الأحد 18 يناير 2026
كان افتتاح المتحف المصري الكبير حدثا ثقافيا مهما، فقد أحدث ضجة ونقاشات وسلط المزيد من الضوء على حضارة تمتد لآلاف السنين. يعد المتحف السادس من نوعه في العالم من حيث المساحة، إذ تبلغ مساحته 45 كلم مربع، كما أنه أكبر متحف في العالم يضم حضارة واحدة، وافتتاحه كما يقول كبير الأثريين المصريين: "يمثل تتويجا لمسيرة تهدف إلى تعريف العالم بعظمة الحضارة المصرية.. والإنفاق على الاحتفالية استثمار في وعي الأمة".
لم يكن مجرد حدث ثقافي أو محاولة لإنعاش السياحة وحسب، بل هو مواصلة لبناء السردية الوطنية لمصر، والتي تؤكد على خصوصية حضارتها، و"إضافة إنسانية وثقافية للبشرية كلها"، كما قال فاروق حسني. بالنسبة لآخرين، يمكن اعتباره مناسبة لإعادة التفكير في علاقة مصر بالقارة الأفريقية، وفي الصراع حول الذاكرة والهوية. لذلك، من المتوقع أن ينتعش الجدل مع الأفروسنتريك، مثلما حدث في أعقاب فيلم كليوباترا السوداء لإيفا دوفرني، أو زيارة البروفسور كابا ومجموعته للمتحف المصري بالتحرير.
لقد ضجت السوشيال ميديا قبل أيام، بعد نشر شاب من اللاجئين بمصر يُسمي نفسه طهارقة، لفيديوهات يصور فيها نفسه بجوار الآثار المصرية، مدعيا أن الحضارة المصرية القديمة ملك للأفارقة السود، وأن المصريين سرقوها، وطالب البعض بترحيل الشاب المنتمي للأفروسنتريك، الحركة التي جاء المتحف الكبير ليرد على مزاعمها، كما كتب كريم همام.
تطالب هذه الحركة بضم الحضارة المصرية القديمة إلى الذاكرة الثقافية للشعوب الأفريقية السوداء، وتطرح صورة مختلفة جذريا عن أصول وهوية مصر القديمة، وتسعى إلى إعادة تفسير التاريخ العالمي بحيث يصبح المركز الحضاري هو أفريقيا السوداء، كرد فعل على قرون من التهميش الاستعماري لصوت الإنسان الأفريقي.
ترجع نشأة حركة الأفروسنتريك (Afrocentrism) أو المركزية الأفريقية إلى نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وإن كان انتشارها الفعلي وبلورة منهجها الفكري قد تم في ثمانينيات القرن العشرين، خاصة على يد الأكاديمي الأمريكي من أصل أفريقي موليفي كيتي أسانتي الذي أسس معهد دراسات الأفروسنتريك، وساهم في تطوير النظرية أكاديميًا. كما يعتبر شيخ أنتا ديوب من رموزها البارزين، إلى جانب شخصيات مثل: مالكوم إكس وشكلان جيهز.
إن الدراسة العلمية الحديثة تثبت أن المصريين القدماء ليسوا من أصول أفريقية جنوب الصحراء كما تدعي الحركة، وأن هذه الادعاءات لا تستند إلى أسس علمية وأثرية صحيحة
يستشهد أنصار الأفروسنتريك بكثير من الجداريات التي تظهر المصريين القدماء ببشرة بنية داكنة أو حمراء غامقة، ويقولون إن هذا اللون أقرب للبشرة السوداء منه للبشرة المتوسطية، ويحتجون أيضًا بصور جنائزية وتماثيل لبعض الملوك والنبلاء ذوي ملامح عريضة أو أنوف عريضة وشعر مجعد، لتأكيد أن «النمط الزنجي» كان هو الغالب أو الأصل، ويقارنون بين تصوير المصريين وبين تصوير النوبيين والآسيويين في نفس اللوحات، ويعتبرون أن هذا التنويع يؤكد إدراك المصريين لـ«سوادهم» مقابل غيرهم، مع أن القراءة العلمية ترى أن الفنان المِصري كان يميِّز بين مجموعات سكانية مختلفة، ولم يكن يختزل المصريين في سمة زنجية خالصة.
يَستند الخطاب الأفروسنتريكي بقوة إلى نصوص هيرودوت وأمثاله، عندما يصف المصريين بأنهم «سود البشرة» أو «جعد الشعر»، ويُقرأ هذا الوصف بمعايير تصنيف عرقي حديثة، فيُفهم على أنه يعني «زنوجًا» بالمعنى الأمريكي المعاصر. وعليه، تُفسَّر أوصاف اليونانيين لكوش والنوبة وإثيوبيا على أنها أوصاف تنسحب آليًا على مصر كلها، مع أن كثيرًا من هذه النصوص يتحدث عن مناطق جنوب مصر أو عن جيوش مختلطة، وتستخدم فترة الأسرة الخامسة والعشرين (النوبية) التي شهدت حكم ملوك كوش لمصر، لتصويرها دليلا على أن «السود حكموا مصر قرونًا طويلة»، مع أن الفترة النوبية لا تتجاوز نحو 60–80 عامًا، في سياق تاريخ يمتد لآلاف السنين، ويرون أن القرابة الثقافية بين مصر والنوبة (اللغة، الرموز الدينية، الطقوس الجنائزية) ليست سوى تأكيد على أن الحضارتين «واحدة»، وأن مصر في الأصل امتداد شمالي لنوبة أقدم وأسود.
