تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الاثنين 13 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

"النهب الممنهج".. كيف تخنق الشركات الدولية مستقبل أفريقيا؟

29 مايو, 2025
الصورة
لماذا ترفض أفريقيا التنمية؟
Share

نفذت السلطات الانتقالية في مالي تهديداتها، شهر أبريل/ نيسان الماضي، وأغلقت مكاتب عملاق تعدين الذهب والنحاس الكندي "باريك غلود"، لاتهام الشركة التي توصف بأنها الأكبر عالميا في تعدين الذهب، بعدم دفع مستحقات الضرائب لحكومة باماكو، لتعيد الواقعة الحديث من جديد عن الجانب المظلم للشركات الدولية/متعددة الجنسيات، العاملة في القارة السمراء، والتي تلاحقها اتهامات الفساد، والتهرب الضريبي رغم اختلاف مواقع العمل وتخصصات الإنتاج.

الواقعة السابقة ليست حالة فردية، إذ تقول آنيك فان وودنبرغ، المديرة التنفيذية لمنظمة "الحقوق والمساءلة في التنمية" (RAID)، وهي منظمة غير حكومية مقرها المملكة المتحدة تُركز على كشف سوء سلوك الشركات وانتهاكات البيئة وحقوق الإنسان: "هناك أدلة واضحة، لا سيما في قطاع الصناعات الاستخراجية، وهو من أكبر القطاعات في أفريقيا، على أننا نشهد عناصر فساد غالبًا ما تتورط فيها شركات مقرها بالولايات المتحدة أو المملكة المتحدة".

سجل حافل لفساد ممنهج

على الرغم من نفي الشركة الكندية "باريك غلود" الاتهامات التي قدمتها السلطات المالية، إلا أن سجل عملها في أفريقيا يحمل اتهامات مشابهة، بالانتقال نحو الشرق الأفريقي قليلا، وتحديدا في تنزانيا، تشير تقارير محلية إلى أن الشركة ذاتها، واجهت من قبل اتهامات من قبل المعارضة بالتسبب في خسارة الخزانة الوطنية قرابة 50 مليون دولار أمريكي، منها تقديم رشاوى لمسؤولين محليين لتسهيل صفاتها في البلاد. كما سبق اتهامها من قبل صحافيين تنزانيين بالتضييق عليهم، ورفض منحهم معلومات حول أعمال التنقيب التي تقوم بها في منطقة مارا الواقع قرب الحدود الكينية التنزانية.

الاتهامات لم تقف عند حد أنشطة التعدين في الذهب، ففي مايو/أيار 2020، كشفت قضية مشابهة، حين قدّم مواطنون كونغوليون طلباتٍ لمحاكمة شركة سيمليكس البلجيكية، لتورطها في أعمال فساد وغسيل أموال، حيث تسببت صفقة أبرمتها الشركة المتخصصة في طباعة جوازات السفر، في ارتفاع أسعار استخراج الجوازات في الكونغو الديمقراطية من 100 دولار أمريكي إلى 185 دولارًا أمريكيًا، وكانت هذه الزيادة المقدرة بـ 60 دولارًا عن كل جواز تذهب إلى شركة غامضة يملكها أحد أقارب رئيس الجمهورية.

الأمر ذاته واجهته  شركة جلينكور (مؤسسة بريطانية سويسرية متعددة الجنسيات للتجارة والتعدين)، حيث أقرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2022 بارتكاب وقائع فساد في خمس دول أفريقية مختلفة، وغرّمت من قبل محكمة بريطانية بـ 281 مليون جنيه إسترليني، لتورطها في جرائم رشوة في "نيجيريا والكاميرون وساحل العاج وغينيا الاستوائية وجنوب السودان". وفي ديسمبر/ كانون الأول عام 2022، توصلت شركة هانيويل الدولية، وهي تكتل صناعي كبير، إلى تسوية مع هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية (SEC) بقيمة تُقارب 81 مليون دولار أمريكي، بسبب تورطها في أعمال رشوة عن أعمالها في كل من البرازيل والجزائر.

