تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 9 أغسطس 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
فكر

المستعمَر: وضعية الخلو من الترجمة الذاتية (3/2)

15 يونيو, 2026
الصورة
المستعمَر: وضعية الخلو من الترجمة الذاتية (3/1)
Share

شهد المقال الأول من هذه السلسلة تفكيكا للمحنة الهيكلية والتاريخية التي تعصف بطبقة الصفوة المتعلمة تعليما غربيا، حيث ركّز البروفيسور عبد الله علي إبراهيم على مفهوم "وضعية الخلو من الترجمة الذاتية". لقد تتبعنا كيف يعمل النظام الاستعماري على تجريد الذات المستعمَرة من فردانيتها وحقها التلقائي في صياغة سرديتها الخاصة، محولا إياها إلى كائن بلا وجه ولا اسم. كما رصدنا الآلية النفسية والاجتماعية البالغة الخطورة المتمثلة في صناعة "العائلة البديلة"، حيث يمحو السياق الاستعماري الأبوة والأمومة البيولوجية ليحل محلهما رعاية ومؤسسات استعمارية مستعارة (تجسدت في آل روبنسون)، وهو ما يقطع الحبل السري الذي يربط المثقف بجذوره ويخضعه لعمليات تنشئة أجنبية تجعله غريباً ومغترباً في آن واحد، ليصبح مآله النهائي هو العيش كـ "لا شخص" داخل مجتمعه الأصلي.

غرفة مَوْجِدتنا

في دأبه لبناء هوية لمصطفى سعيد المراوغ والمتوحد يخمن الراوي أن "الغرفة المستطيلة من الطوب الأحمر" التي بناها في بيته بالقرية تحمل مفتاحا لحياته. ويصف تلك الغرفة بالقول "ساكنة، لا كالمقبرة، ولكن كسفينة ألقت مراسيها في عرض البحر". والراوي في سعيه لاكتناه مصطفى سعيد يعاضده ظن أرملته أنه يخفي شيئاً ما في تلك الغرفة. وعندما يستفسرها عن دواعي ذلك الظن تجيبه: "كان يقضي وقتاً طويلاً بالليل في تلك الغرفة" بينما لم تدخلها هي قط. وتطلب من الراوي التحقق طالما لديه المفتاح. يسألها الراوي مجددا لماذا تظن أن زوجها يخفي شيئا. تقول: "أحياناً، بالليل في النوم كان يقول كلاما... بالرطانة... لا أدري... مثل الكلام الأفرنجي... كان يردد في نومه كلمات... مثل جينا، جيني... لا أدري".  

في هذه الغرفة الغامضة تكشف عجز مصطفى سعيد عن كتابة ترجمة ذاتية. فيعثر الراوي، الذي ائتمنه مصطفى سعيد على أطفاله وعلى الغرفة النشاز، على كراسة في الغرفة. وإذ يفتحها يقرأ على الصفحة الأولى: "قصة حياتي - بقلم مصطفى سعيد". وفي الصفحة التالية الإهداء: "إلى الذين يرون بعين واحدة، ويتكلمون بلسان واحد، ويرون الأشياء إما سوداء أو بيضاء، إما شرقية أو غربية"، ويقلب "بقية الصفحات فلم أجد شيئًا – ولا سطراً واحداً، ولا كلمة واحدة". عوضا عن ذلك، يجد حياة مصطفى سعيد منفرطاً عقدها في مجموعة من الشذرات: ". . . أوراقاً كثيرة وسكتشات ورسومات، كان إذن يعالج الرسم والكتابة". يعثر الراوي على قصائد وقصاصات عليها جمل مختلفة.

