تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأحد 12 يوليو 2026

  • facebook
  • x
  • tiktok
  • instagram
  • linkedin
  • youtube
  • whatsapp
فكر

المستعمَر: وضعية الخلو من الترجمة الذاتية (3/1)

8 يونيو, 2026
الصورة
المستعمَر: وضعية الخلو من الترجمة الذاتية (3/1)
Share

" لكن لا شيء في الهند قابل لأن يُعرف، إن مجرد الاستفسار يجعلها تختفي، أو تندمج في شيء آخر".

الطريق إلى الهند

"وخامرني بغتةً شعورٌ فظيع، شيءٌ مثل الكابوس، كأننا نحن الرجال المجتمعين في تلك الغرفة لم نكن حقيقة، إنما وهماً من الأوهام".

موسم الهجرة إلى الشمال

 

يمثل هذا النص تفكيكا معرفيا ونقديا من الطراز الرفيع لواحد من أعقد المآزق الثقافية التي واجهت المجتمعات النامية في مرحلة ما بعد الاستعمار، وهو مأزق النخبة أو "الصفوة" التي وجدت نفسها معلقة بين عالمين؛ عالم الطين والجذور الذي تنتمي إليه بيولوجيا، وعالم الإسمنت والفكر الغربي الذي شكل وعيها الأكاديمي والسياسي.

تكمن القيمة الاستثنائية لهذا الطرح في فرادة كاتبه، البروفيسور عبد الله علي إبراهيم، أحد أبرز المؤرخين والمفكرين السودانيين المعاصرين الذين تميز مشروعهم الفكري بالجرأة والعمق في تشريح البنى الثقافية والسياسية للمنطقة العربية والأفريقية.

في هذا النص، يقدم الكاتب قراءة أدبية، يتوسل فيها برواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للعبقري الطيب صالح، وتحديدا بشخصية بطلها الإشكالي "مصطفى سعيد"، كأداة سيميائية وسيكولوجية بالغة الدقة لسبر أغوار ما يصفه بـ"وضعية الخلو من الترجمة الذاتية"؛ وهي الحالة التي يُحرم فيها الإنسان المستعمَر من صياغة سرديته الخاصة وفردانيته ليصبح مجرد صدى أو إسقاط لمتخيلات المستعمر الغربي.

تكتمل أركان هذا العمل بجهد المترجمة والشاعرة نجلاء عثمان التوم، التي لم تنقل النص نقلا حرفيا، بل نجحت في تعريبه بلغة رصينة، مشحونة بالظلال الدلالية والجمالية التي تليق بنص فكري يبحث في الهوية والوجود، مما جعل الأفكار تنساب بذات القوة والعمق اللذين صيغت بهما في الأصل الإنجليزي، تحت مراجعة وتدقيق حذرين من الكاتب نفسه لضمان مطابقة الروح والفكرة.

ونظرا للكثافة المعرفية العالية التي يزخر بها هذا التحليل، وتعدد أبعاده التي تراوح بين النقد السياسي، والتفكيك النفسي الفرويدي، وسياسات التمثيل الاستشراقي، وتصميم العمارة والهوية، فقد آثرنا أن نقسم هذا النص المرجعي المطول إلى ثلاثة مقالات مستقلة ومتكاملة.

نص المقال

تسعى هذه الورقة إلى التوسل بمصطفى سعيد، البطل الغامض لرواية الطيب صالح (موسم الهجرة إلى الشمال)، أداةً لسَبْر المحنة الثقافية والتاريخية لطبقة الصفوة ذات التعليم الغربي في السودان.

نُشرت رواية (موسم الهجرة) عام 1968، في الوقت الذي كان فيه السودانيون متيقظو الوعي السياسي شرعوا بالفعل في عجْم عودهم باحثين عن مواضع الخلل في أمر البلاد. وكان منصور خالد قد أَسْلك الطبقة المتعلمة في هذا الاستبطان عبر مقالاته المتسلسلة "حوار مع الصفوة" المنشورة على صفحات جريدة الأيام اليومية خلال العام 1965. وقد نُشرت هذه المقالات لاحقاً في كتاب بذات العنوان عام 1974. تفكرتْ هذه المقالات في سياسة الطبقة المتعلمة وثقافتها في غمرة انتكاسة ثورة أكتوبر الشعبية 1964، التي رادها الطلاب والمهنيون وطبقة المتعلمين، فأطاحت بالديكتاتورية العسكرية الجاثمة على سدة الحكم منذ العام 1958.

