تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأربعاء 15 أبريل 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
تحليلات

العنف ضد المرأة في تشاد.. جرائم تتزايد وقانون يقسم المجتمع

15 فبراير, 2025
الصورة
geeska cover
Share

وافقت الحكومة التشادية لأول مرة عبر أمر رئاسي، صدر نهاية يناير/ كانون الثاني 2025 على قانون باسم "قانون مكافحة العنف ضد المرأة"، يجرم جميع أشكال العنف والمضايقات والتحرش والتحريض الممارس ضد النساء والفتيات في جمهورية تشاد. لكن احتوى بالتوازي على بنود تتعارض مع مبادئ المسلمين، ما أدى إلى رفضه من قبل شريحة واسعة في المجتمع. وزاد إصدار القانون المثير للجدل أثناء فترة إجازة البرلمان الجدل احتداما، حيث استغلت الحكومة هذا الفترة لتمريره دون مواجه أي عوائق.

وسط جرائم متزايدة 

جاء القانون بعد ارتفاع حالات العنف ضد المرأة في تشاد، فقد شهدت البلاد ما بين نهاية 2024 وبداية 2025، أي خلال فترة تقل عن شهر،11  حالة اغتصاب وحالتي قتل لنساء، بحسب الرابطة التشادية لحقوق المرأة، في بيان أصدرته في 14 من يناير/ كانون الثاني الماضي. وفقاً للبيان جرت حالات اغتصاب جماعية لست فتيات صغيرات في ليلة رأس السنة، بمنطقة كاماتي بمدينة "سار" جنوب البلاد، استخدم فيها الجنات مواد تخدير للتأثير على الضحايا، قبل الاعتداء عليهن. وفي نفس الليلة دائما أبلغت وزارة المرأة، عن وقوع حالة اغتصاب لفتاة تبلغ 17 عاماً، داخل أروقة مهرجان داري، وهو مهرجان ثقافي يقام كل عام.

تفاقمت جرائم الاغتصاب والعنف ضد المرأة في يناير/ كانون الثاني الماضي، حيث وقعت حادثة شنيعة في دانماجي منطقة بولاية شاري الأوسط، جنوب البلاد، عندما اغتصب شاب في 22 من عمره طفلة في 11 من عمرها، وفي مدينة بالا، اغتصب رجل أربعيني طفلة في 10 من عمرها. كما أبلغت وزارة المرأة وحماية الطفولة نهاية الشهر الماضي (يناير/ كانون الثاني) عن تسجيلها حالتي اغتصاب لطفلتين؛ واحدة في إنجمينا والأخرى في ولاية شاري باقرمي، تبلغ كل منهما  7سنوات.

شهدت البلاد أيضاً جرائم قتل فظيعة ضد النساء، أوقعت الدولة في حالة من الانفلات الأمني، فقد أقدم رجل أربعيني، في مدينة كمرا بولاية مندول جنوب البلاد، على قتل زوجته بواسطة سكين قبل أن يحاول إنهاء حياته. وفي 10 من يناير/ كانون الثاني الماضي، بولاية قيرا وسط البلاد، قُتلت فتاة تحت التعذيب على يد إخوتها بدواعي رفضها زواجاً قسرياً من رجل فُرض عليها.

تفاقمت الجرائم الممارسة ضد النساء حتى وصل الأمر درجة ارتكابها، والتشجيع عليها من قبل ضباط في الشرطة، فقد تورط ضابط شرطة باغتصاب فتاة داخل مديرية الشرطة أثناء مزاولة عمله، في حين شجع أخر على تلك الجريمة في منشور على صفحته بالفيس بوك. ورفضاً لانتشار الجرائم، احتجت المنظمات العاملة في مجال الدفاع عن حقوق المرأة على الوضع غير الطبيعي الذي تمر به المرأة، ووقعت الرابطة التشادية لحقوق المرأة في تشاد على عريضة دولية لمواجهة تلك الظاهرة المتنامية، والمطالبة باتخاذ إجراءات حاسمة ضد العنف الجنسي، وثقافة الإفلات من العقاب. كما أدانت رئيسة منظمة صوت المرأة، أمينة التجاني، في منشور لها في صفحتها على الفيس بوك تلك الممارسات المشجعة على العنف ضد المرأة.

وفق تقديرات وزارة المرأة في تشاد سجلت، خلال العام الماضي وحده، أكثر من 8000 حالة عنف واعتداء ضد نساء وفتيات داخل تشاد. وسط هذا التدهور الخطير الذي وصلت إليه أوضاع المرأة في تشاد، وجدت الحكومة مسوغاً كافياً لتمرير قانون بغض النظر عن مخالفة بعض بنوده لتقاليد المجتمع. 

أبرز بنود القانون 

يأتي هذا القانون بحسب مذكرته قصد "مكافحة جميع أشكال العنف ضد النساء والفتيات في تشاد، بغض النظر عن أعمارهن أو أعراقهن أو انتماءاتهن العرقية أو الدينية، وبغض النظر عن مرتكب الجريمة أو العلاقة بين الضحية والجاني". يحتوى على39  مادة، عَرفت الأولى منه العنف ضد النساء والفتيات، بأنه كل عنف موجه ضد الجنس الأنثوي والذي يسبب أو يمكن أن يسبب للنساء والفتيات ضرراً أو معاناة جسدية أو جنسية أو حتى نفسية، بما في ذلك التهديد بتلك الأفعال والإكراه أو الحرمان التعسفي من الحرية سواء في الحياة العامة أو الخاصة. 

