الاثنين 13 أبريل 2026
تعني كلمة "الفلاشا" في اللغة الأمهرية "المنفيين" أو "الغرباء"، وتُستخدم غالبًا بدلالة ازدرائية، إذ تعكس تاريخًا طويلًا من التهجير وعدم الاستقرار الذي عانى منه اليهود في إثيوبيا. يستقر يهود الفلاشا في شمال البلاد، وتحديدًا في مدينة غوندر الواقعة في المرتفعات، حيث مكّنتهم عزلة تلك المناطق من الحفاظ على تقاليدهم وعاداتهم الخاصة.
قبل بدء عمليات تهجيرهم إلى إسرائيل في ثمانينيات القرن الماضي، كان عددهم يُقدَّر بحوالي 60 ألف شخص، وهو رقم ضئيل مقارنة بعدد سكان إثيوبيا، الذي يتجاوز 100 مليون نسمة. ومع ذلك، فإن معظم هؤلاء اليهود لا يجاهرون بديانتهم، في ظل التحديات الاجتماعية والسياسية التي أحاطت بوجودهم عبر التاريخ.
منتصف عام 2023، كثّفت إسرائيل جهودها لنقل ما تبقى من يهود الفلاشا في إثيوبيا، والذين يُقدَّر عددهم بنحو 7000 شخص، استجابةً لضغوط داخلية ومظاهرات متكررة طالبت الحكومة الإسرائيلية بالإسراع في جلبهم، خاصةً في ظل الأوضاع الصعبة التي يواجهها العديد منهم في إثيوبيا.
وبالفعل، نقلت السلطات الإسرائيلية مئات اليهود الإثيوبيين إلى إسرائيل ضمن هذه العملية. وفي العام نفسه، زار وفد إسرائيلي إثيوبيا لترتيب نقل 3000 يهودي. ومع ذلك، لم تُستكمل العملية بسبب بدء العدوان الإسرائيلي على غزة.
أشرف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، على استقبال 500 مهاجر من يهود الفلاشا، ضمن عملية أُطلق عليها اسم "إنشاء إسرائيل"، في إطار جهود تل أبيب لتعزيز الهجرة اليهودية. وبحلول نهاية العام، بلغ عدد يهود الفلاشا في إسرائيل نحو 150 ألف شخص من أصول إثيوبية.
بدأت عمليات تهجير يهود الفلاشا عقب فتوى أصدرها الحاخام عوفاديا يوسيف عام 1973، والتي اعترفت بيهوديتهم. ما أثار جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية الإسرائيلية، حيث واجهت معارضة من قبل مسؤولين شككوا في أحقية الفلاشا بالهجرة، وفقًا لقانون العودة
كانت إسرائيل مطلع الثمانينيات في حاجة ماسة إلى زيادة أعداد اليهود الإثيوبيين، لتحقيق التوازن الديموغرافي في مواجهة الوجود العربي في فلسطين. وفي هذا السياق، جرى التخطيط لأول عملية سرية لتهجيرهم إلى إسرائيل، والتي عُرفت بـ "عملية موسى".
نُفِّذت العملية بين عامي 1984 و1985 بتنسيق مشترك بين الموساد الإسرائيلي والمخابرات الأمريكية والحكومة السودانية برئاسة جعفر نميري، وذلك مقابل رشاوى مالية، وفقًا لما أوردته صحيفة يديعوت أحرونوت. جاءت هذه العملية في ظل اشتداد الحرب الأهلية الإثيوبية، التي أسفرت عن مقتل ما يقرب من 2500 يهودي إثيوبي، ما دفع الناجين منهم إلى الفرار نحو الحدود السودانية، حيث تم إيواؤهم في مخيمات اللاجئين.
