السبت 14 مارس 2026
عرض رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية، فيليكس تشيسكيدي، في 22 فبراير/شباط الماضي، على الولايات المتحدة وأوروبا منحهم حق الوصول الحصري إلى مشاريع بلاده في قطاع المعادن، مقابل الحصول على دعم عسكري مباشر لمواجهة تمرد حركة "23 مارس"، الذي يُهدد استقرار الدولة الغنية بالموارد الطبيعية. وتُقدَّر الموارد المعدنية غير المستغلة في الكونغو بنحو 24 مليار دولار، ما يجعلها هدفًا مغريًا.
أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية استعداد واشنطن للدخول في شراكة استراتيجية مع الكونغو الديمقراطية في مجال التعدين الحيوي، في 9 مارس/أذار 2025، مؤكدة أن هذه الخطوة تأتي في إطار نهج جديد لسياسة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس ترامب، يتماشى مع مبدأ "أمريكا أولاً".
لكن، خلف العبارات الدبلوماسية المنمقة، تتكشف ملامح جولة جديدة من النهب المنظم، حيث تُوظَّف الشعارات الأمنية والوعود بالمساعدة كغطاء للهيمنة على الموارد الأفريقية. فبينما يُروَّج لمفاهيم الشراكة والاستقرار، تُعيد واشنطن إنتاج أنماط الاستغلال الكولونيالي بطرق أكثر نعومة.
كشفت وكالة رويترز أن إريك برينس، مؤسس شركة بلاك ووتر السابقة وحليف ترامب المقرب، توصل إلى اتفاقية مع الحكومة الكونغولية لتأمين الثروات المعدنية وجمع الضرائب. يأتي ذلك فيما التقارير تشير إلى فقدان نحو 40 مليون دولار شهريًا من العائدات. كما ركزت الاتفاقية على تأمين المناجم دون الحديث عن مشاركة قوات أمريكية، مما يثير تساؤلات حول النوايا الحقيقية لهذا التدخل. وأكدت المصادر أن المفاوضات بين الحكومة الكونغولية وإريك برينس كانت جارية قبيل الهجوم الأخير الذي شنته حركة "23 مارس" في يناير/كانون الثاني الماضي.
تُعد هذه الخطوة بداية مسار جديد نحو التوصل إلى اتفاق شامل بشأن موارد جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث زار مسعد بوليس، مستشار الرئيس الأميركي ترامب لشؤون أفريقيا، البلاد في شهر أبريل/ نيسان الجاري. وقد أكد خلال الزيارة أن الصفقة المرتقبة ستتضمن استثمارات تُقدَّر بمليارات الدولارات، بمشاركة شركات كبرى، مثل: ريوتينتو وكوبولد ميتالز. ومن المقرر تنفيذ الاتفاقية على مراحل متعددة، مع التركيز على ضمان الاستقرار في شرق البلاد، والمضي قدمًا في مفاوضات السلام مع حركة "23 مارس".
خلف العبارات الدبلوماسية المنمقة، تتكشف ملامح جولة جديدة من النهب المنظم، حيث تُوظَّف الشعارات الأمنية والوعود بالمساعدة كغطاء للهيمنة على الموارد الأفريقية. فبينما يُروَّج لمفاهيم الشراكة والاستقرار، تُعيد واشنطن إنتاج أنماط الاستغلال الكولونيالي بطرق أكثر نعومة
أشار موقع France 24 في خضم هذه التحركات، إلى أن الرئيس الأمريكي ترامب لا يزال متمسكًا بوعده بعدم إرسال جنود أمريكيين إلى مناطق القتال، مع الالتزام بإعادة القوات المنتشرة في الخارج. وقد تجلّى ذلك بوضوح في الصفقة التي أُبرمت مع إريك برينس، والتي انصبّ تركيزها بشكل رئيسي على استغلال الموارد، دون تقديم توضيحات كافية بشأن أي وجود عسكري أمريكي محتمل في البلاد.