للإحاطة بالترجمة الذاتية المجهضة لمصطفى سعيد يلزمنا فحص شيئين بالغرفة النشاز؛ معمارها ومحتوياتها. فهما ينضحان بإنجلترا، بكل تفاصيلها، حتى المدفأة. تصميم الغرفة المعماري جاء على غرار منازل القرية الأنجلوسكسونية مع سقف أحمر مقبب مثل ظهر الأبقار. وثمة مكتبة بحالها في الغرفة. تملأ كتبها "الحيطان الأربعة من الأرض حتى السقف... رفوف، رفوف، كتب، كتب... أراها مصنفة مرتبة" بما في ذلك أربعة من الكتب التي ألفها مصطفى سعيد عن الاستعمار والاقتصاد. كل هذه الكتب في اللغات الغربية معظمها في الإنجليزية حتى القرآن الكريم مترجم إلى الإنجليزية. وهذه هي الكتب التي تُخصي وتُهلـِك.

يشعر مصطفى سعيد، مسوَّراً بالتراث الفكري المكرس للذوق والثقافة الغربية، أن كاهله مثقل. ويتنازل عن التماس هوية يعتبرها الغرب سقط متاع أو غير موجودة اصلاً. ويستدعي المرء هنا كيف عمد الشاعر الأفريقي الأمريكي لانغستون هيوز إلى التخفف من وطأة التراث الغربي. فيقرر التخلص من كتبه للحيلولة دون التقزم الذي تبعثه المكتبة الغربية في المستعمَر. ففي كتابه "البحر الكبير" يصف الكاتب مغادرته نيويورك قاصداً أفريقيا. وعلى متن السفينة يؤدي هيوز طقسا تحرريا يعده لاحتضان قارته القديمة. ف "يتسلق أعلى سطح السفينة ويذُّر الكتب جميعها التي أزمع أن يقرأها في ترحاله مطيحا بها الى أبعد نقطة ممكنة في عرض البحر. وبينما تنبرم الكتب في المحيط واحدًا تلو الآخر، يستنشق هيوز بهجة الحرية: "كان طرح تلك الكتب في الماء أشبه بإزالة مليون طوبة عن قلبي".

يشعر راوي موسم الهجرة أن هذا الرجل، هذا المصطفى سعيد الموجود في غرفته شظايا ورثاثة، إهانة. ثم يقع له أن مصطفى سعيد إنما أراد منه المرور على شظاياه، أن يضعها جنبا إلى جنب، وأن "يكتشفه" عبر تكوين صورة متكاملة تكون في صالحه. داخلت الراوي زعازع من رجل أراد بدء صفحة جديدة، وتأهيل نفسه في بلده، ومع ذلك يجرجر معه إلى القرية غرفةً "مقبرة. ضريح. فكرة مجنونة. سجن". "يا له من مغفل". يشعر الراوي أن مصطفى سعيد غرر به للقيام بمهمة عبثية هي كتابة ترجمة سيرته الذاتية نيابةً عنه. فلا يرغب الراوي في "المضي في هذه المهزلة" التي صنعها رجل متلاعب، مغرور. سيشعل النار في الغرفة، فجراً "ستأكل ألسنة النار كل هذه الأكاذيب".

"كبش أسود عجوز / يباشر نعجتك البيضاء" عُطيل

تحسبًا للماضي الأوروبي الذي تستحضره هويته الأفرو-عربية في سياق نزواته الجنسية، يلحُّ مصطفى سعيد بلا كلل على "أنا لست عُطيلاً، عطيل كان أكذوبة"، أو "أنا لست عطيلًا. أنا أكذوبة ". هذا الإنكار لكونه محض نسخة من ماضي أوروبا ينعقد بشكل مفيد مع حجتنا أن آخر الأوروبي محكوم عليه بتاريخ أسه القياس والتشابه. فيُترك المُستَعمَر خالي الوفاض إلا من المشابهة لأن المستعمر حرمه من التفرد. والمشابهة تنفي الحق في الترجمة الذاتية.