إن الفساد منتشر على نحو واسع في أفريقيا، ويشكل عائقًا كبيرًا أمام التنمية، مؤكدة أن تحالف الفساد بين النخب الأفريقية والقطاع العام والخاص تحول إلى مؤسسة قائمة بذاتها تتجلى فيها الرشوة والكسب غير المشروع اليومي

وبالمثل أُدينت شركة ترافيغورا (Trafigura)؛ وهي شركة تجارة سلع متعددة الجنسيات تأسست عام 1993، تتاجر في المعادن الأساسية والطاقة، يقع مقرها الرئيسي في سنغافورة، بدفع رشاوى بقيمة 5 ملايين دولار لمسؤولين في أنغولا لتأمين عقود نفطية. كما تشير التحقيقات أيضا إلى تورط شركة ENRC، التي تنفذ أعمالا في أفريقيا الوسطى في قضايا فساد تتعلق بصفقات تعدين، حيث واجهت تحقيقات من مكتب مكافحة الاحتيال الخطير في المملكة المتحدة، لكن التحقيقات أُغلقت بسبب نقص الأدلة القابلة للتقديم في المحكمة.

في جنوب أفريقيا واجهت شركة ماكينزي الأمريكية، فضيحة فساد ضخمة حيث عملت الشركة مع رجال أعمال مقربين من الرئيس السابق جاكوب زوما، والذين اتُهموا بالتأثير بشكل غير سليم على العقود الحكومية، وكانت الواقعة سببا في إجبار الرئيس الجنوب أفريقي على الاستقالة، واعتقال أفراد من المقربين منه.

وامتدت شبكات الفساد الدولية إلى داخل الموانئ الأفريقية، لاسيما التي تمثل حجر زاوية في التجارة الدولية، إذ وثقت تقارير استقصائية عمليات مشابهة في كل من ميناء لاغوس بنيجيريا، أحد أكثر موانئ أفريقيا ازدحامًا، وكذلك مينائي تيما وتاكورادي الغاني، ومومباسا الكيني، مؤكدة أنه "ربما يكون من الصعب تخليص بضائع من هذه الموانئ دون دفع رشاوي"، وعادة ما يكون طرف هذه العملية موظفي الجمارك ومسؤولي الشركات الدولية.

تكلفة قاسية لمأسسة الفساد في القارة

الوقائع السابقة، لا تمثل حصرا لوقائع الفساد التي تورطت فيها الشركات الدولية بالقارة، إذ أنها تمثل جزء بسيط مما كشفته التحقيقات، وعمليات ملاحقة الفساد، سواء في القارة أو خارجها، وهو ما يكلف القارة السمراء فاتورة ضخمة، فوفقا لتقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية لعام 2020  تفقد أفريقيا  89 مليار دولار سنويا بسبب التدفقات غير المشروعة للأموال، وهو ما يعادل 3.7٪ من الناتج المحلي الإجمالي.

تتلاقى هذه المعلومات مع ما ذكرته دراسة نشرت عام 2016 ، أظهرت أن 34٪ من الشركات العاملة في جنوب أفريقيا على سبيل المثال، من المتوقع أن تدفع رشاوى للحصول على عقود المشتريات العامة، وفي المتوسط ​​تبلغ الرشوة 2٪ من قيمة هذه العقود، وأن 132 شركة تعمل في مجموعة من الصناعات  تعرضت للرشوة خلال العامين الماضيين لإجراء الدراسة، على الرغم من أن 90٪ منها لديها برامج امتثال لمكافحة الفساد.

القوى الرئيسية للرأسمالية وظفت مفاهيما نيوليبرالية بلا رحمة، لتوسيع الفساد وتقويض سيادة الدول، وفتح القارة للنهب على أيدي الشركات الغربية متعددة الجنسيات

ليس هذا فحسب بل تشير دراسة للباحثة المصرية، فايدة علي عابدين،  أن حوالي 50٪ من الإيرادات الضريبية في أفريقيا، وحوالي 30 مليار دولار من المعونة قد تأكلت بسبب الفساد خلال عام 2004، كما يقدر بنك التنمية الأفريقي الخسائر التي تتكبدها القارة الأفريقية سنويا نتيجة الفساد بنحو 300 بليون دولار، أي حوالي 25٪ من الناتج المحلي الإجمالي للقارة.

هذه المؤشرات، جعلت دراسة نشرتها مجلة أبحاث الاقتصاد، تقول إن الفساد منتشر على نحو واسع في أفريقيا، ويشكل عائقًا كبيرًا أمام التنمية، مؤكدة أن تحالف الفساد بين النخب الأفريقية والقطاع العام والخاص تحول إلى  مؤسسة قائمة بذاتها، تتجلى فيها الرشوة والكسب غير المشروع اليومي، وأن أنشطتها باتت توفر سياقًا مناسبًا للفساد المستدام.

