تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الخميس 5 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

القرن المتصدّع: هل تنشق الأرض كما تنشق الدول؟

11 يوليو, 2025
الصورة
القرن المتصدّع: هل تنشق الأرض كما تنشق الدول؟
Share

يشهد القرن الأفريقي تحولًا جيولوجيًا عميقًا يتمثل في انقسام تدريجي لقشرة الأرض ضمن الوادي المتصدع العظيم، ما يُنذر بولادة محيط جديد، وانفصال محتمل لشرق القارة. هذا التحول لا يقتصر على الأبعاد البيئية، بل يحمل تداعيات سياسية وجغرافية قد تعيد رسم الحدود، وتفكك النظم الإقليمية القائمة، إذ تُستثمر التغيرات الطبوغرافية لترسيخ واقع سياسي جديد، بالتوازي مع تشققات الأرض تحت القرن الأفريقي.

محيط ناشئ يعيد رسم أفريقيا من القرن

تشير دراسات حديثة أجراها باحثون من جامعتي ساوثهامبتون وسوانسي إلى أن منطقة عفار في شمال شرقي إثيوبيا تشهد موجات دورية من تدفق الصخور المنصهرة تحت سطح الأرض، في مؤشر على عملية تكتونية قد تُفضي، على المدى البعيد، إلى انقسام القارة الأفريقية إلى شطرين. وتُعد منطقة عفار موقعًا جيولوجيًا فريدًا، حيث تلتقي ثلاثة صدوع تكتونية كبرى: الصدع الإثيوبي الرئيسي، وصدع البحر الأحمر، وصدع خليج عدن. هذا التلاقي يعزز تمدد القشرة الأرضية، ويؤشر على تشكل محيط ناشئ من شأنه فصل القرن الأفريقي تدريجيًا عن باقي القارة. كما تُظهر البيانات الزلزالية أن الظاهرة مدفوعة بأنشطة تكتونية مماثلة لتلك المسجلة في قيعان المحيطات، ما يُضفي على المشهد الجيولوجي للمنطقة بُعدًا تحوليًا يعيد رسم الجغرافيا السياسية للقارة في المستقبل.

في هذا السياق، يُحذّر كين ماكدونالد، أستاذ الجيوفيزياء في جامعة كاليفورنيا، من أن وتيرة هذا التحول الجيولوجي تسير أسرع بكثير مما كان متوقعًا. ووفقًا لماكدونالد، فإن القارة الأفريقية تشهد انقسامًا بوتيرة متسارعة قد تقود إلى ولادة محيط جديد، يمتد من خليج عدن والبحر الأحمر شمالًا، بطول 3500 كلم، إلى موزمبيق جنوبًا، وبعمق يُماثل المحيط الأطلسي. وبينما تُظهر الشقوق المتنامية في شمال شرقي القارة، وتحديدًا قبالة سواحل إثيوبيا حيث يلتقي البحر الأحمر بخليج عدن، ملامح أولية لهذا الانقسام، فإن التقديرات تشير إلى أن تشكّل القارة الجديدة، التي يُرجّح أن تضم أراضي الصومال وكينيا وتنزانيا وموزمبيق وأجزاء واسعة من إثيوبيا، لن يكتمل قبل مليون إلى خمسة ملايين سنة.

يكشف هذا النزوح الجماعي عن هشاشة في مواجهة التهديدات الطبيعية، ويُبرز في الوقت نفسه التحديات السياسية أمام دول القرن الأفريقي في ظل التوترات والنزاعات القائمة

يعزز هذا التحول الجيولوجي مخاوف من تبعات بيئية وأمنية أوسع، إذ يؤكد الخبراء أن التصدعات التكتونية، رغم أنها غالبًا ما تمر دون أن تُلحظ على السطح، قد تُخلّف آثارًا بالغة تشمل ارتفاع مستويات سطح البحر، وتنامي النشاط الزلزالي والبركاني. وتُعد حركة الصفيحتين النوبية والصومالية المتباعدة مؤشرًا مقلقًا على نشوء صدوع جديدة بوتيرة غير مألوفة. ففي عام 2005، شهدت منطقة عفار الإثيوبية واحدة من أكثر الظواهر الجيولوجية دهشة، حين انشقت الأرض فجأة إثر سلسلة من الزلازل المتعاقبة. وخلال أسابيع قليلة فقط، ضرب المنطقة 420 زلزالًا، أفضت إلى تشكل شق أرضي بطول 60 كلم وعمق 10 أمتار، في تسارع استثنائي لعملية كان يُعتقد أنها لا تحدث إلا على امتداد قرون.