يسوقنا إصرار سعيد ألا تتوهم أوروبا عنه ما ليس هو إلى سياسات التمثيل كما حللها إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق. ويعرّف إدوارد سعيد الاستشراق على أنه خطاب يُشَّرِق الشرق. بعبارة أخرى هو الخطاب الذي يجعل الشرق ما هو عليه في إدارته سياسيًا واجتماعيًا وعسكريًا وإيديولوجيًا وعلميًا وخياليًا خلال حقبة ما بعد التنوير وما تلاها. الشرق لا يمثل نفسه، إنه مُـمَثل (أو ممثلا به). لكن ذلك لا يجعل الاستشراق ومنتجاته محض حزمة من الأكاذيب أو المتخيلات تتبخر متى تكشفت الحقيقة. فخطاب الاستشراق مستحكم يظهر منه أنه "تلفيق متضام شقيه في النظرية والتطبيق... نظام معرفة حول الشرق، شبكة مقبولة يرسب عبرها الشرق لمستقره في الوعي الغربي". ويجعل إدوارد سعيد مثل مصطفى سعيد المصطنع مبلغ نظره قالً: "كان الشرق تقريبًا اختراعًا أوروبيًا، وكان منذ العصور القديمة محلاً للرومانسية، والكائنات الغريبة، والذكريات المـُـــلّــِحة، والمناظر الطبيعية، والتجارب الرائعة".

"موسم الهجرة" هي إثنوغرافيا كثيفة للاستشراق بوصفه تجربة معاشة مأساوية. فسياسات التمثيل الاستشراقية تسيدت على شهوة مصطفى سعيد ومخاطراته ومآسيه بين خليلاته الإنجليزيات. فيستجوبه النائب العام وقد أحكم القبضة على مصطفى سعيد المتهم بقتل بعض الخليلات والتسبب في انتحار بعضهن قائلاً:

"هل تسببت في انتحار آن همند؟"

"لا أدري"

"وشيلا غرينوود؟"

"لا أدري"

"وايزابيلا سيمور؟"

"لا أدري"

"هل قتلت جين مورس؟"

"نعم"

"قتلتها عمداً؟"

"نعم"

على الرغم من اعتراف مصطفى سعيد بقتله جين مورس إلا أنه، في العموم وعلى نحو مغلز، كان مزعزعاً ومنقسم الفؤاد حول إلقاء اللوم على نفسه. فأحياناً ينكر المسؤولية تَبْ، وفي أحيان يقر بها تعجيلا لنهاية المحاكمة المهزلة. فموت عشيقاته، في حجاجه، هو شيء تلبسه لكن ثقافتهن هي الجاني الحقيقي. فاستشراقهن في فهم سعيد أصل الداء. فأصبن، في قوله. فيقول إنهن أصبن بالعدوى من "جرثوم مرض فتاك. العدوى أصابتهن منذ ألف عام، لكنني هيجت كوامن الداء حتى استفحل وقتل".

مصطفى سعيد ليس واهماً كل الوهم فيما ذهب اليه. هناك سبب وجيه وراء قناعته أن المعرفة الاستشراقية عند عشيقاته هي حتفهن. لقد هيج فقط "كوامن الداء" لهذه الثقافة، والباقي تاريخ. فثقافتهن تجعلهن تكشف حالهن إزاء رجال من بلاد بعيدة وغامضة، وتدفعهن للاعتقاد في فحولتهم الأسطورية. فمصطفى سعيد على ذلك ليس بحاجة إلى إغوائهن. تغنيه كذبة أنه عطيل، في أذهانهن، وتكفي لأن تقع هؤلاء النسوة في حبه مثل الفراشات. لكن مصطفى سعيد، رغم كل ذلك، ليس موضع رغبتهن في ذاته.

رغم أن مصطفى سعيد يسعى إلى النأي بنفسه عن مؤونة المعرفة الاستعمارية، إلا أنه يعرف كيف يُغري النساء المصابات بالشرق وأفريقيا. إن إنكاره لكونه عطيل خدعة. فهؤلاء الأوروبيات لن يصدقنه. فاستشراقهن يغلب على فطنتهن. وهو خادعهن.

