الثلاثاء 15 سبتمبر 2026
أعادت هجمات الحوثيين على ناقلات النفط والمنشآت السعودية التوتر إلى محيط باب المندب. غير أن الجماعة المدعومة من إيران لم تعد المصدر الوحيد لتهديد أمن البحر الأحمر؛ فعلى الضفة الأفريقية، تتقاطع صراعات القرن الأفريقي، تغذيها المنافسة بين قوى إقليمية متوسطة النفوذ، وتلقي بتداعياتها على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
يأتي هذا التصعيد في توقيت بالغ الحساسية. فقد كشفت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران هشاشة مضيق هرمز، وجدّدت الاهتمام بمسارات التصدير البديلة. وخلال شهري أبريل ومايو، صدّرت السعودية ما بين ثلاثة وأربعة ملايين برميل من النفط يوميًا عبر البحر الأحمر، أي ما يقارب ضعف الكمية التي شُحنت عبر مضيق باب المندب عام 2024. وقد تتعزز أهمية هذا الممر أكثر مع تنفيذ مشروعات للطاقة ترمي إلى تجاوز هرمز، من بينها توسيع خط أنابيب شرق–غرب الممتد عبر السعودية، ومشروع الربط المقترح بين العراق وميناء العقبة الأردني على البحر الأحمر.
وقد أظهرت هجمات الحوثيين مدى سهولة تعطيل الملاحة في باب المندب، لكن مصادر الخطر لم تعد محصورة في اليمن. ففي السودان، تتقاطع الحرب الأهلية على نحو متزايد مع الأزمة الإثيوبية–الإريترية. وفي شمال الصومال، تتشابك النزاعات المحلية مع التنافس السعودي–الإماراتي والإسرائيلي–التركي، ما ينذر بظهور بؤرة توتر جديدة في خليج عدن. وفي الوقت نفسه، تشهد القرصنة عودة ملحوظة، وسط مؤشرات إلى استفادتها المتزايدة من دعم حركة الشباب. وبين أبريل ومايو، اختطف قراصنة صوماليون ثلاث سفن في خليج عدن، بينها ناقلتا نفط، وهو رقم يفوق مجموع عمليات الاختطاف المسجلة خلال السنوات الخمس السابقة مجتمعة.
يفاقم انتشار الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة حجم التهديد، إذ بات في مقدور الدول والجماعات المسلحة على السواء استهداف هذا الممر البحري الضيق بكلفة محدودة. ورغم أن أي جماعة لم تتمكن بعد من استنساخ تكتيكات الحوثيين بالكامل، نفّذ تنظيم الدولة الإسلامية في الصومال، في يناير، أول هجوم مسجّل له بطائرة مسيّرة في بونتلاند، فيما تشير تقارير إلى استخدام حركة الشباب المسيّرات في عمليات الاستطلاع والدعاية.
ولن تبقى تداعيات أي اضطراب كبير في تدفقات التجارة والطاقة عبر باب المندب محصورة في المنطقة، بل ستمتد إلى خارجها، وستكون الدول الأوروبية المستوردة للطاقة والاقتصادات المعتمدة على التصدير من بين الأكثر تعرضًا لها. ومع تنامي أهمية البحر الأحمر، تزداد بالضرورة أهمية القرن الأفريقي.
لا يمكن النظر إلى الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع بوصفها صراعًا معزولًا عما يحيط بها. فإلى جانب ما تسببه من نزوح جماعي وزعزعة لاستقرار دول الجوار، أخذت هذه الحرب تتداخل مع الخصومة الإثيوبية–الإريترية، بما يرفع احتمالات اندلاع مواجهة أوسع على امتداد البحر الأحمر.
لا تزال أوروبا تملك مساحة واسعة للتحرك من أجل منع صراعات القرن الأفريقي من الاندماج في أزمة إقليمية أوسع. لكنها لا تملك ترف الانتظار حتى تتحول هذه الصراعات إلى أزمة بحرية جديدة
تواصل أديس أبابا مساعيها للحصول على منفذ بحري عبر ميناء عصب الإريتري على البحر الأحمر. وفي المقابل، عززت أسمرة علاقاتها مع قادة تيغراي وجماعات أخرى مناهضة للحكومة داخل إثيوبيا. ولم يعد التنافس بين البلدين محصورًا داخل حدودهما، بل أخذ يمتد بصورة متزايدة إلى السودان؛ إذ تفيد تقارير بتنامي التنسيق بين قوات تيغراي والجيش السوداني وإريتريا في شرق السودان، فيما تتحدث تقارير أخرى عن تلقي قوات الدعم السريع مساعدة إثيوبية في ولاية النيل الأزرق. وتتاخم جبهة الدعم السريع الجديدة مناطق في جنوب السودان تحاول حكومة جوبا فيها إخماد تمرد متصاعد في أوساط النوير، ثاني أكبر مجموعة إثنية في البلاد، ما قد يحوّل المثلث الحدودي الشاسع إلى ساحة صراع كبرى.