يسرد القانون تعاريف للاغتصاب والإجهاض والتحرش الجنسي والزواج القسري... وتبقى أبرز القضايا التي تضمنها القانون تجريم العنف الأسري والمادي والاقتصادي، ومنع زواج القاصرات، والعنف الزوجي. كما جرم أيضاً ممارسة الجنس مع الزوجة دون موافقتها، إضافة إلى منع التمثيل المهين للمرأة في الإعلام. ونص القانون أيضاً على تجريم تشويه العضو التناسلي للفتاة، وجاء فيه "كل التدخلات التي تشمل الاستئصال الجزئي أو الكلي للأعضاء التناسلية الأنثوية لأسباب ثقافية أو دينية أو لأي سبب أخر غير علاجي"، ما يُفهم منه أنه تجريم لما يعرف بختان الإناث المنتشر في المجتمع التشادي.

ارتياح المنظمات النسائية 

رحبت العديد من المنظمات النسائية والجمعيات العاملة في مجال حقوق الإنسان بهذا القانون، وعبّرت عن ارتياحها الشديد لهذه الخطوة، التي تراها مهمة في إطار الحد من الجرائم الممارسة ضد المرأة. في هذا السياق، أصدرت الرابطة التشادية لحقوق المرأة بياناً، جاء فيه "أنها تحي هذا القرار الذي يأتي وسط ارتفاع حالات الاغتصاب، وقتل الإناث في تشاد معتبرةً تلك الجرائم... وباء يصيب العديد من النساء والفتيات في تشاد". وأضاف البيان، مع ذلك سنظل "يقظين وملتزمين بضمان ألا يكون هذا المرسوم مجرد استجابة رمزية بل يجب أن يؤدي إلى عمل ملموس وفعال على أرض الواقع". وشددت المنظمة على التنفيذ الصارم للتدابير المزمع اتخاذها لمنع العنف ضد المرأة، ودعم الضحايا، ومكافحة الإفلات من العقاب. كما دعا البيان إلى التنفيذ الفوري لبرامج التوعية على جميع مستويات المجتمع، لتفكيك العادات الاجتماعية والثقافية التي تتسامح مع العنف.

أشادت رئيسة التنسيقة النسائية التشادية، الدكتورة فاطمة محمد جدي، بدورها بهذا القانون، وقالت في حديثها لمنصة "جيسكا": "أن صدور هذا القانون كان بدافع الضرورة التي تتطلبها المرحلة، وذلك بهدف معالجة القضايا الخطيرة المتمثلة في العنف الممارس ضد المرأة، والذي انتشر على نطاق واسع في المجتمع التشادي، مضيفةً أن الحد من العنف والوقاية منه كان سبباً مهماً لصدور القانون"، وعن مدى نجاح القانون في تحقيق أهدافه أكدت فاطمة أن "النجاح يتوقف على التنفيذ، والتنفيذ بالضرورة يتطلب وجود آليات مراقبة حتى لا يصير القانون حبراً على ورق".

علماء يعارضون بقوة 

رفضت التنسيقة العامة لعلماء تشاد، وهي تجمع يضم جميع الكيانات الدينية الإسلامية في تشاد – في بيان موجه للرأي العام الوطني - القانون المتعلق بمكافحة العنف ضد المرأة، واعتبرت ذلك القانون جزء من قانون الأسرة المثير للجدل والذي طرح منذ عام 1995، بدعم من وكالة الأمم المتحدة المسؤولة عن قضايا الصحة الجنسية والإنجابية. 

رفض العلماء للقانون يعزى إلى "مخالفته لأحكام الشريعة الإسلامية وأعراف المسلمين"، فحسب البيان، "القانون تم رفضه منذ عرضه لأول مرة، في حين لم تتم إجازته إلى أخر لجنة تم تكوينها من قبل وزيرة المرأة"، وكشف العلماء، أن اللجنة المكونة حديثاً لم تجتمع مرة واحدة، في حين أنهم استغربوا أن بنود هذا القانون الصادر بأمر رئاسي، جميعها تندرج تحت التحفظات السابقة لمشروع قانون الأسرة المرفوض".

ترى التنسيقة أن القانون الصادر يبيح الزنى، ويشجع الفتيات على الدعارة، وتدمير الأخلاق، واتهمت مسؤولين في الدولة لم تسميهم بأنهم يسعون إلى تنفيذ أجندة خارجية، هدفها انتهاك نصوص وأحكام الشرع الإسلامي. يعتقدون أن تشاد ليست فقيرة حتى ترضخ لضغوطات منظمات دولية أو دول، هدفها استئصال الإسلام من حياة المسلمين، على حد وصف البيان. وشدد العلماء بعدم قبولهم لهذا القانون، أيا تكن الضغوطات عليهم أو التهديدات ضدهم. ثم أشاروا إلى أن المسلمين في تشاد يمثلون الأغلبية الكبيرة، ورغم ذلك لم يطالبوا يوماً بفرض أحكام الإسلام على غير المسلمين، لذلك يطالبون بسحب هذا القانون فوراً.