تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الاثنين 9 مارس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

القدر الأفريقي تحت مجهر التاريخ الاقتصادي: صراع القوى الكبرى واستنزاف الثروات

2 مارس, 2026
الصورة
القدر الأفريقي تحت مجهر التاريخ الاقتصادي: صراع القوى الكبرى واستنزاف الثروات
Share

هل كُتب على أفريقيا أن تبقى مسرحًا لصراع القوى الكبرى؟ أم أن ما يبدو قدرًا هو نتاج تاريخ طويل من التدخلات وإعادة تشكيل الخرائط؟ هل تعثّر التنمية فيها نتيجة عطب داخلي، أم حصيلة بنية عالمية صاغتها مراكز القوة منذ القرن التاسع عشر؟ وكيف يمكن فهم الحروب الأهلية بالوكالة واستنزاف الثروات البشرية والطبيعية في ضوء هذا المسار؟ لوهلة تبدو أفريقيا كأنها قارة كتب عليها أن تبقى ساحة لصراع القوى الكبرى، وحقلًا لتراكم الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وأن تكون دائمًا مستهلكة للثروات ومستنزفة للطاقات البشرية. إلا أن قراءة الأحداث والوقائع والأرقام بتمعّن، كما وردت في مصادر أكاديمية ومعرفية ومؤسساتية، تكشف أن ما يُسمّى "قدر أفريقيا" لا يعتبر نصًا ثابتًا على جدار التاريخ، بقدر ما هو نتاج سلسلة معقّدة من التفاعلات بين العوامل الدولية والظروف المحلية.

عند انعقاد مؤتمر برلين بين 15 نوفمبر/تشرين الأول 1884 و26 فبراير/شباط 1885، اجتمعت أربع عشرة دولة أوروبية إمبريالية لتنظيم التوسع الاستعماري في أفريقيا. يذكر المؤرخ توماس باكينهام في كتابه "الصراع على أفريقيا" أن السيطرة الأوروبية على أراضي القارة ارتفعت من نحو 10٪ عام 1870 إلى قرابة 90٪ عام 1900. أعاد هذا التحول الجغرافي السريع تشكيل المجال السياسي والاجتماعي وفق خرائط مصالح خارجية. وفي دولة الكونغو الحرة تحت حكم ليوبولد الثاني (1885–1908)، يقدّر المؤرخ آدم هوكشيلد في كتابه "شبح الملك ليوبولد" أن عدد الضحايا نتيجة العمل القسري والعنف المرتبط باستخراج المطاط بلغ نحو 10 ملايين شخص استنادًا إلى مقارنات ديموغرافية تاريخية.

مع موجة الاستقلال بين 1956 و1965، انضمت أكثر من ثلاثين دولة أفريقية إلى الأمم المتحدة. لكن الاستقلال السياسي تزامن مع اشتداد الحرب الباردة بين المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والمعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفياتي، هذا ما انعكس على الدول الأفريقية حديثة الاستقلال، وجعل منها ساحة حرب بالوكالة.

ففي الكونغو المستقلة عام 1960، تم اغتيل باتريس لومومبا في يناير/كانون الثاني 1961، في سياق صراع دولي موثق في أرشيفات بلجيكية وأمريكية. وفي أنغولا، استمرت الحرب الأهلية من 1975 إلى 2002، والتي كانت صراعًا على السلطة بين اثنتين من حركات التحرر السابقة: الحركة الشعبية لتحرير أنغولا والاتحاد الوطني للاستقلال الكامل لأنغولا (يونيتا)، وقدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 2002 عدد الضحايا بنحو 500 ألف قتيل إضافة إلى 4 ملايين مدني من النازحين. هذه الأحداث تكشف أن القارة تحولت خلال الحرب الباردة إلى ساحة تنافس دولي جيواستراتيجي مباشر وغير مباشر.