من شأن أي تصعيد بين إثيوبيا وإريتريا أن يستدرج فصائل سودانية وقوى خارجية إلى المواجهة، وفي مقدمتها مصر، التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع الجيش السوداني وإريتريا، وتنظر إلى سد النهضة الإثيوبي الكبير، الواقع مباشرة على الجانب الآخر من الحدود السودانية، بوصفه تهديدًا أمنيًا كبيرًا.
تكتسب هذه التوترات حدة إضافية بفعل تشكّل محاور شرق أوسطية متنافسة. فمن جهة، تدعم مصر وتركيا والسعودية الجيش السوداني وإريتريا، ومن جهة أخرى، تقيم الإمارات، وإسرائيل بدرجة أقل، صلات بإثيوبيا وقوات الدعم السريع، وإن كانت هذه الصلات تُنفى رسميًا. وقد يغري هذا الدعم الأطراف المحلية بالمبالغة في تقدير قدراتها، ويدفع المنطقة نحو مواجهة أوسع تهدد أمن البحر الأحمر وسلامة الملاحة فيه.
قد يصبح الصومال الجبهة الرئيسية الثانية في أزمة البحر الأحمر. فكما هي الحال في المثلث الإثيوبي–الإريتري–السوداني، تتشابك الخلافات الداخلية فيه مع خصومات إقليمية أوسع في الشرق الأوسط.
في ديسمبر/كانون الأول 2025، اعترفت إسرائيل بجمهورية صوماليلاند الانفصالية المدعومة من الإمارات. ووقّع الجانبان اتفاقيات أمنية تشمل التعاون في مجالي التدريب والاستخبارات. وقد تقيم إسرائيل قريبًا وجودًا عسكريًا محدودًا في القاعدة الإماراتية بمدينة بربرة، التي يجري توسيعها وفقًا للتقارير. كما كشفت زيارة رئيس صوماليلاند، عبد الرحمن عرّو، إلى إسرائيل أواخر يونيو عن السرعة التي تتطور بها العلاقة بين الجانبين.
وردًا على هذا الاعتراف، قطعت مقديشو علاقاتها الدبلوماسية والأمنية مع الإمارات، ثم اتجهت إلى توثيق علاقاتها بالسعودية وقطر من خلال اتفاقيات دفاعية، بالتوازي مع تعزيز شراكتها الراسخة مع تركيا. وفي يناير، نشرت أنقرة مقاتلات من طراز «إف-16» في العاصمة الصومالية.
لا يمكن النظر إلى الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع بوصفها صراعًا معزولًا عما يحيط بها... من شأن أي تصعيد بين إثيوبيا وإريتريا أن يستدرج فصائل سودانية وقوى خارجية إلى المواجهة، وفي مقدمتها مصر... مما قد يحوّل المثلث الحدودي الشاسع إلى ساحة صراع كبرى
في المقابل، واصلت أبوظبي، وسط خلافها مع مقديشو، دعم بونتلاند وجوبالاند،وهما ولايتان فدراليتان قطعتا علاقاتهما بالحكومة الصومالية عام 2024 سعيًا إلى مزيد من الحكم الذاتي. وقد تزايدت أهمية هذا الدعم مع دخول الصومال جولة جديدة من الصراع على قيادة الدولة الفدرالية.
في مارس/ آذار 2026، مدّد الرئيس حسن شيخ محمود ولايتي الرئاسة والبرلمان عامًا إضافيًا بعد موعد انتهائهما المقرر في 15 مايو/آيار. ورفضت قوى المعارضة، وفي مقدمتها زعيما بونتلاند وجوبالاند، هذه التغييرات وطالبت بإجراء انتخابات. وبعد تعثر جهود الوساطة، اندلعت اشتباكات بين القوات الحكومية وجماعات متحالفة مع المعارضة في مقديشو يومي 3 و4 يونيو/ حزيران، في مشهد أعاد إلى الأذهان أعمال العنف التي رافقت العملية الانتخابية في عامي 2020 و2021.