بدأت إسرائيل في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 1984، تنفيذ عملية إجلاء سرية، حيث نُقل نحو 8000 يهودي إثيوبي من السودان إلى إسرائيل عبر بروكسل، في عملية جوية استمرت لعدة أسابيع. وكشف تحقيق لـ BBC أن الموساد استأجر منتجع عروس السياحي على البحر الأحمر، مما ساهم في تسهيل العملية. وقد أثارت هذه العملية جدلًا واسعًا على المستوى الدولي، خاصة بعد تسريب تفاصيلها، مما أدى إلى وقفها في يناير/كانون الثاني 1985.
استكملت عمليات الترحيل من خلال عملية "جوشو" أو "سبأ" في مارس /أذار عام 1985، وذلك بعد تحرك نائب الرئيس الأمريكي آنذاك، جورج بوش، لمتابعة عمليات التهجير، حيث نقلت الطائرات الأمريكية حوالي 500 يهودي من مخيمات اللجوء في ولاية القضارف السودانية. لكن سرعان ما توقفت العملية، وعُزل الرئيس السوداني جعفر النميري، كما تم سن قانون سوداني يقضي بإعدام كل من يتعاون في نقل يهود الفلاشا.
كانت إسرائيل مطلع الثمانينيات في حاجة ماسة إلى زيادة أعداد إلى اليهود الإثيوبيين، لتحقيق التوازن الديموغرافي في مواجهة الوجود العربي في فلسطين. وجرى التخطيط لأول عملية سرية لتهجيرهم إلى إسرائيل، والتي عُرفت ب "عملية موسى"
عام 1991، ومع تصاعد التوترات السياسية في إثيوبيا وهروب الرئيس منغيستو هايلي، استغلت الحكومة الإسرائيلية الوضع، ونسّقت مع مسؤولين حكوميين إثيوبيين لإتمام عملية تهجير يهود الفلاشا إلى إسرائيل. وتم التوصل إلى اتفاق يقضي بدفع 35 مليون دولار للمسؤولين، إلى جانب توفير مأوى لهم في الولايات المتحدة، مقابل تنفيذ العملية.
خلال يومي 24 و25 مايو/ آيار من العام نفسه، نُقل آلاف اليهود من مناطقهم في شمال إثيوبيا إلى العاصمة أديس أبابا، ومن هناك رُحّل ما يقرب من 15 ألف يهودي إلى إسرائيل، في واحدة من أكبر عمليات الإجلاء الجماعي التي نفذتها الحكومة الإسرائيلية.
أرسل وزير الخارجية البريطاني رسالة إلى أحد زعماء الحركة الصهيونية، عُرفت بوعد بلفور عام 1917، تضمنت تعهّدًا بإنشاء وطن قومي لليهود على الأراضي الفلسطينية. عقب ذلك، شجّعت بريطانيا اليهود من مختلف أنحاء العالم على الهجرة إلى فلسطين. ومع ذلك، لم تُبدِ بريطانيا حماسًا لهجرة يهود الفلاشا أو استيطانهم في فلسطين. وفي البداية، فضّلت إسرائيل تطوير مدارسهم ومعابدهم والإبقاء عليهم في إثيوبيا.
منذ منتصف القرن الماضي، تعرض يهود الفلاشا للاضطهاد في إثيوبيا. وفي عام 1978، شن كلٌّ من الاتحاد الديمقراطي الإثيوبي وحزب الشعب الثوري الماركسي حملات شرسة ضد اليهود، رغم الاختلاف التام في معتقداتهم السياسية، إلا أنهم اتفقوا على مواجهتهم. وفي عام 1981، أصدر الرائد ميلاكو، حاكم مقاطعة كوندار، قرارًا بمصادرة الكتب اليهودية، وإغلاق المعابد، ومنع ممارسة الطقوس الدينية اليهودية.
بدأت عمليات تهجير يهود الفلاشا إلى إسرائيل عقب فتوى أصدرها الحاخام عوفاديا يوسيف عام 1973، والتي اعترفت بيهوديتهم. أثارت هذه الفتوى جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية الإسرائيلية، حيث واجهت معارضة من قبل بعض المسؤولين الذين شككوا في أحقية الفلاشا بالهجرة، وفقًا لقانون العودة. وعلى الرغم من هذه الاعتراضات، تبنّت الحكومة الإسرائيلية عام 1975 قرارًا يقضي بشمول يهود إثيوبيا ضمن نطاق القانون.