إن مرحلة ما بعد الاستعمار أنتجت أنماط حكم قائمة على "سياسة البقاء"، حيث تتحول الدولة إلى فضاء لإعادة توزيع الريع على شبكات الولاء

اقتصاديًا، تشير بيانات مجموعة البنك الدولي إلى أن نمو إجمالي الناتج المحلي -أفريقيا جنوب الصحراء انخفض من نحو 7.5٪ عام 1974 إلى قرابة 3.4٪ عام 2000. في الفترة نفسها ظل أكثر من 80٪ من صادرات أفريقيا جنوب الصحراء مكوّنًا من مواد أولية. هذا النمط ينسجم مع تحليل سمير أمين في كتابه "التراكم على الصعيد العالمي"، حيث يشرح كيف تنتج الرأسمالية العالمية علاقة استقطاب بين مراكز صناعية وأطراف مصدّرة للمواد الخام، ما يحد من فرص التصنيع المحلي، ويعمّق التبعية الاقتصادية البنيوية.

علاوة على ذلك، إن أزمة الديون في الثمانينيات والتسعينيات شكّلت منعطفًا حادًا. فوفق لبيانات البنك الدولي، بلغ الدين الخارجي لأفريقيا جنوب الصحراء 84 مليار دولار عام 1980، ثم ارتفع إلى 226 مليار دولار عام 1995. الأمر الذي جعل أكثر من 30 دولة أفريقية تطبق برامج التكييف الهيكلي التي فرضت تحرير الأسواق وخصخصة مؤسسات عامة وتقليص الإنفاق الاجتماعي. وقد انتقد جوزيف ستيغليتز في كتابه "العولمة وما يترتب عليها من استياء" هذه السياسات، مشيرا إلى أن تطبيق وصفات اقتصادية موحدة في سياقات مختلفة قاد إلى آثار اجتماعية عميقة، شملت ارتفاع البطالة وتراجع الخدمات الأساسية مثل: الصحة والتعليم.

في تسعينيات القرن العشرين، اندلعت نزاعات ذات كلفة بشرية هائلة. وقد وثق تقرير الأمم المتحدة حول الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994 مقتل نحو مليون شخص خلال مئة يوم. أما في جمهورية الكونغو الديمقراطية، قدّرت لجنة الإنقاذ الدولية في 2008 عدد الوفيات المرتبطة بالنزاع بين 1998 و2007 بنحو 5.4 ملايين شخص نتيجة القتال والأمراض وسوء التغذية. كما تناول مجلس الأمن في قراره رقم 1306 عام 2000 دور "الماس الدموي" في تمويل الحرب الأهلية في سيراليون بين 1991 و2002، ما يكشف الترابط بين الموارد الطبيعية واستدامة النزاع، حيث يروح ضحيتها المدنيون العزل نتيجة الاستهداف المباشر، القصف العشوائي، والحصار الذي يمنع دخول المساعدات، مما يشكل جرائم حرب وفقاً للقانون الدولي الإنساني.

تنتج الرأسمالية العالمية علاقة استقطاب بين مراكز صناعية وأطراف مصدّرة للمواد الخام، ما يحد من فرص التصنيع المحلي، ويعمّق التبعية الاقتصادية البنيوية

إن التناقض بين الثروة الطبيعية ومستوى المعيشة يظهر بوضوح في نيجيريا، التي تعتبر أكبر منتج للنفط في أفريقيا. تشير بيانات منظمة البلدان المصدرة للبترول إلى إنتاج متوسط يقارب 1.9 مليون برميل يوميًا خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. مع ذلك، أفاد المكتب الوطني للإحصاء في نيجيريا عام 2022 بأن 63٪ (حوالي 133 مليون نسمة) من السكان يعيشون في فقر متعدد الأبعاد. هذا التفاوت يعكس إشكاليات إدارة الريع "الثروات الوطنية" وتوزيعه بشكل عادل ومنصف. كما يناقش بول كولير في كتابه "المليار الأدنى" حيث يربط بين اقتصادات الريع واحتمال نشوب النزاعات المسلحة الأهلية واستمرار الفقر، وذلك بسبب إحساس العديد من الفئات الشعبية بالظلم والاستغلال وغياب العدالة الاجتماعية.