يأتي هذا التطور في سياق تورط برينس المتكرر في أنشطة مشبوهة بمناطق النزاع، كما أكّد ذلك تقرير إعلامي. ففي عام 2023، اتُهم الرجل بنشر نحو 2000 مرتزق من أمريكا الجنوبية في شرق الكونغو الديمقراطية، بزعم مواجهة التمرد، بينما كانت التحركات تهدف عمليًا إلى تأمين مناطق التعدين. كما سبق أن وُجهت اتهامات لشركة تابعة له، في عام 2017، بتهريب الذهب من البلاد، ما يعكس نمطًا متكررًا من استغلال الفوضى الأمنية لخدمة مصالحه الاقتصادية.
قوبلت التحركات الأخيرة بموجة من المخاوف المتزايدة، كما أشارت صحيفة التايمز، وذلك على خلفية عودة الرئيس السابق جوزيف كابيلا إلى المشهد السياسي مطلع هذا الأسبوع. ورغم الإطاحة به من السلطة في عام 2019، لا يزال كابيلا يتمتع بنفوذ واسع، خاصة في المناطق الشرقية الغنية بالثروات الطبيعية. وتزداد المخاوف من عودته مع ورود تقارير تفيد باستمراره في تلقي دعم مباشر من رواندا، ما يعزز موقعه كفاعل قوي في معادلة الصراع. وقد أعلن كابيلا عن رغبته في الإسهام في إنهاء الحرب الأهلية الدائرة، غير أن أوساطًا حكومية عبّرت عن قلقها من أن تكون هذه العودة تمهيدًا لمحاولة استعادة السلطة.
وصفت الجارديان الصفقة التي أبرمتها الحكومة الكونغولية مع إريك برينس، وأي اتفاقيات مشابهة محتملة مع الولايات المتحدة، بأنها تمثل تنازلاً عن السيادة الوطنية مقابل وعود بالاستقرار، محذّرة من أن هذا التوجه يعيد إنتاج نمط التبعية الذي طبع تاريخ البلاد خلال فترات النفوذ الأجنبي. واستحضرت وصف جوزيف كونراد للامتيازات التي مُنحت للشركات الخاصة في الحقبة الاستعمارية، معتبراً إياها "أبشع تدافع على الغنائم شوّه تاريخ الضمير الإنساني"، لتخلص إلى أن هيمنة الشركات الأجنبية على قطاع التعدين تهدد بإعادة الاقتصاد الكونغولي إلى منطق السيطرة الخارجية.
من جهتها، أبدت تقارير أمريكية، نُشرت عبر شبكة AOL، مخاوف جدية من أن المقترح الذي تقدمت به الحكومة الكونغولية لنشر قوات أمريكية وإنشاء قواعد عسكرية على أراضيها، قد يُعرّض الجنود والشركات الأمريكية لمخاطر أمنية كبيرة. وتأتي هذه المخاوف رغم الأهمية الحيوية للمعادن النادرة المستخدمة في تصنيع الهواتف الذكية وأنظمة الدفاع.
يمثل هذا المقترح الكونغولي بديلاً لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، التي تضم نحو 14 ألف جندي، وقد تكبدت خسائر بشرية تمثلت في مقتل ستة من أفرادها، إضافة إلى مقتل 14 جندياً من قوات جنوب أفريقيا المشاركة في مهام البعثة. يُشار إلى أن هذه التطورات تتزامن مع استمرار دعم الجيش الرواندي، المعروف بتطوره وتسليحه المتقدم، لحركة "23 مارس".
استحضرت وصف جوزيف كونراد للامتيازات التي مُنحت للشركات الخاصة في الحقبة الاستعمارية، معتبراً إياها "أبشع تدافع على الغنائم شوّه تاريخ الضمير الإنساني"، لتخلص إلى أن هيمنة الشركات الأجنبية على قطاع التعدين تهدد بإعادة الاقتصاد الكونغولي إلى منطق السيطرة الخارجية
في تطور لافت، أعلنت الحكومة الكونغولية وحركة "23 مارس"، في بيان مشترك صدر أمس، التزامهما بوقف فوري وغير مشروط للأعمال العدائية، على أن يستمر هذا الالتزام طوال فترة المحادثات وحتى اختتامها. وجاء هذا الإعلان تتويجًا للوساطة القطرية التي انطلقت مطلع أبريل/ نيسان الجاري، ما يمثل تحركًا ملموسًا نحو التهدئة بعد تصاعد التوترات، إلا أنه في الوقت ذاته يثير تساؤلات حول مستقبل المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة والحكومة الكونغولية بشأن استغلال الموارد الطبيعية.