كشف تقرير صادر عن وزارة العدل الإسرائيلية عام 2022، أن 24٪ من الشكاوى المقدمة ضد انتهاكات الشرطة، جاءت من المواطنين الإسرائيليين من أصول إثيوبية، ما يعكس حجم التمييز والعنصرية
وجّه رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيجن، عام 1977، جهاز الموساد لاتخاذ التدابير اللازمة لتنفيذ عمليات استقدام الفلاشا إلى إسرائيل، في خطوة عكست تحولًا استراتيجيًا في سياسات الهجرة الإسرائيلية.
في عام 1978، وافقت إثيوبيا على نقل يهود الفلاشا إلى إسرائيل مقابل صفقة أسلحة، ومبلغ 35 مليون دولار. وبالفعل، بدأت عمليات الترحيل بمشاركة جهاز الأمن السوداني وجهاز الاستخبارات الأمريكي. ومع ذلك، حتى نهاية عام 1981، لم يتجاوز إجمالي المهاجرين إلى إسرائيل 2300 يهودي فقط، مما أثار حالة من السخط والغضب داخل الأوساط الإسرائيلية بسبب بطء العملية، وعدم تحقيق الأعداد المتوقعة.
مع اندلاع العدوان الإسرائيلي على غزة أواخر عام 2023، كان الجنود الإسرائيليون من أصول إثيوبية في الصفوف الأمامية للعمليات العسكرية. اعتقد يهود الفلاشا أن مشاركتهم في الحرب قد تسهم في تحسين أوضاعهم الاجتماعية، والتقليل من التمييز الذي يواجهونه داخل إسرائيل. ومع ذلك، استمر يهود الفلاشا في مواجهة واقع عنصري ممنهج داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، حيث لم تؤدِ تضحياتهم إلى إحداث تغيير جوهري في معاملة الدولة والمجتمع لهم.
كشف تقرير صادر عن وزارة العدل الإسرائيلية عام 2022، أن 24٪ من الشكاوى المقدمة ضد انتهاكات الشرطة، جاءت من المواطنين الإسرائيليين من أصول إثيوبية، ما يعكس حجم التمييز والعنصرية. وفي ذات السياق، صرّح خبير في الشأن الإسرائيلي لصحيفة "إندبندنت عربية" بأن الأوضاع المعيشية والاجتماعية ليهود الفلاشا في إسرائيل صعبة للغاية.
شهد مطلع عام 2019 اندلاع احتجاجات وأعمال شغب، إثر مقتل اثنين من المواطنين الإسرائيليين من أصول إثيوبية برصاص عناصر من الشرطة الإسرائيلية. وشارك في التظاهرات أكثر من 15 ألف إسرائيلي من أصول إثيوبية، مطالبين بالعدالة ومنددين بالتمييز الممنهج، إلا أن الأجهزة الأمنية واجهت الاحتجاجات بقبضة أمنية مشددة.
كانت الحكومة الإسرائيلية قد أعلنت عام 2013، نتيجة للعنصرية والتمييز الواقع على يهود الفلاشا، وقف عمليات تهجيرهم من إثيوبيا إلى إسرائيل. ووفقًا لعالِم أنثروبولوجيا في مركز البحث العلمي الإسرائيلي، فإن وقف الهجرة يُعَدّ دليلًا على الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي.
ختامًا، رغم مرور أكثر من أربعة عقود على تهجير يهود الفلاشا إلى إسرائيل، لا يزالون يعانون التمييز العنصري والتهميش داخل المجتمع الإسرائيلي. ولم تؤدِّ تضحياتهم العسكرية إلى تحسين أوضاعهم. ويبقى التساؤل مطروحًا: هل ستنجح إسرائيل في تحقيق اندماجهم، أم سيظلّون غرباء في وطنهم الجديد؟