ورغم أن الانتشار الواسع لقوات الحكومة الفدرالية في العاصمة يجعل احتمال إطاحة الرئيس بالقوة ضعيفًا، فإن العنف قد يتصاعد في مناطق أخرى.وتتركز المخاوف بصورة خاصة في شمال الصومال، حيث يستقطب نزاع محلي على الأراضي عددًا متزايدًا من الأطراف الخارجية.
منذ إعلان استقلالها عام 1991، بسطت صوماليلاند سيطرتها على معظم هذه المنطقة، غير أن سلطتها ظلت موضع نزاع طويل في الأقاليم الشرقية، سول وسناغ وعين، من جانب عشائر محلية وبونتلاند المجاورة. وفي عام 2023، تحولت هذه التوترات إلى صراع مفتوح، حين تمكّن مقاتلو فرع دولبهنتي العشائري، الموالي للحكومة، من هزيمة قوات صوماليلاند. وفي أعقاب ذلك، دعمت مقديشو إنشاء ولاية جديدة باسم «ولاية شمال شرق الصومال»، تشمل أراضي تطالب بها كل من صوماليلاند وبونتلاند.
تبقى سناغ محور التنافس الأهم، بحكم موقعها على ساحل خليج عدن ذي الأهمية الاستراتيجية. وتتوزع ولاءات فروعها العشائرية بين صوماليلاند وبونتلاند ومقديشو، فيما يؤجج الجفاف المتفاقم الاشتباكات على الموارد. وتوفر هذه الانقسامات مداخل مغرية للقوى الخارجية الساعية إلى توسيع نفوذها.
تفيد تقارير بأن تركيا تعتزم إقامة موطئ قدم في لاسقري، أبرز بلدات سناغ الساحلية، حيث رُصدت سفن تركية وطائرات مرتبطة بالإمارات. وفي الوقت نفسه، تعمل مقديشو على استمالة فروع عشائرية وأوساط تجارية في بونتلاند غير راضية عن رئيس الولاية، كما أشارت إلى استعداد الجيش للانتشار في صوماليلاند.
بذلك، يتحول شمال الصومال إلى ساحة تتقاطع فيها الانقسامات المحلية والوطنية مع التنافس بين السعودية والإمارات من جهة، وإسرائيل وتركيا من جهة أخرى. ومن شأن أي تصعيد خطير أن يشكل تهديدًا مباشرًا لخليج عدن، وأن يفتح المجال أمام جماعات وشبكات مسلحة أخرى. فشبكات القرصنة وتنظيم الدولة الإسلامية في الصومال وحركة الشباب تنشط جميعها في المنطقة، وقد تلقّى تنظيما الدولة الإسلامية وحركة الشباب، خلال العام الماضي، أسلحة مهرّبة عبر البحر من الحوثيين.
يفرز عدم الاستقرار المتفاقم في القرن الأفريقي تهديدات جديدة للملاحة في البحر الأحمر، لن تقتصر تداعياتها على المنطقة، بل ستمس مباشرة الأمن الأوروبي والاستقرار الاقتصادي. وبعد الاضطراب الذي شهده مضيق هرمز، لا تستطيع الاقتصادات الأوروبية المنهكة تحمّل أزمة مماثلة.
يقتضي ذلك أن تتجاوز أوروبا صورتها التقليدية بوصفها، في المقام الأول، جهة مانحة للمساعدات. فالوقاية الفاعلة من الأزمات تتطلب الجمع بين أدوات القوة الناعمة والقدرات العسكرية.
يتحول شمال الصومال إلى ساحة تتقاطع فيها الانقسامات المحلية والوطنية مع التنافس بين السعودية والإمارات من جهة، وإسرائيل وتركيا من جهة أخرى. ومن شأن أي تصعيد خطير أن يشكل تهديدًا مباشرًا لخليج عدن، وأن يفتح المجال أمام جماعات وشبكات مسلحة أخرى
يدير الاتحاد الأوروبي بالفعل مهمتين بحريتين في المياه المحيطة بالقرن الأفريقي، هما «أسبيدس» و«أتالانتا». غير أن كلتيهما صُممتا لمواجهة بيئة تهديدات تختلف عن البيئة الراهنة؛ فقد أُنشئت «أتالانتا» لمكافحة القرصنة الصومالية، بينما أُطلقت «أسبيدس» لحماية السفن من هجمات الحوثيين، بتفويض اقتصر عمدًا على الطابع الدفاعي.
