ومهما كانت الذرائع – من منع انتشار الأسلحة النووية إلى "تعزيز الديمقراطية" أو حقوق الإنسان – فإن القاسم المشترك هو السعي إما إلى إعادة تشكيل المجتمعات المستهدفة على النموذج الغربي أو تدميرها بالعزلة.
تمتد آثار هذه السياسات إلى تقويض النظام الدولي نفسه، إذ إن معظم هذه العقوبات الانفرادية تفتقر إلى موافقة مجلس الأمن، وتنتهك المبادئ الأساسية في القانون الدولي، مثل عدم التدخل والمساواة السيادية. حتى بعض المسؤولين الأوروبيين أعربوا عن قلقهم من هذا التوسع غير المنضبط، ففي كلمة له أمام البرلمان الأوروبي في فبراير/شباط 2023، حذّر جوزيب بوريل، مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، من أن "العقوبات غير الدقيقة تصبح غير مبررة أخلاقيًا".
أما في الجنوب العالمي، فقد بدأت الأصوات ترتفع رفضًا لهذه السياسات القسرية. وأدانت مجموعة التنمية لأفريقيا الجنوبية العقوبات المفروضة على زيمبابوي، ووصفتها بأنها "غير قانونية"، وطالبت برفعها فورًا، مشيرة إلى أنها تنتهك الحقوق الأساسية للمواطنين. وفي الأمم المتحدة، تصوّت غالبية الدول الأعضاء عامًا بعد عام لإدانة الحصار الأمريكي على كوبا – وقد بلغ عددها 183 دولة في قرار واحد – واصفةً إياه بأنه "حصار غير قانوني وقاسٍ". هذا الرفض العالمي المتزايد يسلّط الضوء على مدى ابتعاد العقوبات الأحادية عن مبادئ التعددية التي يُفترض أن تحكم النظام الدولي. نظام يمكن فيه لدولة قوية أن تحاصر أخرى اقتصاديًا متى شاءت، هو وصفة لانتشار السخرية وانعدام الثقة في العلاقات الدولية.
العقوبات الاقتصادية الحديثة هي امتداد ناعم لحصار استعماري قديم — الفرق الوحيد هو اللغة، أما الهدف فهو ذاته: إذلال الشعوب التي تجرؤ على أن تكون مختلفة
لكن ما هو أخطر من كل ذلك، هو أن العقوبات تُلحق الأذى الأكبر بالناس العاديين. فقد ذكر تقرير لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" عام 2022 أن العقوبات الأمريكية عرقلت بشكل كبير الوصول إلى الإنسولين وعلاجات السرطان في إيران. وفي فنزويلا، ارتفعت معدلات سوء تغذية الأطفال جزئيًا بسبب الحصار المالي الذي يمنع استيراد الغذاء. أما العائلات السورية، فقد واجهت نقصًا في الوقود وتعطّل المساعدات، حتى في أعقاب الكوارث الطبيعية.
هذا "الضرر الجانبي" ليس عرضيًا – بل هو جزء من البنية نفسها. إذ يفهم واضعو العقوبات أن خنق اقتصاد دولة ما سيؤدي حتمًا إلى معاناة سكانها المدنيين. وهم، في الواقع، يعوّلون على تلك المعاناة لإشعال الاضطرابات أو إضعاف دعم الناس لحكوماتهم. وغالبًا ما يدفع الأطفال والمرضى وكبار السن الثمن الأكبر لهذه المناورات الجيوسياسية.
فإذا كانت الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى، فإن العقوبات هي حرب بوسائل أكثر خفاءً، ولكنها لا تقلّ تدميرًا. إنها تستهدف الذاكرة والهوية والكرامة – وهي مكونات ما يمكن تسميته بالبنية التحتية الحضارية للأمم. ومع مرور الوقت، تؤدي خسارة المعرفة الأكاديمية، وتوقف التبادل الثقافي، والموت بسبب نقص الأدوية إلى تآكل الإرث والتماسك الذي يعرّف المجتمعات.
حين تُمنع الأدوية والعلم والمعرفة من الوصول إلى أمة، فإن الهدف لا يكون فقط تجويعها مادياً، بل أيضاً محو قدرتها على البقاء كحضارة مستقلّة
العقوبات لا تعاقب السياسات فقط، بل تعاقب الوجود نفسه – وترسل رسالة مفادها أن وجود شعبٍ ما كثقافة ذات سيادة أمرٌ غير مقبول، ما لم يتوافق مع الشروط المفروضة عليه. وبالنسبة للجنوب العالمي، فإن هذه العقوبات تعكس استمرار منطق استعماري قديم: السيادة مسألة قابلة للتفاوض، والكرامة مشروطة. صحيح أن الخطاب تغيّر من عنصرية الحقبة الاستعمارية إلى لغة "النظام القائم على القواعد"، لكن ميزان القوة الذي يحدّد من يعيش بكرامة ومن يُجبر على المعاناة، لا يزال كما هو.
مع بروز قوى جديدة وتوجه العالم نحو نظام أكثر تعددية، يصبح من الضروري إعادة النظر في شرعية العقوبات من حيث الأخلاق والاستراتيجية. فالنظام الذي يُطبع العقاب الجماعي تحت ستار الدبلوماسية هو نظام يعمّق عدم المساواة العالمية ويقوّض شرعية الحوكمة الدولية. فكرة أن حضارة ما يمكنها إخضاع أخرى بالقوة الاقتصادية هي من بقايا حقبة مضت. وفي القرن الحادي والعشرين، لا تجلب هذه الحروب الاقتصادية الاستقرار للعالم – بل تؤجج نيران الغضب والمقاومة. لقد حان الوقت لتفكيك هذا الحصار الحضاري قبل أن ينهك النظام الدولي ذاته الذي يدّعي القائمون عليه الدفاع عنه.