شكّل قرار الكونغو الديمقراطية في فبراير/شباط 2025 بفرض حظر مؤقت لمدة أربعة أشهر على تصدير الكوبالت، محطة فارقة في المشهد الجيوسياسي والاقتصادي للبلاد. وفقاً لمركز CSIS، جاء القرار ردًا على ما اعتبرته الحكومة الكونغولية إغراقًا صينيًا للسوق العالمية بالكوبالت، وذلك بعد ارتفاع صادرات الصين من الكوبالت بنسبة 51.8٪ على أساس سنوي، مما أدى إلى تراجع كبير في الأسعار، وتأثيرات مباشرة على عوائد كينشاسا من هذا المعدن.
منح هذا التحول الولايات المتحدة فرصة لإعادة التموضع، وفتح خطوط جديدة للتعاون مع الحكومة الكونغولية، وسط سباق دولي محموم على تأمين سلاسل التوريد والسيطرة على المعادن الاستراتيجية. وفي هذا السياق، أشار تقرير نشرته شبكة Sky News إلى أن التوترات الداخلية في الكونغو، قد تحمل في طياتها مؤشرات على ضغوط مصطنعة تُمارس بتخطيط أميركي، وهو ما أكده خبير الشؤون الأفريقية رامي زهدي، الذي رجّح أن تكون هذه الاضطرابات موجهة لدفع كينشاسا نحو شراكة أوسع مع واشنطن، في مواجهة النفوذ الصيني المتنامي.
إن التوترات الداخلية في الكونغو، قد تحمل في طياتها مؤشرات على ضغوط مصطنعة تُمارس بتخطيط أميركي، فمن المرجّح أن تكون هذه الاضطرابات موجهة لدفع كينشاسا نحو شراكة أوسع مع واشنطن، في مواجهة النفوذ الصيني المتنامي
لم تغب الأبعاد الأمنية عن هذا التنافس؛ فقد صنّفت وزارة الدفاع الأميركية معدن الكوبالت كمكون أساسي في الذخائر وسبائك الطيران، وعدّته عنصرًا استراتيجيًا للصناعات العسكرية. بالتوازي، أدرجت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية الكوبالت ضمن قائمة تضم 50 معدنًا حيويًا للأمن القومي، في وقت تنتج فيه الكونغو الديمقراطية نحو 80٪ من الإمداد العالمي من هذا المعدن، وتسيطر الشركات الصينية على 80٪ من إجمالي إنتاجها، بينما تعتمد الصين بنسبة 67٪ على واردات الكوبالت من الكونغو وحدها.
علي الرغم من هذه التحركات، فإن الولايات المتحدة لم تُظهر خلال العقود الأخيرة استثمارات كبيرة في الكونغو الديمقراطية، خاصة في قطاع التعدين، مما أتاح للصين فرصة تعزيز حضورها في البلاد. وقد تجسد هذا الحضور بشكل بارز من خلال عقد القرن الموقع في عام 2008، بقيمة 6 مليارات دولار، والذي تم تعديله في عام 2024 ليصل إلى 7 مليارات تُدفع تدريجيًا بمعدل سنوي يقارب 324 مليون دولار، مقابل امتيازات تعدين ضخمة، مع منح الشركات الصينية إعفاءً ضريبيًا حتى عام 2040.
في المقابل، تراجعت الشركات الأميركية عن مواقعها الحيوية، حيث قامت شركة فريبورت ماكموران الأميركية في عام 2016 ببيع منجم تينكي فنغوروم، أحد أغنى مناجم النحاس والكوبالت في العالم، إلى شركات صينية، وتبعتها صفقة أخرى في عام 2020.