ندين لمقالات منصور خالد باستئناس مصطلح "صفوة" الذي حل محل التسميات السابقة، مثل: "طبقة المتعلمين" و"المثقفين" و"الخريجين". في عبارة غير ملتبسة وغير مسبوقة، يعزو منصور خالد فساد مُلك الصفوة الحديثة إلى هويتهم الثقافية؛ معتصمين بتعليمهم الغربي الذي لطالما فاخروا به بوصفهم رواد تحديث الأمة السودانية بعد تحررها من ربقة الاستعمار. فيجادل منصور خالد أن الصفوة صَرَمَتْ آصرتها مع أهلها وثقافتها مقتفية أثر مصطفى سعيد، الذي ما فتىء يردد أنه وهم.  تجادل هذه الورقة أن الصفوة المستعمرَة محكوم عليها بوضعية الخلو من الترجمة الذاتية. عبر استكشاف هذا الوضعية، والتي جسدَّها مصطفى سعيد، تعالج الورقة مسألة "تفاهة ما بعد الاستعمار" التي أحدثتها هذه الجماعة الزائفة الصِّــــرْم.

إنك لا تبني إمبراطورية بينما تنشغل بتذكر الوجوه

ربما تذكرون من مشاهد مسرحية "قطة على سطح صفيح ساخن" مشهدا يُقَرع فيه بِرك بوليت وجيها اسمه بابا الكبير لأنه أخفق في تذكر أسماء أطفال من خدموه بكفاءة وولاء. ولم يزد بابا الكبير في الرد على بِرك على قوله: " إنك لا تبني إمبراطورية بينما تنشغل بتذكر الوجوه".

إن مُشيِّد الإمبراطورية لا يكترث بجلهه بمن يستعمر، بل حُكم على المستعمَر، وسيظل محكوما عليه، بأن يكون بلا وجه أو اسم. في فيلم وثائقي تبرمت امرأة سوداء عملت في خدمة أسرة بيضاء أيام نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا من أن مخدمتها تناديها، عن قصد، بغير اسمها فتدعوها "ماري". إن امتياز المستعمِر في تجاهل المستعمَر يُجــرّدُ الأخير من حقه في الترجمة الذاتية التقليدية، ويحوله إلى عاطل عن السيرة.

جابهتني مسألة خلو المستعمَر من الترجمة الذاتية أول ما جابهتني أثناء تنقيب بحثي حول صورة حسن الترابي، قائد الصحوة الاسلامية في السودان، كما ترسمها الكتابات الغربية.

إن قراءة ما كُتب عنه كان أشبه بالتجول في مسرد رعب الثقافة الغربية: "مكيافيلي"لينين الإسلام"؛ "راسبوتين؛ "ستالينية متحورة"؛ وصولا إلى "آية الله نسخة ماديسون آفينو"، لكون الترابي افتقر بوضوح للمصداقية. حتى مقرّعيه السودانيين وجدوا ضالتهم في الشياطين الغربية، وتوسلوا بها في نقده. وفي ذمّ تفاؤله السخيف المزعوم عند اشتداد الخطوب نعته السيد الصادق المهدي، رئيس الوزراء الذي نُزعت عنه دولته بفعل انقلاب الترابي عام 1989، ب"كانديد فولتير". ودفعت لامبالاته بالكوارث الشديدة التي طوقت عنق البلاد حيدر ابراهيم إلى نعته "نيرون". قد يتصف الترابي بجميع هذه الصفات، بل أردأ وأضل. ولهذا السبب عينه تنهض الحاجة إلى دراسته، كما اقترح ام. إي ياب، وفق شروطه الخاصة، ليصبح بالإمكان كراهيته بطريقة صحيحة.

يحرمُ الغربُ من يُخضعهم من الترجمة الذاتية، وإن طرأتْ حاجة مستعمَرٍ للسيرة يُلقى بها إليه من الغرب بحكم إرادته المطلقة للسلطة. لقد صدر التاريخ بالنسبة للغرب مرة واحدة، والذين فاتهم قطار التاريخ محكومين بإعادته. وبغرض لـَجْــــم المستعمَر عن تاريخ يكون فيه فاعلا، يكتبُ الغربُ تاريخا هو محاكاة لتاريخه هو ذاته. فمتى لمس الغرب في مستعمَر صفة تقبل المقارنة بما اتسمت به شخصية غربية تاريخية يذهب عجولا إلى المـقارَن به، ويغفل المقارَن. وهكذا يُفرغُ الآخرُ من الترجمة الذاتية لأن عناصراً في هويته سبق وأن صدرت في تاريخ الأنا. تلتهمُ الأنا الآخر الذي لن تجد قصته أذنا صاغية.