تزعم الحركة أن المصريين القدماء الذين يسكنون وادي النيل في عصور الدولة القديمة والوسطى والحديثة ينتمون عرقيًا إلى أفريقيا جنوب الصحراء، وأن أي تمثيل لهم بملامح غير زنجية هو تشويه لاحق أو نتاج اختلاط متأخر، وأن المصريين المعاصرين «دخلاء» أو «مختلطون» بسبب الغزاة (الفرس، اليونان، الرومان، العرب، الأتراك… إلخ)، إلى درجة تقطع نسبهم عن الفراعنة. هكذا يكون الوريث «الطبيعي» للحضارة هم الأفارقة السود في المهجر أو جنوب الصحراء.
تُستخدم هذه الفكرة لتبرير خطاب «استعادة» الإرث المصري بوصفه إرثًا أسودًا عالميًا لا مصريًا محليًا. فمصر القديمة بالنسبة إليهم ليست سوى امتدادًا مباشرًا لـ«إثيوبيا» أو النوبة القديمة، وأن «العرق الأسود» هو صاحب الفضل الأول في بناء الأهرامات والمعابد والنظام السياسي والديني المصري. ولذلك لا بد أن تُدمج مصر في سردية واحدة مع كوش والنوبة وإثيوبيا ومالي وغيرها، بوصفها حلقات في سلسلة حضارة أفريقية سوداء ممتدة، سُرِق جزء منها لاحقًا ونُسب لغير أهلها.
لا شك أن هنالك ثقافات أفريقية عريقة تحتاج إلى اكتشاف وتسليط الأضواء عليها، فمصر وحدها ليست أفريقيا، وأن أفريقيا أكبر من الاختزال في حضارة واحدة مهما كانت عظيمة، وأفريقيا كذلك أكبر من النظرة الاستعمارية إليها
يربط بعض المنظرين بين مصر وبين حضارات أسطورية «سوداء» يُقال إنها سبقت التاريخ المكتوب، لتأكيد أن مركز الثقل الحضاري الأول كان أسودًا. ويَرى الخطاب الأفروسنتريكي أن الجامعات الغربية والمستشرقين وعلماء المصريات، تعمّدوا «تبييض» الفراعنة بصريًا وخطابيًا، عبر تماثيل وترميمات وقراءات فنية تؤكد ملامح متوسطية لا أفريقية، وتُقدَّم هذه السردية باعتبارها امتدادًا للاستعمار الأوروبي، أي: نفس القوى التي استعبدت الأفارقة أخفت أيضًا مساهماتهم الحضارية وحتى دورهم في تاريخ الأديان، فبعض التيارات داخل الأفروسنتريك تدعو إلى قراءة الديانات الإبراهيمية بوصفها «مسروقة» من الميثولوجيا المصرية/الأفريقية، أو تدعو إلى العودة لرموز مثل إيزيس وأوزيريس كنواة «دين أفريقي» أصيل. هذا المسار يمنح الخطاب طابعًا روحيًا، لا تاريخيًا فحسب، ويضعه في مواجهة مباشرة مع هوية المصريين الدينية والثقافية المعاصرة.
شهدت مصر حركة دؤوبة للرد على مزاعم الأفروسنتريك، سواء كان على مستوى هيئات الدولة الرسمية، أو الصحافة أو المجال الأكاديمي، فوزارة السياحة والآثار المصرية أكدت أن تاريخ مصر مدون بالأدلة المادية التي تثبت تعددية أصل المصريين القدماء، ولا تدعم انتماءً عرقيًا معينًا بشكل مطلق. ورفضت تجنيد الأديان السماوية أو تاريخ مصر في خدمة مثل هذه الدعايات، واعتبرت أن ثمة تحريف ممنهج، في محاولة إعادة صياغة التاريخ المصري لصالح أجندات سياسية وثقافية خارجية.
صرح مجدي شاكر، كبير الأثريين بوزارة السياحة والآثار، بأن الدولة تأخذ موقفًا واضحًا وحازمًا ضد محاولات حركة الأفروسنتريك تزوير وتحريف التاريخ المصري القديم، خاصة ادعاء أن الفراعنة ينتمون لعرق أسود ليس له علاقة بالمصريين الحاليين، وأكد أن مصر تنتمي إلى القارة الأفريقية بطبيعتها. لكن الإشكالية تكمن في محاولات تزييف الحقيقة، ونسب الحضارة المصرية إلى عرق معين على حساب الهوية الوطنية المصرية.