تأثيرات أبعد من الاستيلاء على الموارد

تخطت المخاطر التي تسببها أنشطة هذه الشركات الاعتداء على الثروات والموارد الأفريقية، إذ تشير منصة "VoxDev" في ورقة بحثية لمجموعة من خبرائها، إلى أن المخاطر تتعدى ذلك بكثير بل تصل إلى حد التأثير السياسي السلبي والاعتداء على السيادة الأفريقية.

وتكاد تتفق هذه المعلومات مع  ما ذكرته الباحثة سمر الباجوري في دراسة لها، تؤكد تورط بعض الشركات الدولية في تأجيج الصراعات الأهلية في المناطق الغنية بالموارد الطبيعية، وهو ما سعت لإحداثه شركة "إلف" بدعم انفصال إقليم «بيافرا» الغني بالنفط عن نيجيريا، كما مولت الشركات العاملة في في الأخشاب الحرب الأهلية في الكونغو بين عامي 1998 إلى 2003، والتي خلفت عددًا كبيرًا من القتلى وصل إلى أكثر من 4 ملايين شخص.

وتورطت شركة "شل" النفطية في تمويلٍ يصل إلى 900 مليون دولار لشن حرب شرسة ضد أكبر أحزاب المعارضة في أنغولا. كما قامت الشركة الصينية "كون هو مينينغ" بالتلاعب للسيطرة على مناجم الذهب في منطقة البحيرات العظمى، مستغلة فساد السلطات المحلية ودعم الميليشيات المسلحة هناك.

ترصد الباحثة في دراستها ذاتها تورط الشركات الدولية في ممارسات مناهضة لحقوق الإنسان من بينها عمالة الأطفال، حيث تسببت خمس شركات كبرى من العاملة في مجال التكنولوجيا في وفيات أطفال، نتيجة عملهم في استخراج الكوبالت في جمهورية الكونغو الديمقراطية ديسمبر/ كانون الأول 2019.

نهب إمبريالي ممنهج

تحليل سجل الشركات عبر الوطنية في أفريقيا، يظهر أن فساد هذه الشركات لا يتوقف على قطاع  محدد، بل تحولت أنشطة بعض هذه الشركات لأداة إمبريالية جديدة تمارس فساد منظم، على حد وصف ورقة بحثية نشرتها جامعة زامبيا في 2024، مشيرة إلى أن صور فساد هذه الشركات تعدد بين الرشاوى والتهرب الضريبي، والغش واستغلال العمال، وغيرها من الأنشطة المظلمة التي تتعارض مع القوانين المحلية والدولية.

تخطت المخاطر التي تسببها أنشطة هذه الشركات الاعتداء على الثروات والموارد الأفريقية، إلى حد التأثير السياسي السلبي والاعتداء على السيادة الأفريقية

واتساقا مع سبق تجادل ورقة بحثية نشرته مجلة "Tricontinental" بأن القوى الرئيسية للرأسمالية وظفت مفاهيما نيوليبرالية بلا رحمة، لتوسيع الفساد وتقويض سيادة الدول، وفتح القارة للنهب على أيدي الشركات الغربية متعددة الجنسيات، مشيرة إلى أن  المؤسسات الدولية تعمدت خلال السنوات الماضية، إطلاق برامج تركز على رصد فساد الحكومات في العالم الثالث، متجاهلة أنشطة الشركات الدولية، بالإضافة إلى فرض برامج اقتصادية، مثل الخصخصة تكرس من نزع الدولة من القطاعات الإنتاجية، وفتح الباب أمام هذه الشركات لتنفيذ ما يحلو لها دون محاسبة.

قد تتعارض الرؤى السابقة مع يراه بعض الباحثين الذين يقرون بأن أنشطة الشركات الدولية في القارة جزء من عمليات التنمية، وتعود بالنفع على السكان، وتساهم في حل مشكلات الفقر والبطالة التي تعاني منها أفريقيا، إلا أن الوقائع تدحض هذه المزاعم أيضا، ففي كثير من الأحيان تعتمد هذه الشركات على عمالة خارجية، كما هو الحال مع قطاع البترول في نيجيريا، كما أن عقود هذه الشركات تتسم في كثير من الأحيان  تتسم بانخفاض نصيب الحكومات المحلية من العوائد، كما هو الحال في غانا فبينما بلغت قيمة إنتاج قطاع التعدين حوالي 1.4 مليار دولار، كان نصيب الدولة فيه قرابة 48 مليون دولار فقط، وهو ما يعني أنه لا بديل عن تطوير أنظمة أفريقية تضمن حقوق الدولة في الاستثمارات الخارجية، وتكافح أي عمليات تلاعب قد تحدث.