فقْدان الهوية حقيقي في أحيان، يقر أحمد حسن مطر، وهو رحالة سوداني في شبابه ودبلوماسي فيما بعد، بمعاناته من هذا الفقدان في كتابه "سندباد من السودان". ويذكر مطر أنه لم يجد ما يذكره من طفولته، وهي المرحلة الفاصلة في اتخاذ الهوية. فكل ما يتذكره من طفولته شذرات مبعثرة. ولردم تلك الفجوة طلب من صديق طفولته عبد القادر الأمين روايتها في الفصل الأول من الكتاب، ليبدأ أحمد مطر رواية ذكرياته ابتداءً من سن التاسعة عشر؛ أي عام 1923، عندما قرر مغادرة السودان مختبئاً في سفينة راسية في ميناء بورتسودان.  

عائلة بديلة

يرى المستعمِر في المستعمَر كيانا غير متمايز عن جماعته بفردية، فهو في نظره متماسك بفضل قشرة جماعية لا يشوبها أي تنافر بين ذواته الاجتماعية وذواته الداخلية. وهكذا، يُترك المستعمَر خال الوفاض من الفردانية. وهي لازمة لا تقوم السيرة الذاتية إلا بتحققها. وطالما نشأ المستعمر كذلك على نبذ تقاليده من أجل الاستعداد للتحديث بشكل أفضل، فإنه يدير ظهره لعائلته "الأصلية" القديمة. وبالعيش في هذا النسيان، فإن المستعمَر هو اللا شخص، اللا أحد.

السيرة الذاتية هي أوضح بيان لتمييز الفرد عن جماعته. إنها ما يزعمه كاتبها بأنه عاش حياةً فريدةً تستحق الحديث عنها. ومع ذلك فإن وصول المستعمَر إلى الفردانية محظور من قبل علم الاجتماع الغربي الذي يفترض أن المستعمَر سيظل مدى الدهر رهين محبس تقاليد أسلافه المقدسة، أو، في أفضل الأحوال حارساً لها.

إن كان للترجمة الذاتية من وَكـْن فهو الأسرة. فالترجمة الذاتية عند سارتر هي جدلية تطور الشخص، الذي درسه التحليل النفسي، وتطور التاريخ. ومتى ما تبرأ المستعمَر من عائلته البيولوجية فإنه لا يملك حظوة السيرة. فهي ليست شأنه. فمما استقر في العلوم أن الأسرة ضرورية بوصفها مجال توسط تحدث فيه عملية اكتساب الطفل لخصائصه الفردية وللسمات المميزة لمجتمعه. فمتى تجرد المستعمَر من فرديته تمثله الطب النفسي الاستعماري خالي الوفاض من الترجمة الذاتية أو الحكايات.

فليس المستعمَر ثقافيا عضوا في أسرة بيولوجية أصلية حتى تُفصح التفاعلات الفرويدية عن نفسها فيه. عوضا عن ذلك فالمستعمَر هو حاصل عائلة بديلة اختطفته من التفاعلات الفرويدية القياسية لتخضعه لعمليات أجنبية. وربما ليس من الصدفة في شيء أن الطيب صالح في روايته (موسم الهجرة) أمات والد بطل الرواية مصطفى سعيد في أغسطس/آب 1898، أي قبل شهر واحد فقط من غزو الاستعمار البريطاني للسودان. وما أن غادر الأب البيولوجي حتى دخل محله الأب البديل (المستشرق مهنةً، في إشارة ذات مغزى) كما سنرى. على ذلك، ربما ليس اعتباطا ذكر الطيب صالح للمواجهة بين محمود ود أحمد، القائد العسكري الأنصاري الذي بعثه الإمام المهدي ليعترض الجيش الغازي عند نهر عطبرة، وكتشنر، الضابط البريطاني الذي قاد غزو السودان، في تبادل ساخر للأدوار يسأل كتشنر محمود ود أحمد: "لماذا جئت إلى بلدي تخرب وتنهب؟". ويبرز الطيب صالح السخرية في هذه المواجهة: "صاحب الأرض طأطأ رأسه ولم يقل شيئاً".

استمرت الكتب المدرسية الابتدائية حتى خمسينيات القرن العشرين، في الاحتفال بكتشنر بوصفه "فاتح السودان وناشر الحضارة" بهدف غرس مشروعية وخير هذه الأسرة الاستعمارية البديلة. ومتى جاء مصطفي سعيد ليتلقى العلم في المدارس الاستعمارية جاء بلا أب أو ولي أمر يكفله. وتجده يحتفل بهذا الصرم في العلائق قائلاً: "أُحسُ إحساسا دافئا بأنني حر، بأنه ليس ثمة مخلوق، أب أو أم، يربطني كالوتد الى بقعة معينة ومحيط معين".