تتجسد الانعكاسات الملموسة لهذا التحول الجيولوجي في تداعياته المباشرة على المجتمعات المحلية، حيث لم تعد الظاهرة تقتصر على مؤشرات علمية، بل تحولت إلى أزمة إنسانية. ففي يناير/كانون الثاني 2025، تسببت سلسلة من الزلازل المتتالية، المصحوبة بمخاوف متزايدة من نشاط بركاني، في نزوح عشرات الآلاف من سكان مناطق عفار وأوروميا وأمهرة شمالي إثيوبيا.

كما رُصد خلال الأشهر الخمسة الماضية أكثر من 200 زلزال، تراوحت شدتها بين 4 و6 درجات ريختر، ما ألحق أضرارًا جسيمة بالبنية التحتية. في مواجهة هذا الوضع، أعلنت اللجنة الوطنية الإثيوبية عن إجلاء ما لا يقل عن 20 ألف شخصًا، في حين يجري الإعداد لنقل نحو 60 ألف آخرين. يكشف هذا النزوح الجماعي عن هشاشة في مواجهة التهديدات الطبيعية، ويُبرز في الوقت نفسه التحديات السياسية أمام دول القرن الأفريقي في ظل التوترات والنزاعات القائمة.

الطبيعة تُقسّم والسياسة تتبع: تفكك القرن الأفريقي

في الوقت الذي تُعيد فيه التحولات الجيولوجية رسم معالم شرق أفريقيا، تبدو خطوط الانقسام السياسي في القرن الأفريقي أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، لاسيما في الصومال، التي تواجه تصدعات داخلية لا تقل عمقًا عن تلك التي تشهدها قشرتها الأرضية. فمنذ عام 1998، أعلنت بونتلاند نفسها إقليمًا شبه مستقل داخل النظام الفيدرالي الصومالي، دون أن تتبنّى صراحة مشروع الانفصال. إلا أن التوترات السياسية تصاعدت في عام 2024، حين رفضت قيادة بونتلاند التعديلات الدستورية المقترحة من قبل الحكومة الفيدرالية، وأعلنت استقلالها الإداري، في خطوة فُهمت كاستقلال شكلي يعكس أزمة ثقة متجذرة بين المركز والأقاليم.

في المقابل، يُمثّل إقليم صوماليلاند أحد أكثر نماذج الانفصال ترسخًا بحكم الأمر الواقع، إذ أعلن استقلاله عن الصومال في عام 1991، من دون أن يحظى بأي اعتراف دولي رسمي حتى اليوم. ورغم ذلك، تواصل القيادة السياسية في هرجيسا، مدعومة بخطاب النخب الثقافية والمناهج التعليمية، بناء سردية سيادية تستند إلى شرعية جغرافية متجذرة. ففي هذا الخطاب، لم تعد حدود الدولة تُرسم فقط بأدوات السياسة، بل تُستدعى الطبيعة من جبال ووديان وامتدادات جيولوجية كأدلة على وجود كيان مستقل فصلته الطبيعة قبل أن تفصله السياسة. ووفقًا لدراسة، تُقدَّم هذه التضاريس بوصفها حدودًا طبيعية ثابتة، لا كخطوط اعتباطية رسمها الاستعمار، وهو ما يمنح مشروع الدولة الناشئة طابعًا عضويًا متكاملاً، يَستلهم من الأرض منطق الدولة، ويحوّل الجغرافيا إلى مرجعية قانونية تُضفي على مطالب الاستقلال طابعًا طبيعيًا لا يقبل الجدل.

مثلما يُعاد رسم الخرائط السياسية في الصومال تحت غطاء التكوينات التضاريسية، تمرّ إثيوبيا هي الأخرى بمرحلة حادة من إعادة التشكل، في ظل تصاعد النزاعات المسلحة، وتنامي الخطابات الانفصالية التي تستمد من الطبيعة حججًا شرعية. فقد كشفت الحرب في إقليم تيغراي، التي وضعت أوزارها في عام 2022 بعد عامين من القتال أودى بحياة ما يقرب من 600 ألف شخص، عن هشاشة بنية النظام الفيدرالي الإثيوبي، كما سلّطت الضوء على دور الجغرافيا في تأطير مطالب الاستقلال. ففي سردية قادة تيغراي، يُصوَّر الإقليم منطقة معزولة داخل الخريطة الإثيوبية، تفصلها تضاريس وعرة وسلاسل جبلية، وهو توصيف يُستخدم لتبرير التطلعات الانفصالية على أساس الاستثناء الطبيعي قبل أن يكون سياسيًا.