إن ما يعتقل هؤلاء النساء في مصيدة مصطفى سعيد حقيقةً هو الصورة التي يتخيلنها عنه كما تتصوره الثقافة التي نشأن فيها. فهن محاصرات في مصيدة الأكاذيب التي نسجتها ثقافتهن حول الآخر الثقافي. فمصطفى سعيد يتلاعب بهذه الأساليب مستدرجاً عشيقاته. فيصف هنا بيته ك"وكر الأكاذيب الفادحة، التي بنيتها عن عمد أكذوبة أكذوبةً". ثم يصف غرفته بالمكان الذي لم تغادره قط امرأة وهي عذراء، أو على قيد الحياة:

"غرفة نومي مقبرة... على الجدران مرايا كبيرة، حتى إذا ضاجعت امرأة بدا كأنني أضاجع حريماً كاملاً في آن واحد. تعبق في الغرفة رائحة الصندل المحروق والند، وفي الحمام عطور شرقية نفاذة، وعقاقير كيماوية، ودهون، ومساحيق، وحبوب".

التاريخ قواداً

عوالم مصطفى سعيد الأفريقية والشرقية هي ما يجذب شيلا غرينوود إليه. فطرافتها تفعل فيها فعل السحر: "دوختها رائحة الصندل المحروق والند، ووقفت وقتاً تضحك لخيالها في المرآة، وتعبث بعقد العاج الذي وضعته كأنشوطة حول جيدها الجميل. دخلتْ غرفة نومي بتولاً بكراً، وخرجت منها تحمل جرثومة المرض في دمها". فهي مهووسةً بأفريقيا ترى في مصطفى سعيد تجسيداً للسواد وليس رجلاً يتفاوض مع سواده وفق ما يشاء. وظلت شيلا غرينوود تكتشف شيئاً طريفاً في مصطفي سعيد كلما أمعنت نظرها فيه. فبعد أن لعقت وجهه بلسانها وصفت لسانه قائلة" لسانك قرمزي، بلون الغروب في المناطق الاستوائية". ويثير لونه الأسود "لون السحر والغموض والأعمال الفاضحة" مشاعر العجب فيها.      

لم تسعف غرينوود فطنتها لتتجنب الطريق القاتل للانتحار. فتناصرت تمثيلاتها الاستشراقية، أي جرثومة المرض، بماركسيةٌ طوباويةٌ. فهي تؤمن بأن المستقبل للطبقة العاملة و "سيجيئ يوم تنعدم فيه الفروق الطبقية ويصير الناس كلهم إخوة". إنها لا تبالي إن قتلها والداها بسبب مواعدة رجل أسود. وكانت تغني له أغاني ماري لويد وهما يرقدان عاريين.

مع إنكار سعيد بأنه عطيل إلا أنه يُسَوق صورته كعطيل في عيون محظياته متى شاء. فلإغراء إيزابيلا سيمور، يقول لها "أنا مثل عطيل؛ عربي - أفريقي". هذه الجملة هي إشارته لها حتى تنغمس في إثنولوجياها الاستعمارية: "نعم"، قالت وهي تنظر في وجهي "أنفك مثل أنوف العرب في الصور، لكن شعرك ليس رخوًا أسود قاتم مثل شعر العرب".

يسحر مصطفى سعيد، مثله مثل عطيل مع ديدمونة، ازابيلا سيمور بحكايات حزينة من فصول حياته قبل مجيئه إلى لندن. وفي غمرة التوصيفات المخيفة لهذه الحياة التي كلها أكاذيب يلمس وتراً حساساً عندما يخبرها أنه فقد والديه غرقاً في النيل:

"لمعت عيناها، وصاحت في نشوة:

"نايل؟"

"نعم، النيل".

"أنتم إذن تسكنون على ضفاف النيل؟"

أدرك مصطفى سعيد لحظتها أن "الطائر قد وقع في الرك"، وأن "النيل، ذلك الإله الأفعى، قد فاز بضحية جديدة". العدوى القاتلة التي أصابت إيزابيلا سيمور أدركتها، على جهلها بمصدر تلك العدوى. وتظهر الاثنولوجيا الاستعمارية مرة أخرى عندما تبرر قبولها الدعوة للشراب من غريب، قائلةً "هيئتك لا تدل على أنك من آكلة لحوم البشر". 