مع تصاعد التهديدات البحرية، ينبغي للاتحاد الأوروبي تعزيز انتشاره البحري وتوسيع تفويض المهمتين ليشمل عمليات هجومية، ولا سيما ضد حركة الشباب وتنظيم الدولة الإسلامية في الصومال. ومن شأن ذلك أن يعزز جهود مكافحة القرصنة، ويزيد الضغط على الجهات المزعزعة للاستقرار، ويمنح الحضور الأمني الأوروبي في البحر الأحمر قدرًا أكبر من الصدقية. وللحد من مخاوف الأعمال الانتقامية، ينبغي طمأنة دول المنطقة، مثل السعودية وجيبوتي، إلى أن التفويض الموسع لن يشمل عمليات هجومية ضد الحوثيين. كما يتعين على أوروبا حشد مشاركة بحرية أكبر من قوى آسيوية ترتبط مصالحها ارتباطًا وثيقًا بأمن البحر الأحمر، مثل كوريا الجنوبية واليابان.
بالتوازي مع ذلك، ينبغي للاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء الانخراط بصورة أعمق وأكثر مباشرة مع الأطراف الفاعلة في شمال الصومال، بما في ذلك صوماليلاند وبونتلاند. ومن شأن حضور أوروبي أقوى، يستند إلى أدوات أمنية وتنموية، أن يعزز نفوذ أوروبا في هذه المنطقة شديدة التنازع، ويرفع فرص نجاح جهود خفض التصعيد. ويمكن، على سبيل المثال، لتوسيع تفويض المهمات البحرية الأوروبية أن يدعم عمليات بونتلاند والحكومة الفدرالية الصومالية ضد تنظيم الدولة الإسلامية وحركة الشباب.
سيمنح تعزيز هذا الانخراط أوروبا نفوذًا أكبر لتشجيع الحوار بين الحكومة الفدرالية وصوماليلاند وبونتلاند بشأن الأراضي المتنازع عليها، فضلًا عن دفع الأطراف السياسية الصومالية نحو تسوية المأزق الانتخابي. وفي هذا السياق، ينبغي للاتحاد الأوروبي تبنّي مقاربة أكثر مشروطية، تربط حزم التمويل المخصصة لعام 2026 بأهداف واضحة للاستقرار، ومن بينها 75 مليون يورو لدعم بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال، و63 مليون يورو من المساعدات الإنسانية.
كذلك، يتعين على الاتحاد الأوروبي التنسيق عن كثب مع الولايات المتحدة وبريطانيا، اللتين قادتا في السابق جهود وساطة ذات صدقية لمعالجة المأزق الانتخابي، إلى جانب مبادرات أمنية في شمال الصومال، من بينها عمليات مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية. ويمكن تطبيق نموذج التنسيق نفسه لدعم جهود خفض التصعيد بين إثيوبيا وإريتريا، حيث كثّفت واشنطن مؤخرًا انخراطها مع الطرفين.
لا يمكن، في نهاية المطاف، تجاهل قوى الشرق الأوسط. فالتنافس بين محورين إقليميين آخذين في التبلور بات يؤدي دورًا متزايدًا في تشكيل أزمات القرن الأفريقي؛ يضم الأول السعودية ومصر وتركيا، فيما يجمع الثاني الإمارات وإسرائيل. وقد رفعت الحرب الأخيرة مع إيران من قيمة الشركاء الدوليين الموثوقين والاستقرار الإقليمي في حسابات هذه الدول، وهي لحظة ينبغي لأوروبا استثمارها للدفع نحو ضبط النفس.
في هذا الإطار، يتعين على الاتحاد الأوروبي وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا، بالتنسيق مع بريطانيا والولايات المتحدة حيثما أمكن، أن توضح لقوى الشرق الأوسط أن أي دعم تقدمه إلى إثيوبيا وإريتريا في سياق تصعيد شامل سيُعد تجاوزًا لخط أحمر، وسيستدعي عواقب فورية تطال مختلف جوانب علاقاتها بأوروبا. وينبغي تطبيق النهج نفسه على شمال الصومال.
لا تزال أوروبا تملك مساحة واسعة للتحرك من أجل منع صراعات القرن الأفريقي من الاندماج في أزمة إقليمية أوسع. لكنها لا تملك ترف الانتظار حتى تتحول هذه الصراعات إلى أزمة بحرية جديدة.