تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأربعاء 12 أغسطس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

القضاء الكيني يدين وزير الصحة في أزمة "مركز عزل الإيبولا" الأمريكي

23 يونيو, 2026
الصورة
القضاء الكيني يدين وزير الصحة في أزمة "مركز عزل الإيبولا" الأمريكي
Share

في تطور قضائي وسياسي لافت أعاد الجدل حول مشروع مركز عزل الإيبولا الأميركي في كينيا إلى الواجهة، قضت المحكمة العليا الكينية بإدانة وزير الصحة الكيني، أدين دوالي، بتهمة ازدراء المحكمة بعد ثبوت عدم امتثاله لأوامر قضائية سابقة كانت قد أوقفت إنشاء منشأة مخصصة لعزل الأشخاص المعرضين للإصابة بفيروس الإيبولا داخل قاعدة لايكيبيا الجوية في وسط البلاد. ويُعد الحكم من أبرز المواجهات بين السلطة التنفيذية والقضاء في كينيا خلال الفترة الأخيرة، كما يعكس حجم الجدل الشعبي والسياسي الذي أثاره المشروع منذ الإعلان عنه.

تعود القضية إلى أواخر مايو الماضي عندما أصدرت المحكمة العليا أمراً بتعليق أعمال إنشاء المركز مؤقتاً إلى حين البت في دعوى رفعتها كل من جمعية القانون الكينية ومعهد كاتيبا المعني بالدفاع عن الدستور والحكم الرشيد. واستندت الدعوى إلى مخاوف تتعلق بالصحة العامة والسيادة الوطنية، حيث اعتبر مقدموها أن الحكومة لم تقدم للرأي العام أو للمحكمة تفاصيل كافية حول الاتفاقيات الموقعة مع الولايات المتحدة بشأن تشغيل المنشأة وآليات إدارتها والتعامل مع الحالات المحتملة.

رغم صدور أوامر قضائية واضحة بوقف المشروع، أظهرت تقارير ميدانية وشهادات سكان محليين استمرار أعمال البناء داخل القاعدة الجوية، فضلاً عن وصول طائرات ومعدات وأفراد مرتبطين بالمشروع. واعتبرت المحكمة أن استمرار هذه الأنشطة يمثل مخالفة مباشرة لأوامرها، الأمر الذي دفعها إلى إدانة وزير الصحة بازدراء القضاء واستدعائه للمثول أمامها للنظر في العقوبة المناسبة. وأكدت القاضية المشرفة على القضية أن هيبة القضاء وسيادة القانون تقتضيان احترام الأحكام القضائية وعدم السماح بتحويلها إلى قرارات شكلية غير ملزمة للسلطات التنفيذية.

يقع مركز العزل المقترح داخل قاعدة لايكيبيا الجوية قرب مدينة نانيوكي، ويأتي ضمن مشروع ممول من الولايات المتحدة يهدف إلى إنشاء منشأة متخصصة لاستقبال وعزل المواطنين الأميركيين الذين قد يتعرضون للإصابة بفيروس الإيبولا أثناء وجودهم في منطقة شرق ووسط أفريقيا، وخاصة في ظل تفشي المرض في أجزاء من جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا. وتبلغ الطاقة الاستيعابية المخطط لها نحو خمسين سريراً، إضافة إلى تجهيزات طبية متقدمة وكوادر متخصصة للتعامل مع الحالات المحتملة.

غير أن المشروع واجه منذ بدايته موجة اعتراضات واسعة داخل كينيا، حيث اعتبر معارضوه أن الولايات المتحدة تحاول نقل مخاطر صحية إلى دولة أفريقية بدلاً من استقبال مواطنيها المحتمل إصابتهم داخل أراضيها. وتركزت الانتقادات على ما وصفه ناشطون ومنظمات مجتمع مدني بازدواجية المعايير، إذ تساءل كثيرون عن سبب رفض واشنطن استقبال المصابين أو المعرضين للإصابة على أراضيها في حين تسعى لإنشاء مركز مخصص لهم داخل كينيا. وقد تحولت هذه الاعتراضات إلى احتجاجات شعبية واسعة شهدتها مدينة نانيوكي ومناطق أخرى من البلاد.

شهدت الاحتجاجات تصعيدا ملحوظا خلال الأسابيع الماضية، حيث خرج مئات المتظاهرين رافعين شعارات ترفض تحويل كينيا إلى مركز احتواء للأوبئة العابرة للحدود. كما وقعت مواجهات بين المحتجين وقوات الأمن استخدمت خلالها الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق التجمعات، فيما تحدثت تقارير إعلامية ومنظمات حقوقية عن سقوط قتلى وجرحى خلال بعض الاحتجاجات. وأصبحت القضية إحدى أكثر القضايا إثارة للانقسام في المشهد السياسي الكيني خلال الأسابيع الأخيرة.

في المقابل، دافع الرئيس الكيني وليم روتو عن المشروع بشدة، معتبرا أن التعاون الصحي بين نيروبي وواشنطن يمتد لعقود طويلة وأن المركز يمثل جزءاً من استراتيجية أوسع لتعزيز الجاهزية الصحية في مواجهة الأوبئة المحتملة. وأكد أن المنشأة لا تستهدف خدمة الأميركيين فقط، بل تأتي ضمن شبكة مراكز استعداد لمواجهة الطوارئ الصحية يمكن أن تستفيد منها كينيا نفسها مستقبلاً. كما شددت الحكومة على أن المشروع يمول بالكامل تقريباً من الجانب الأميركي وأنه سيسهم في تطوير البنية التحتية الصحية الوطنية.

من جهتها، أكدت السفارة الأميركية في نيروبي أن المنشأة لا تشكل خطرا على السكان المحليين وأنها مصممة وفق أعلى معايير السلامة الحيوية المعتمدة دولياً. كما أوضحت أن الولايات المتحدة تعمل مع الحكومة الكينية لمعالجة الاعتراضات القانونية والسياسية المثارة حول المشروع، مشيرة إلى أن الهدف منه هو الاستعداد لأي طارئ صحي محتمل في المنطقة وليس نقل المرض إلى كينيا.

يرى مراقبون أن الحكم القضائي ضد وزير الصحة يتجاوز كونه نزاعا حول مشروع صحي بعينه، إذ يسلط الضوء على التوتر القائم بين السلطة التنفيذية والقضاء في كينيا وعلى تنامي الحساسية الشعبية تجاه القضايا المرتبطة بالسيادة الوطنية والعلاقات مع القوى الخارجية. كما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الجدل القانوني والسياسي بشأن مستقبل المركز، خاصة مع استمرار المحكمة في النظر بالدعوى الأساسية التي قد تحدد بصورة نهائية ما إذا كان المشروع سيمضي قدماً أم سيتم إلغاؤه بشكل كامل.