وتبلغ دراما التقمص ذروتها عندما تخبر إيزابيلا سيمور مصطفى سعيد أن أمها اسبانية. فتُبعث الأندلس من مرقدها. ويختلق مصطفى سعيد قصة عن سلفٍ مشتركٍ يجمعه بها. سلف جاء مع جيش طارق بن زياد غازياً إسبانيا. والدة إيزابيلا سيمور هي من نسل امرأة تزوجها أحد جنود طارق بن زياد في إسبانيا، ومصطفى سعيد من نسل الزوجة العربية التي تزوجها ذلك الجندي بعد عودته من الحرب. عندما قاد مصطفى سعيد إيزابيلا سيمور إلى الفراش كانت "أندلس خصب" مسبقاً.

إن قبضة سياسات التمثيل الاستشراقي على هؤلاء النساء شديدة. ايزابيلا سيمور، زوجة جراح ناجح منذ أحد عشر عامًا، وأم لطفلين. سيدة خيرة تساهم في أعمال البر، وترتاد الكنيسة. لكن دون جدوى. في لقاء سعيد-عطيل، "اكتشفت في أعماقها مناطق مظلمة كانت مغلقة من قبل". وها هي تضع دينها في خدمة رغباتها الغائرة. تستمع إليه في صمت "وفي عينيها عطف مسيحي".

مصطفى سعيد انقلب في نظرها "مخلوقاً بدائياً عارياً". ستصرخ في حرارة هذه اللحظة: "اغتلني أيها الغول الأفريقي. احرقني في نار معبدك أيها الإله الاسود. دعني أتلوى في طقوس صلواتك العربيدة المهيجة". صارت مهرطقة ووثنية إسفاراً: "المسيحيون يقولون إن إلههم صُلب ليحمل وزر خطاياهم. إنه إذن مات عبثاً. فما يسمونه الخطيئة ما هو إلا زفرة الاكتفاء بمعانقتك يا إله وثنيتي. أنت إلهي، ولا إله غيرك". لم تمت ايزابيلا سيمور بداء السرطان كما أعتقد البعض. قتلتها الهرطقات. كانت مؤمنة عندما قابلته، وإثر ذلك التلاقي" كفرت بدينها، وعبدت إلهاً كعجل بني إسرائيل". يا للغرابة. يا للسخرية. لمجرد أن خلق الإنسان عند خط الاستواء بعض المجانين يعتبرونه عبداً وبعضهم يعتبرونه إلهاً. أين الاعتدال؟ أين الاستواء".

وتشبعت آن همند، التي كان والدها عقيداً في الجيش ومتحررا ليس عنده تحيز ضد أحد، بالمعارف الاستشراقية. وتعضد استشراقها الفطري بدراستها للفلسفات الشرقية في أكسفورد . كانت مترددة بين اعتناق البوذية والإسلام. وفي جنونها بمصطفى سعيد اخترعته كرةً أخرى بوصفه عطيل. كان ينسج لها "خيوطاً دقيقة مريعة من الأوهام". وتخبره أنها ترى في عينيه" لمع السراب في الصحاري الحارة". وتسمع في صوته "صرخات الوحوش الكاسرة في الغابات".

قابلها إثر محاضرة القاها في اكسفورد عن أبي نواس، الشاعر العربي الكلاسيكي. محاضرته كما وصفها هو كانت" كلام ملفق لا أساس له الصحة، لكنني كنت ملهماً في تلك الليلة، أحس بالأكاذيب تتدفق على لساني كأنها معاني سامية. وكنت أحس بالنشوة تسري مني إلى الجمهور، فأمضي في الكذب." عقب المحاضرة التف حوله جمع من الناس (أشخاص لديهم صلة بأراضي المستعمرات، ومستشرقون).