يَرى الخطاب الأفروسنتريكي أن الجامعات الغربية والمستشرقين وعلماء المصريات، تعمّدوا «تبييض» الفراعنة بصريًا وخطابيًا، عبر تماثيل وترميمات وقراءات فنية تؤكد ملامح متوسطية لا أفريقية، وتُقدَّم هذه السردية باعتبارها امتدادًا للاستعمار الأوروبي
كما أشار إلى أن النقوش والآثار توثق اختلافات عرقية واضحة في مصر القديمة، وأن الجنس الزنجي كان يصنف أدنى في بعض المراحل التاريخية. ونفى عالم الآثار الشهير زاهي حواس مزاعم الأفروسنتريك بقوة، موضحًا أن الدراسة العلمية الحديثة تثبت أن المصريين القدماء ليسوا من أصول أفريقية جنوب الصحراء كما تدعي الحركة، وأن هذه الادعاءات لا تستند إلى أسس علمية وأثرية صحيحة.
اقترحت تقارير من اتحاد الأثريين المصريين، تشكيل مجلس علماء للتصدي لمزاعم الأفروسنتريك، ومراجعة كل ما يُنشر في هذا السياق بحثياً وعلمياً. وأيدت لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة الحملة الرسمية والمجتمعية للدفاع عن التراث المصري، معتبرة أن “جريمة الأفروسنتريك” هي حملة منظمة تهدف إلى طمس الهوية الحضارية المصرية وتشويه التاريخ، وتعزو حالات التحريف هذه إلى قراءات مؤدلجة غير علمية ترمي إلى إعادة رسم التاريخ بوجه مشوه بعيد عن الحقائق الأثرية والبرديات والنقوش.
أما معهد التخطيط القومي المصري فقد قام بإعداد دراسات وتحليلات حول حركة الأفروسنتريك، مؤكداً على ضرورة دعم صناع القرار في مواجهة تأثيرات هذه الحركة التي باتت فاعلًا دوليًا مؤثرًا في محاولة لغرس وعي مغاير بين الأجيال القادمة عبر وسائل متعددة، من بينها الأفلام الوثائقية والبرامج التعليمية والفعاليات الدولية.
في ميدان النقد المنهجي للادعاءات، يرى بعض الأكاديميين المصريين أن دراسات الأفروسنتريك تفتقر إلى التعددية والمنهج العلمي النقدي، وتعتمد على فرضيات لا يمكن اختبارها أو تعارض نتائج البحوث الجينية واللغوية الحديثة التي تدل على تعدد وتداخل الأصول في المنطقة. كما أن هذه الدراسات نفسها تفتقر إلى إشراك مؤسسات بحثية معترف بها دوليًا، وترتبط في كثير من الأحيان بمؤسسات ونشطاء تروج لأجندات سياسية ثقافية، مما يؤثر على مصداقيتها العلمية.
لقد سعت دراسات جينية حديثة شارك فيها أكثر من 20 عالمًا إلى توضيح أن التركيب الجيني للمصريين القدماء، في فترات ما قبل نحو 4000 سنة، يطابق إلى حد كبير سكان شمال شرق أفريقيا والشرق الأدنى القديم (بلاد الشام، الأناضول، الهلال الخصيب) وليس أفريقيا جنوب الصحراء. بينما يعود انتشار تأثير الجينات الأفريقية جنوب الصحراء إلى فترات لاحقة بعد العصر الروماني، مما يعزز أن الحضارة المصرية تطورت محليًا متأثرة بجيرانها في شمال أفريقيا والشرق الأدنى ولا تعود لأصل أفريقي أسود حصري.
المقالات والدراسات والأبحاث في هذا المجال كثيرة، والجدال مستمر، لكن خلاصة القول، أن الحاضر أولى بالتأمل من الماضي، وأن واقعنا الراهن يحتاج منا جهدا عظيما، ولا توجد حضارة في العالم لم يساهم فيها أناس من شتى الأعراق. فمصر كانت دائماً على تماس بحضارات النوبة وكوش ومروي، ولا شك أنها أثرت وتأثرت، وكان تبادل التأثير قائماً عبر طرق التجارة والحدود والانسياب الثقافي، فالعلاقة كانت تبادلية وليست أحادية.
لا شك أن هنالك ثقافات أفريقية عريقة تحتاج إلى اكتشاف وتسليط الأضواء عليها، فمصر وحدها ليست أفريقيا، وأن أفريقيا أكبر من الاختزال في حضارة واحدة مهما كانت عظيمة، وأفريقيا كذلك أكبر من النظرة الاستعمارية إليها، والتي كانت الدافع الرئيس وراء نشوء الأفروسنتريك كحركة مضادة للمركزية الغربية، هذا الفهم المتوازن مهم لأنه يمنح أفريقيا حقّها الحضاري، من دون أن يَسلب مصر ميراثها. فخطاب الأفروسنتريك لتقديم قراءة تُعيد للإنسان الأفريقي مركزية كان يستحقها، وراءه هدف نبيل في ذاته، لكن نخشى أن يكون تحقيقه على حساب دقّة التاريخ، التاريخ الذي قد نفك بعض طلاسمه في حفريات ومتاحف أفريقية وفي المتحف المصري الكبير.