تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 8 فبراير 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
راهن

القاهرة تحاصر طموحات إثيوبيا البحرية باتفاقات موانئ مع إريتريا وجيبوتي

27 ديسمبر, 2025
الصورة
القاهرة تحاصر طموحات إثيوبيا البحرية باتفاقات موانئ مع إريتريا وجيبوتي
Share

في تطور جديد ضمن شدّ الحبل بين القاهرة وأديس أبابا حول مياه النيل، وقّعت مصر اتفاقات مع إريتريا وجيبوتي لتطوير موانئ استراتيجية على البحر الأحمر وخليج عدن، في خطوة يراها مراقبون جزءاً من سياسة ممنهجة للضغط على إثيوبيا الدولة الحبيسة التي تعتمد بشكل شبه كامل على الموانئ المجاورة للوصول إلى البحر .

مصادر سياسية مصرية مطلعة قالت لصحيفة ذا ناشيونال إن القاهرة اتفقت مع أسمرة وجيبوتي على تطوير ميناء عَصَب (Assab) الإريتري على البحر الأحمر، وميناء دوراليه في جيبوتي على خليج عدن، عبر توسيع طاقتهما الاستيعابية وإنشاء أرصفة جديدة يمكنها استقبال قطع من الأسطول الجنوبي المصري، بما في ذلك المدمرات والغواصات وحاملات المروحيات، إلى جانب وجود محدود لوحدات نخبة من القوات المصرية.

ويقع الميناءان قرب مضيق باب المندب، البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، على مقربة مباشرة من الخطوط البحرية التي تعتمد عليها التجارة العالمية، في حين تُعد إثيوبيا – التي لا منفذ بحرياً لها منذ انفصال إريتريا عام 1993 – زبوناً رئيسياً لميناء دوراليه الذي يُشكّل رئتها البحرية الأساسية.

وبحسب المصادر نفسها، جرى توقيع الاتفاق مع إريتريا بهدوء خلال زيارة غير معلنة للرئيس الإريتري أسياس أفورقي إلى القاهرة أواخر أكتوبر/تشرين الأول، في حين أُنجز التفاهم مع جيبوتي عبر مفاوضات بين مسؤولين كبار من الجانبين. وتشمل الحزمة أيضاً تطوير شبكة الطرق المؤدية إلى ميناء دوراليه، ما يعزز قدرة الميناء على استقبال السفن وربطها بحركة الشحن البرّي نحو إثيوبيا.

مصر، التي تمتد سواحلها لأكثر من ألفي كيلومتر على البحر الأحمر وتسيطر على قناة السويس، تعلن منذ سنوات معارضتها الواضحة لأي تحرك من دول حبيسة كإثيوبيا للحصول على موطئ قدم مباشر على البحر الأحمر، معتبرة أن فتح هذا الباب من شأنه تعقيد معادلات الأمن في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

التحرك المصري يأتي على خلفية نزاع مرير ممتد منذ أكثر من عقد حول «سد النهضة» الإثيوبي على النيل الأزرق، الذي افتُتح رسمياً هذا العام بطاقة تتجاوز 5,000 ميغاواط، وتراه القاهرة تهديداً وجودياً لأنه يمنح أديس أبابا قدرة أكبر على التحكم في تدفق مياه النهر خلال فترات الجفاف. ورغم جولات تفاوض مطوّلة برعاية دولية وإقليمية، لم يتم التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم حول قواعد ملء وتشغيل السد، فيما تعثرت آخر جولة مفاوضات قبل عامين تقريباً.

في المقابل، تقول إثيوبيا إنها تمارس «حقاً سيادياً» في استغلال مواردها المائية من أجل التنمية وتوليد الكهرباء، وتؤكد أن السد لن يضر بمصالح مصر والسودان، مستندة إلى سنوات الملء المتتالي التي لم تُظهر أثراً كبيراً على حصة مصر بفضل وفرة الأمطار في الهضبة الإثيوبية، فيما شكا السودان من فيضانات أرجعها إلى غياب تبادل البيانات في الوقت الحقيقي.

ومع تجمّد المسار التفاوضي، اتجهت القاهرة – بحسب التقرير – إلى توسيع شبكة تحالفاتها مع جيران إثيوبيا. فقد عززت تعاونها السياسي والعسكري مع الصومال وجيبوتي وإريتريا وكينيا، وقدّمت خبرات فنية لعدد من دول حوض النيل. ففي العام الماضي، بدأت مصر نشر مستشارين عسكريين وقوات محدودة في الصومال بعد توقيع اتفاق دفاعي، وقدمت دعماً في مجال التسليح ومكافحة الإرهاب، وتستعد للمشاركة في بعثة حفظ سلام أفريقية جديدة هناك.

ويقول وليام ديفيسون، مدير تحرير موقع إثيوبيا إنسايت، إن «غياب مفاوضات جادة ثنائية أو ثلاثية حول السد جعل تركيز التوتر ينتقل بشكل متزايد إلى الملفات الإقليمية، وعلى رأسها مشاركة مصر في المهمة العسكرية في الصومال والطموحات البحرية الإثيوبية»، معتبراً أن القاهرة لا ترغب في رؤية قوات إثيوبية على البحر الأحمر، فيما تنظر أديس أبابا بريبة إلى أي وجود عسكري مصري في جوارها.

مع ذلك، يستبعد ديفيسون أن تنزلق الأزمة إلى حرب شاملة بين البلدين، قائلاً إن «الصورة العامة هي أن السد أصبح واقعاً لا رجعة فيه وسيظل مصدر توتر طويل الأمد، لكن من الصعب تصور أن القاهرة وأديس أبابا ستذهبان إلى مواجهة عسكرية مباشرة»، في ظل الكلفة الهائلة لمثل هذا السيناريو والضغوط الدولية المتزايدة لعدم تعريض أمن البحر الأحمر وحوض النيل لمزيد من المخاطر.

في المحصلة، تعزز صفقات الموانئ الجديدة حضور مصر البحري في جنوب البحر الأحمر وباب المندب، لكنها في الوقت نفسه ترفع منسوب الحساسية في منطقة شديدة التشابك، حيث تتقاطع مصالح قوى إقليمية ودولية، من الخليج إلى تركيا وإيران والغرب والصين. وبينما تراهن القاهرة على أن محاصرة إثيوبيا جغرافياً وسياسياً قد تدفعها إلى قدر أكبر من المرونة في ملف السد، يرى آخرون أن تصاعد حرب الموانئ في القرن الأفريقي قد يرسّخ منطق الاستقطاب ويزيد من صعوبة الوصول إلى تسوية هادئة لأزمة النيل الممتدة.