لا تبدو أوروميا بعيدة عن هذا السياق، إذ يتواصل فيها النزاع المسلح منذ تأسيس جبهة تحرير أورومو في سبعينيات القرن الماضي. وعلى الرغم من توقيع اتفاق سلام في ديسمبر/كانون الأول 2024 مع فصيل بقيادة سني نغاسا، فإن فصائل أخرى تواصل نشاطها، وإن شهدت حدة الاشتباكات تراجعًا يُقدَّر بنحو 60٪ في الأشهر الأخيرة.

في خضم هذا المشهد المعقد، أصبحت الطبيعة نفسها حلبة للصراع: فبينما تسعى الحركات القومية إلى ترسيخ هوية قائمة على خصوصية جغرافية تؤسس لحق الانفصال، تستدعي الدولة الإثيوبية خطابًا مناهضًا يؤكد وحدة التضاريس كرافعة للوحدة الوطنية.

لم تعد حدود الدولة تُرسم فقط بأدوات السياسة، بل تُستدعى الطبيعة من جبال ووديان وامتدادات جيولوجية كأدلة على وجود كيان مستقل فصلته الطبيعة قبل أن تفصله السياسة

في هذا السياق المتوتر، لم تكن السلطة المركزية بعيدة عن توظيف الخطاب الطبيعي، بل إن رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، لجأ إلى لغة الجغرافيا لتبرير مشاريعه السياسية الكبرى. ففي خطابه بشأن سد النهضة، لم يُقدّمه كمشروع تنموي فحسب، بل بوصفه "أعجوبة جيولوجية" تعبّر عن إرادة الطبيعة الإثيوبية. وامتد هذا المنطق الجغرافي إلى طموحاته الإقليمية، لاسيما في ما يتعلق بالوصول إلى البحر الأحمر عبر إريتريا، حيث صرّح في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2023 بأن إثيوبيا لا يمكن أن تبقى 150 مليون نسمة محبوسين في سجن جغرافي. واعتبر أن الوصول إلى البحر ليس خيارًا سياسيًا، بل حقًا طبيعيًا، مضيفًا: ليس من الصواب أن نقول إن هذه المياه (النيل) تهمك، وتلك المياه (البحر الأحمر) لا تهمك. الطبيعة لا تقول ذلك.

كما يبرز إقليم شرق السودان مثالا آخر على إعادة تشكيل الهويات السياسية. فعلى الرغم من انفصال جنوب السودان في عام 2011، لا تزال مطالب تقرير المصير تتجدد في السودان، مدفوعةً بإرثٍ طويل من التهميش. ورغم توقيع اتفاق سلام عام 2006، نصّ على إعادة توزيع السلطة والثروة، إلا أن الاتفاق لم يُحدث أثرًا في حياة مواطني الإقليم. وقد تصاعدت تلك المطالب بشكل غير مسبوق في أكتوبر/تشرين الأول 2020، حين اندلعت احتجاجات في شرق السودان عطّلت الميناء الرئيسي في بورتسودان وهدّدت بوقف صادرات النفط، مطالبةً بالاستقلال عن الخرطوم، وذلك عقب استبعاد الإقليم من الاتفاق السياسي بين الحكومة الانتقالية وتحالف الجبهة الثورية. وتزداد حساسية شرق السودان نظرًا لموقعه الجيوسياسي، بوصفه المنفذ البحري الوحيد للبلاد على البحر الأحمر.

مستقبل القرن الأفريقي بين الشقوق والفرص

مع استمرار انقسام الصفائح التكتونية في شرق أفريقيا، يُتوقّع أن تقود هذه التحولات الجيولوجية مستقبلًا إلى تداعيات سكانية وبيئية عميقة، تُهدد استقرار المنطقة وتعيد تشكيل معالمها الجغرافية والسياسية. فبحسب بيانات المنظمة الدولية، تجاوز عدد النازحين داخليًا في القرن الأفريقي 20 مليون شخص مع مطلع عام 2025، ويُرجّح أن تتفاقم هذه الأرقام بفعل تسارع الشقوق الأرضية والنشاط البركاني، ما يزعزع استقرار المجتمعات ويُربك النظم البيئية. وتطال هذه التغيرات النباتات والحيوانات، وتُفاقم من تدهور التربة وندرة الموارد، في ظل توسع حضري غير مخطط وتزايد الضغوط على المياه والطاقة والغذاء.