كانت آن همند واحدة منهم. "طوقتني بذراعيها وقبلتني: "أنت جميل تجل عن الوصف".، ودلفا معاً في لعبة الأوهام: أخبرها أنه التقاها من قبل في مكان ما، وظل يقتفي أثرها. فتتذكر وتختلق بدورها قصةً كان التلاقي فيها أيام العباسيين.

نظر مصطفى سعيد لمقابلاته مع خليلاته دائماً بوصفها عرضاً مسرحياً. في صورة آن همند، القابعة في غرفة مصطفى سعيد الغريبة في القرية، ترتدي همند عباءةً عربيةً وعقالاً، وتتخذ أسماً عربياً: سوسن. في الإهداء أسفل الصورة كتبت: "من جاريتك سوسن". طوعاً باعت نفسها له أمةً، وألزمت نفسها الطاعة التامة لسيدها.

يُدركُ مصطفى سعيد أنهما كانا يكذبان على نفسيهما ورغم ذلك" كنت أحس، بطريقة ما، انني أعني ما أقول، وأنها هي أيضاً رغم كذبها فإن ما قالته هو الحقيقة". أكاذيبهما المتبادلة هي لحظة نشوة يبيع من أجلها عمره كله "لحظة تتحول فيها الأكاذيب أمام عينك إلى حقائق، ويصير التاريخ قواداً، ويتحول المهرج إلى سلطان".

لم تجد طفولة آن همند تلميذةً في مدرسة الراهبات فتيلاً في السيطرة على افتتانها. وعلى فراش مصطفى سعيد تتحول إلى عاهرة. في نشوتها بمصطفى سعيد تنتحر تاركةً رسالة صغيرة عليها اسمه تقول فيها "مستر سعيد لعنة الله عليك".

تنفرد جين مورس في علاقتها بمصطفى سعيد بأنها الوحيدة التي لم تخضع لسياسات التمثيل. وإذا كانت هذه التمثيلات مجرد أكاذيب فستنسج هي أكاذيبها الخاصة. ف "كانت تكذب حتى في أبسط الأشياء. تعود إلى البيت بقصص غريبة عن أشياء حدثت لها وأناس قابلتهم لا يمكن أن يصدقها العقل". حتى زواجها بمصطفى سعيد لم يرق إلى التقديس. تطلب الزواج منه، ثم تتنهد بقوة أثناء المراسم لتوهم القسيس بأنها تبكي من فرط سعادتها وعشقها لمصطفى سعيد. ولم تنقض لحظة من مغادرتها المراسم حتى انقلب بكاؤها ضحكاً وتقول "يا لها من مهزلة".

كانت جين مورس تجهد في تفلية مصطفى سعيد من براغيث سياسات التمثيل. ها هي تقتحم غرفة مصطفى سعيد لتطرد آن همند البريئة وتحل محلها. وها هي اشترطت على مصطفى سعيد تحطيم أوثانه الجنسية المتناثرة في غرفته قبل أن يجامعها. وتأمره بتسليمها أيقوناته واحدة إثر الأخرى لتحطمها: زهرية بورسلين، مصلاة من حرير أصفهان، ومخطوط عربي نادر. مزقت المخطوط العتيق والنادر إلى مزق صغيرة "وملأت فمها بقطع الورق ومضغتها وبصقتها".  ولم يحظ بها مصطفى سعيد بعد في تلك الليلة رغم أنها فلته من براغيثه.

 جين مورس حقيقية من حقيقة اللحم والدم. عندما يصفعها مصطفى سعيد تنشب أظفارها في وجهه. وهي عفوية. ليست في حاجة لغرفة مصطفى سعيد الساحرة لتسري فيها الغُلمة على عكس النساء الأخريات اللائي تغويهن سياسيات التمثيل. أية حديقة عادية تكفي ليحدث ذلك، إن شاءت هي. تخرج الأخريات عاهرات إثر مجامعة مصطفى سعيد لهن. لكن جين موريس مومس دون أن يمسها مصطفى سعيد. إنها ماجنة "بالقول والفعل لا تتورع عن فعل أي شيء تسرق وتكذب وتغش. تجامع الرجال، وتتحدى مصطفى سعيد ليفعل شيئاً حيال ذلك. لكنه يدير وجهه إلى الناحية الأخرى. حتى أنها تقول إنه لن يقتلها لو وجد رجلاً يعتليها". 