في القرن الحادي والعشرين، تعزّز حضور الصين في أفريقيا، حيث تشير بيانات الجمارك الصينية إلى ارتفاع حجم التجارة بين الصين والقارة من 10.6 مليارات دولار عام 2000 إلى 254 مليار دولار عام 2022. وذلك بعد انضمام أكثر من 40 دولة أفريقية إلى مبادرة الحزام والطريق التي أُطلقت عام 2013. هذا التحول أعاد تشكيل خريطة النفوذ الدولي، في وقت ما يزال فيه الوجود العسكري الأجنبي قائمًا في عدة بلدان، وفق تقارير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.

مع ذلك، تظهر مؤشرات في مسارات مختلفة، حيث بلغ متوسط النمو في أفريقيا جنوب الصحراء ما نسبته 5.1٪ ما بين 2000 و2014، وحققت بوتسوانا منذ استقلالها عام 1966 معدل نمو سنوي مرتفع قارب 9٪ خلال العقود الثلاثة اللاحقة، كما سجلت رواندا متوسط نمو يفوق 7٪ بين 2000 و2019 وفق بيانات صندوق النقد الدولي. وكذلك دخلت منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية حيّز التنفيذ في 30 مايو/أيار 2019 تحت إشراف الاتحاد الأفريقي، وتشمل 54 دولة، ما يجعلها أكبر منطقة تجارة حرة من حيث عدد الأعضاء. كما أن تقديرات الأمم المتحدة في تقرير "آفاق السكان في العالم 2022" تشير إلى أن عدد سكان أفريقيا بلغ 1.4 مليار نسمة عام 2022، مع توقعات ببلوغه 2.5 مليار بمنتصف القرن الحالي. وكذلك أكثر من 60٪ من السكان دون 25 عاما، ما يمنح القارة طاقة ديموغرافية ضخمة يمكن أن تتحول إلى قوة إنتاجية في حال الاستثمار في التعليم والبنية التحتية.

يربط بول كولير بين اقتصادات الريع واحتمال نشوب النزاعات المسلحة الأهلية واستمرار الفقر، وذلك بسبب إحساس العديد من الفئات الشعبية بالظلم والاستغلال وغياب العدالة الاجتماعية

في الأخير، لا يمكن ردّ كل الأزمات إلى الخارج، في هذا الصدد يقول المفكر الكاميروني أشيل مبيمبي في كتابه "في مرحلة ما بعد الاستعمار" أن مرحلة ما بعد الاستعمار أنتجت أنماط حكم قائمة على "سياسة البقاء"، حيث تتحول الدولة إلى فضاء لإعادة توزيع الريع على شبكات الولاء. هذا التحليل يكشف عن مسؤوليات داخلية تتعلق بطبيعة النخب الحاكمة، وبعلاقتها بالمجتمع، وبكيفية إدارة الموارد.

لكن سؤال "القدر" يفترض حتمية تاريخية، لأن التاريخ الأفريقي يقدم شواهد على مسارات مغايرة. فمثلا خاضت رواندا بعد 1994 تجربة إعادة بناء مؤسساتية واقتصادية سريعة، ونجحت بوتسوانا في إدارة عائدات الماس ضمن إطار مؤسسي حافظ على الاستقرار النسبي. هذه النماذج تشير إلى أن البنية العالمية تضغط، غير أنها لا تلغي هامش الفعل الوطني.

إن هذه الوقائع تؤكد أن ما يُسمّى قدرًا هو حصيلة تفاعلات سياسية واقتصادية ممتدة، لأن أفريقيا تعيش في قلب تحولات النظام العالمي، وتتأثر به وتؤثر فيه في آن واحد. لكن مستقبلها يرتبط بقدرتها على تحويل مواردها البشرية والطبيعية إلى قوة مؤسسية واقتصادية، وبإعادة صياغة موقعها داخل الاقتصاد الدولي عبر التكامل الإقليمي وبناء دولة قانون فعّالة.