تتخذ هذه التحولات أبعادًا استراتيجية بالنظر إلى الموقع الجيوسياسي الحرج للقرن الأفريقي، الذي يُعد بوابة رئيسية للشحن العالمي عند مدخل البحر الأحمر وقناة السويس. فإن أي اضطراب تكتوني هنا لن تبقى آثاره محصورة داخل القارة، بل قد يمتد ليُهدد استقرار سلاسل الإمداد العالمية، ويخلق واقعًا جيوبوليتيكيًا جديدًا في أحد أكثر الممرات البحرية حساسية.

في المقابل، يحمل هذا التشكل الجيولوجي فرصًا اقتصادية واستراتيجية. فتكون محيط جديد في شرق أفريقيا قد يكشف عن طبقات أرضية غنية بالمعادن الثمينة، ما يُعيد رسم خريطة الثروات في المنطقة. كما يُنتظر أن يُسهم ظهور التكوينات الجغرافية الجديدة في تنمية قطاعات الزراعة والسياحة والطاقة الحرارية. وعلى مستوى الجغرافيا السياسية، يُمكن أن يُفضي ظهور سواحل جديدة إلى تمكين دول حبيسة، مثل: إثيوبيا أوغندا ورواندا وزامبيا وملاوي من الوصول المباشر إلى البحر، وهو ما سيعيد رسم خرائط التجارة والنفوذ الإقليمي.

ما يمنح مشروع الدولة الناشئة طابعًا عضويًا متكاملاً، يَستلهم من الأرض منطق الدولة، ويحوّل الجغرافيا إلى مرجعية قانونية تُضفي على مطالب الاستقلال طابعًا طبيعيًا لا يقبل الجدل

يكشف النشاط البركاني المتسارع عن ديناميات جيولوجية متقدمة، على امتداد الصدع القاري النشط. ففي الكونغو الديمقراطية، أسفر ثوران بركان نيراجونجو عام 2021 عن مقتل عشرات الأشخاص، ونزوح نحو 400 ألف من سكان مدينة غوما. أما في إثيوبيا وتنزانيا وكينيا، فتُظهر براكين مثل: كوربيتي وألوتو وتولو موي ومناطق ماندا هارارو سلوكًا صهاريًا نشطًا، يعكس تصدّعًا متواصلًا. ويسجل بركان "كوربيتي" ارتفاعًا متواصلًا منذ أكثر من عقد بمعدل يفوق 6 سم سنويًا، بينما شهد "إرتا ألي" أربع حلقات تشوه كبرى منذ التسعينيات.

لا تحدث هذه التحولات الجيوديناميكية في فراغ، بل تتقاطع مع معطيات بشرية وبيئية معقدة. فتقديرات ميدانية تشير إلى أن أكثر من 120 مليون نسمة يعيشون ضمن نطاق 100 كيلومتر من هذه البراكين النشطة، ما يجعل من الكوارث الطبيعية خطرًا ماثلًا لا يُمكن تجاهله. كما تُعد أزمة المياه في وادي الصدع إحدى أبرز أوجه الهشاشة، إذ يعاني نحو 8 ملايين شخص في إثيوبيا من الاعتماد على مصادر مياه تحتوي على نسب مفرطة من الفلورايد، ما أدى إلى تفشي تشوّهات هيكلية لدى السكان بنسبة تجاوزت 30٪ في بعض المناطق.

تُعيد هذه التحولات الجيولوجية العميقة صياغة فهمنا للجغرافيا بوصفها عاملًا سياسيًا بامتياز، لا مجرّد خلفية صامتة للأحداث. فبينما ينشطر القرن الأفريقي بفعل تصدّع القشرة الأرضية، تنشطر معه الولاءات والهويات، وتتكشف خريطة جديدة للصراعات والمصالح. وبهذا، لا تظلّ الطبيعة عاملًا محايدًا، بل تتحوّل إلى مسرحٍ ديناميكي يعيد توزيع الثقل السياسي والديموغرافي والاستراتيجي.