على الرغم من أن جين مورس تبدو متحررة من أوهام المستشرقين التي عانتها عشيقات مصطفى سعيد الأخريات، إلا أنها وحدها من استدعت عطيلاً ليختم على حبهما بخاتمه. فهي تكايد مصطفى سعيد قائلة إنه لن يستفزه لقتلها حتى لو وجد منديلاً نسيه أحد عشاقها معها. لم يكن لعطيل على ذلك الصبر مع ديدمونة، ولا على ذلك التسامح. عندما قرر مصطفى سعيد أخيراً قتلها على طريقة عطيل أثارتها إمكانية الموت. كانت تريد فقط أن يرافقها فيه وألا يدعها تذهب وحدها. من بين جميع النساء اللائي اغواهن مصطفى سعيد كانت هي الوحيدة التي خرجت من غرفته، إن جاز التعبير، عذراء.

الجنس المسرف في" موسم الهجرة" سراب بقيع. فسعيد أكذوبة حتى في شبقه وكذلك ضحاياه. فشبقهما مما تمليه السياسة لا الغرائز. فلا سعيد ولا محظياته يشبق كما يريد هو، أو هن أن يشبقن. فولههم خداع لأن كل منهم يخطئ العشيق الذي من لحم ودم ليقرأ نصاً من ثقافته. فيقول مصطفى سعيد عن إيزابيلا سيمور "استطالت نظراتها، كأنها تنظر إلي فتراني رمزاً ليس حقيقة". وسيخبر مصطفى سعيد آن همند أنه يرى "في زرقة عينيها بحور الشمال البعيدة التي ليست لها سواحل".

التحديق فيما هو أبعد من الشخص هو القاعدة في النشوات الجنسية في (موسم الهجرة). ما يجر شركاء الجنس إلى الفراش هي السياسة، لا الرغبات. ومصطفى سعيد على قناعة أنه صنيعة العنف الإمبريالي الغربي. إنه لا يقول اعتباطاً أنه جاء ليحرر افريقيا بذكره، سلاح الضعفاء. فيعلن، بعد تسليط الضوء على تاريخ مختصر لجرثومة العنف الأوربي الذي استجلبه المستعمرون إلى افريقيا "نعم يا سادتي، انني جئتكم غازياً في عقر داركم. قطرة من السم الذي حقنتم به شرايين التاريخ".

نساء مصطفى سعيد، على الدوام، يتغاضين عنه من أجل الانغماس في جغرافيا بلده، الجغرافيا التي صُيّرت غرائبية وآيروسية. ويدرك مصطفى سعيد أنه مجرد موضوع لخيالات آن همند. ويقول عن تعلقها بما يمثله لا بما هو هو: "رأتني فرأت شفقاً داكناً كفجر كاذب. كانت عكسي تحن إلى مناخات استوائية، وشموس قاسية، وآفاق ارجوانية، كنت في عينيها رمزاً لكل هذا الحنين. وأنا جنوب يحن إلى الشمال والصقيع". وكذلك" كانت تدفن وجهها تحت إبطي وتستنشقني كأنها تستنشق دخاناً مخدراً، وجهها يتقلص باللذة، تقول كأنها تردد طقوساً في معبد "أحب عرقك، أريد رائحتك كاملة. رائحة الأوراق المتعفنة في غابات أفريقيا. رائحة المنجة والباباي والتوابل الاستوائية رائحة الأمطار في صحاري بلاد العرب". كانت صيداً سهلاً".

 

المزيد من الكاتب