كذلك يمحو الطيب صالح الأم البيولوجية لمصطفى سعيد من حياته ومن حكايته. واختفاؤها مؤشر عليه بمجاز القناع "وعلى وجهها شيء، مثل القناع، لا أدري، قناع كثيف". فلم يكن القرار بيدها في أمر هجرته إلى الشمال. فلم يتبادل معها الحديث إلا لماماً، وكانت حاضرة في كتاب حياة مصطفى سعيد لغرض وحيد هو تسليمه إلى كنفٍ أم أخرى. 

إن رحيل والديّ مصطفى سعيد الحقيقيين من محيط حياته، بالوفاة أو الغياب، جعله قابلاً للتبني. فقد اتخذته عائلة آل روبنسون، الأسرة التي التقى بها في القاهرة أثناء رحلته إلى إنجلترا للدراسة، ابناً بحماس. إذ أجهشت مسز روبنسون بالبكاء عند وداعه، وهو يغادر الإسكندرية، وبالمقابل فوالدة مصطفى سعيد - التي لم تكن لها كلمة في قرار هجرته - ودعت ابنها بلا دموع عند مغادرته الخرطوم. إن إلحاح مصطفى سعيد على تذكر عطر مسز روبنسون هو تضرع من أجل الحصول على أم بديلة تتبناه، فجميع الأشياء الجميلة لها رائحتها. وتتموضع هذه الأسرة البديلة في مكان مركزي في الرواية؛ إذ تبدو الصورة التي التقطوها معاً في القاهرة عام 1931 أسرية بامتياز: تظهر فيها مسز روبنسون واقفة يسار مصطفى سعيد "وتضع ذراعها حول كتفه، وزوجها يطوقهما الاثنين بذراعه"، بينما يبتسم آل روبنسون "ابتسامة طبيعية وسعيدة". 

توشحت مسز روبنسون بأمومة مصطفى سعيد على نحو لم تفعله أمه البيولوجية القاسية، فهي تناديه ب"موزي"، كاسم تدليل له، وتريده أن يناديها باسمها مجرداً اليزابيث دون اسم العائلة، لكنه عجز عن فعل ذلك. كما حصرت الى حضور جلسات محاكمته بتهم جرائمه البشعة في انجلترا تماما كما كانت تفعل الأمهات، وهو يقر بدعمها الوالدي هذا حين يقول: "لم أجد صدراً غير صدرها أسند رأسي إليه". لقد كانت تهدئ من روعه قائلا: "لا تبك يا طفلي العزيز"، وبدت غاضبة جدا من تشويه صورته جراء تلك المحاكمة العاطفية، متعهدة للراوي بالكتابة عنه قائلا: "سأكتب بالتفصيل عن المحاكمة وأزيل ما علق باسمه من غبار"، وصولا إلى إخبارها أرملة مصطفى سعيد في السودان أنها "تستطيع أن تعتبرني أماً".

يتضح في رواية الطيب صالح (موسم الهجرة)، وبطريقة درامية، عجز الغرب عن منح الآخر المختلف حق رواية سيرته الذاتية. وتبرز ثلاثة مواضع في بيان أن المستعمَر محكوم عليه بالخلو من الهوية المدونة؛ فالموضع الأول هو تلك الغرفة النشاز التي بناها مصطفى سعيد في القرية السودانية التي لجأ اليها عقب مغامرته في أوروبا. حيث عثر فيها على كراسة حاول عبرها تدوين سيرته الذاتية، بيد أن صفحاتها ظلت خالية تماما باستثناء اسمه.

أما الموضع الثاني المؤشر على إنكار الاستعمار هوية الآخر، فهو رفض مصطفى سعيد الخضوع لتأريخ الغرب بالقياس؛ فأنكر إجمالاً أنه عُطيل العصر الحديث ـ وعُطيل هو المغربي المشهور بجريمته العاطفية في مسرحية لشكسبير- ومن خلال هذا التنصل، كان يسعى إلى حرمان خليلاته من تخيله وفقاً لمنظورهن الثقافي. وجاء في الموضع الثالث الذي يتنصل فيه مصطفى سعيد من الهوية بحد ذاتها، خيرها وشرها، في إلحاحه على أنه محض أكذوبة، وذلك أثناء الجدال حول شخصيته في قاعة المحكمة لندن التي مَثَل فيها متهماً بقتل خليلاته.

 

المزيد من الكاتب